|
(1) إشكالية البحث:
يتناول هذا البحث بالدراسة والتحليل كلمة
((تأويل)) القرآنية،من بين عدد من الكلمات، التي ترقى بسبب
خصوصيتها بلغة القرآن، الى مستوى المصطلح الفذ المتفرد.
من((تأويل))((روح)) ((انزال، تنزيل)) ((محكم))
((متشابه)) ((وحي)) ((تفصيل)).وقد ظلت، مع الزمان وتوالي القرون،
محافظة على خصوصيتها ومستواها. فلم تنتشر، بما تحمله من معنى دقيق،
هابطة الى اللسان اللغوي العام، على اي مستوى من المستويات. شأن
كلمات اخريات مما اضافه القرآن الى اللغة التي نزل بها. من:صلاة،
صيام، حج، زكاة، جهاد،قيامة... الخ. وبذلك حافظت،اي تلك الكلمات،
على خصوصيتها، بوصفها لغة قرآنية حصرا،تماما مثلما كانت عندما
نزلت.
ومن الجدير بالذكير والاعتبار ان المفسرين،
بمقدار ما احاط به علمي، لم ينجحوا في التسامي الى مستوى هذه
الخصوصية،ولم يدرسوها على هذا الاساس. بل وسنرى انهم يلوون عنق
الكلمة، ويدفعونها قسرا الى مستوى اللغة المتداولة، من جهة،والى
مستوى ما كانت الفرق والمذاهب تخوض فيه من خصام لدد، من جهة اخرى.
لا نستثني من هذاسوى سيدهم، السيدالطباطبائي، رضوان اللّه تعالى
عليه، في تفسيره الشهير:
((الميزان)).
الذي افلح، بذهنه الوقاد، ومنهجيته الصارمة،وعلمه الواسع، في تحرير
الكلمات مماعلق بها خلال القرون. فأبعدها عن معناها القرآني
الاصيل. ومن الامانة والاعتراف بالفضل لاهله ان اقول، ان هذا البحث
مدين له بالكثير.
والحقيقة انني عندما بدات هذا البحث، كنت ادون
ملاحظات متفرقة، على سبيل تنظيم التفكير، في مسألة بدت لي مفارقة
لا تتلأم مع وحدة التفكير القرآني وصلابته.
فلماذا،على كل حال، نجد في القرآن هذا الحث
على الندب الى تدبر آياته
(النساء/4و82
ص 29 المؤمنون/68). وفي المقابل المنع،او ما هو بالمنع اشبه، من
تأويلها، اما لان علم التأويل هو للّه وحده، على قول قسم من
المفسرين، واما له سبحانه وللراسخين في العلم، على قول آخرين. تبعا
لما فهمه هؤلاء واولئك من معنى الاية السابعة من سورة آل عمران
(...فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله الا اللّه. والراسخون في العلم
يقولون آمنا به...). وعلى كلا القولين فانه ممنوع او ممتنع، او
ممنوع لانه ممتنع،على غيرهم.
من الواجب المسارعة الى القول: ان ما بدا لي
مفارقة مبني على الفهم المأخوذ به عند اهل التفسير لكلمة تأويل.
وهو يدور على معنيين:
- الاول: التفسير، ومثاله النبوي المعروف في
ابن عباس رضي اللّه عنه: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))،
ومن امثلته المبكرة قول رجل من اهل ((الشام)) في((صفين)):
اسمع اليوم ما يقول السليل ان قولي قول له
تأويل وواضح ان الكلمة في النصين تعني التفسير. والامثلة على ذلك
كثيرة لا تنحصر. وانما اخترنا هذين المثالين ليدلا ضمنا، على ان
هذا المعنى اصيل في اللغة المتداولة، يرقى الى العقود الاولى
للاسلام.
الثاني: صرف الكلام عن معناه المتبادر، اولا،
لسبب موجب.
مثل قوله تعالى: (يد اللّه فوق ايديهم) الذي
لا بد من صرف كلمة ((يد)) فيه عن معناها الحقيقي الى معنى ثان،
يتلائم مع التصوير القرآني للخالق سبحانه.
هذا المعنى الثاني هو الشائع اليوم ومنذ قرون.
والاول كان شائعا بين قدماء المفسرين. وقد نسخ او يكاد.
