ومضات قرآنية الأشهر الحرم


السيد عادل الحكيم


بسم الله الرحمن الرحيم

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلاميةروابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

ّ

قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }التوبة36

الأشهر الحُرُم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، وكانت العرب تعظمها وتجلها وتقعد فيها عن القتال والغزو، حتى أن الرجل يرى في بعض هذه الأشهر قاتل أبيه فلا يهجوه ولا يعتدي عليه، على الرغم من أن الكثير من العرب كانت تعتمد في معيشتها على ما تحصل عليه من الغزو والسلب.

وتحريم هذه الأشهر لا يعني إباحة الاعتداء في غيرها، وإنما يكون الظلم فيها أوكد وأقبح.

وهذا التقليد العربي والجاهلي موروث من الحنيفية الإبراهيمية التي تركت أثرها على الفكر والسلوك الجاهلي وكان لها بقايا في دينهم الوثني حتى قالوا في حق أصناهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}الزمر3.

وحكى الله تعالى أيضاً عقيدتهم بقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ }العنكبوت61.

وقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }العنكبوت63.

ولهذا نسب الله تعالى تحريم هذه الأشهر الأربعة إلى الدين القيم، مع أن التحريم لم يكن وليد الإسلام، وإنما أقره الإسلام ووكده وثبته في تشريعاته.

ثم تحذر الآية الكريمة من ظلم الإنسان لنفسه في هذه الأشهر، لأن عقوبة الظلم فيه شديدة جداً بحيث لا تقاس مع الضرر الذي يحدثه الظالم للمظلوم، فيكون الخاسر الحقيقي هو الظالم نفسه والمتضرر الواقعي هو الظالم المنتهك لحرمة هذه الأشهر، فيكون الظلم الأساس واقعاً عليه، وهو الذي سيتحمل تبعاته في الدنيا والآخرة.

فالذي يقتل نفساً في الشهر الحرام يظلم المقتول إذ سلب منه الحياة، ولكنه يظلم نفسه بأن عرضها للغضب الإلهي والعقاب الذي لا يطاق، بحيث لا يعد ظلم القاتل للمقتول شيئاً في قبال ظلم القاتل لنفسه وتوريطه لنفسه ووقوعه في مأزق العصيان والتعدي.

ففي قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} تهديد وتحذير من الاعتداء على الآخرين في هذا الشهر، لأن في هذا الاعتداء انتهاك لحرمة الآخرين، ولحرمة الشريعة التي منعت من الظلم وحرمت وقوعه على طول السنة عموماً وفي الأشهر الحرم خصوصاً.

{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} الدين الصحيح المستقيم الثابت بالدلائل والشريعة القويمة التي تقوم بمصالح العباد وترعى أمورهم بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم.

وهكذا هو تحريم الأشهر الحرم حيث فيه إشاعة للسلم والتسامح والكف عن إيقاع الأذى بالناس وتقوي روح الطاعة والصبر على امتثال الحكم الشرعي وتعظم الشريعة وشعائر الله تعالى وكل ذلك يصب في مصلحة الناس ويثبتهم على النهج القويم والصراط المستقيم.

ثم إن بعض المشركين كان يحاول التملص من تحريم القتال والاعتداء في الأشهر الحرم بأن يبدل شهراً مكان شهر وهو ما سمي (بالنسيء) فيحل القتال في محرم ويحرمه في صفر بدلاً عنه على ما نقل في ذلك، والقرآن الكريم شدد على المنع من ذلك وأكد حرمة شهر محرم وعدم جواز تعديه إلى شهر آخر، وأن النسيء زيادة في الكفر، فنفس الاعتداء في شهر محرم وانتهاك حرمته والاستخفاف به كفر وبدعة النسيء وتبديل الشهر الحرام زيادة في الكفر والعصيان والجرأة على الله تعالى.

قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }التوبة37.

مع أن هؤلاء المشركين كانوا يعترفون بحرمة شهر محرم ويسعون إلى الالتفاف حول ذلك من خلال تعوضه بشهر آخر. فكيف بالذي يستخف بهذا الشهر ولا يعتني به أصلاً، ولو صدر ذلك عن منتحل للإسلام فالقبح أشد والذنب أفظع بعد أن من الله على المسلمين بالعلم والمعرفة وهداهم إلى سواء السبيل وبين لهم حدود الشريعة.

والأقبح من ذلك أن ينتهك الشهر الشريف والشهر الحرام باسم الدين فتسبى الحرمات باسم الجهاد والطاعة لولي الأمر ويسفك الدم الحرام ويسلب المال الحرام. هذا إذا كان المقتول محترم الدم والعرض والمال وإن كان يهودياً أو نصرانياً فكيف بالإمام الحسين عليه السلام وهو فرع شجرة النبوة وأصل من أصول شجرة الإمامة وهو ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وقد أمرنا بمودتهم وموالاتهم وحفظهم وحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وكيف تسبى تلك الحرم وهي حرم الله وحرم الإسلام وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

روى المرحوم الشيخ الصدوق بسند صحيح عن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) في أول يوم من المحرم، فقال لي: يا بن شبيب، أصائم أنت ؟ فقلت: لا. فقال: إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا (عليه السلام) ربه عز وجل، فقال: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) فاستجاب به، وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلي في المحراب: (أن الله يبشرك بيحيى) فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عز وجل استجاب الله له، كما استجاب لزكريا (عليه السلام). ثم قال: يا بن شبيب، إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها (صلى الله عليه وآله)، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً. يا بن شبيب، إن كنت باكيا لشئ، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث قبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين. يا بن شبيب، لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده (عليه السلام): أنه لما قتل جدي الحسين (صلوات الله عليه)، مطرت السماء دماً وتراباً أحمر. يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين (عليه السلام) حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً. يا بن شبيب، إن سرك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك، فزر الحسين (عليه السلام). يا بن شبيب، إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي وآله (صلوات الله عليهم)، فالعن قتلة الحسين. يا بن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين (عليه السلام) فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً. يا بن شبيب، إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلاً تولى حجراً لحشره الله معه يوم القيامة.
 


الصفحة الرئيسية