من المغازي الاساسية لما عرضناه، حتى الان، ان
الجميع يتجاهلون ضرورة ان يكون هناك معنى ثالث للكلمة، لاهو
(تفسير) ولا هو (صرف الكلمة عن معناها الحقيقي).
لان كلاالمعنيين لا يمكن ان يكون محكوما
بالمنع والخطر، وفقالمنطوق الاية. اذ يترتب على المعنى الاول ان
فهم معاني آيات الكتاب محصور بالمولى سبحانه، او به وبالراسخين في
العلم.الامر الذي يتعارض مع حث القرآن على تدبر آياته، وكذلك مع
وصفه لنفسه بأنه ((مبين)) و بيان)) و ((هدى)) و((نور)) في آيات
كثيرة. كما يترتب على المعنى الثاني، انه لا يجوز صرف اي من كلماته
عن معناها الحقيقي الاول. ومن المعلوم ان اهل القرآن مجمعون على
انه لا بد من ذلك اجمالا، في آيات دون آيات. ولاريب ان سبب الحاجة
الى التأويل بهذا المعنى، هو قصور اللغة والمعرفة البشريتين عن
ادراك المعاني الالهية والاسرار الربانية وتصويرها. فتأتي الكلمة،
مهما تكن درجتها من البلاغة والمطابقة للحال، قاصرة عن تصوير
الحقيقة كاملة. وهذا من قبيل العجز في المقدور، وليس العجز في
القادر.
(2) في المنهج:
يتلخص منهجنا في معالجة الاشكالية التي فرغنا
على التو من الكلام فيها، باعتماد القرآن مصدرا اساسيا واولا لفهم
ما تشابه من معاني آياته. اخذا منا بأنه تبيان لكل شيء (ونزلنا
عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)، يعني مما هو من منهجه، وبالمقدار
الذي اراد بيانه. وهذا تعبير آخر عن قاعدة رد المتشابه الى المحكم.
التي جاء الحث الشديد عليهافي كلمات اهل بيت العصمة عليهم السلام.
ومنها الرضوي: ((من رد متشابه القرآن الى محكمه فقد هدي الى صراط
مستقيم))، وهو من غررالاحاديث. وكلمة ((تأويل)) هي مماتشابه علينا
بين عدة معان. وان راى غيرنا انها محكمة، فوضع لها تعريفا،
واستعملها استعمال من احكمها، ولا مشاحة في هذا. فالتشابه امر
نسبي. ورب كلام يكون متشابهاعند امرىء، محكما عند غيره.
وابتغاء مزيد من التأصيل لمنهجنا هذا نقول: ان
مما لا يخلو من مغزى، ان الاحاديث المفسرة الواردة عن اهل بيت
العصمة عليهم السلام، هي غالبا، بل وغالبا جدا، تطبيق اوجري، وليست
تفسيرا بالمعنى الذي درجت عليه كتب التفسير المعروفة. وهونمط
توضيحي، وان شئت قلت ارشادي، يعمد الى ضرب المثل لبيان معنى من
معاني النص. ليس المقصود في هذا النمط من الاحاديث البيانية تفسير
كامل المعنى، بل ايضاحه بتطبيقه على ما يجري عليه (ومن هنا سماه
بعض المؤلفين الجري) . يملي هذاالمثل في النص المفسر، دون غيره من
بقية ما ينطبق او يجري عليه، اما الحاجة الفعلية الى بيان هذا
المعنى بالذات، واما كونه ابرز المصاديق. مثل تفسير ((الصبر)) في
قوله تعالى:(استعينوابالصبر والصلاة) بالصوم. او تفسير ((يطيقونه))
في قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)بالشيخ الكبيرومن
يأخذه العطاش.
المغزى في هذا، وما دعانا الى ذكره في هذه
المرحلة من البحث، انه يبدو ان الائمة عليهم السلام تجنبوا غالبا
تفسير كامل معاني آيات الكتاب. تجنبا منهم لاستنفادها في معنى
بعينه. واستبقاء لها مفتوحة على ما يستجد مع مر الزمان
وتغيرالاحوال. وايضا تعزيزا لمنهج رد المتشابه الى المحكم، الذي
اشرنا الى حثهم الشديد عليه. والجمع بين الامرين، اعني تجنب
التفسير الكامل، من جهة، والحث الشديد على ابقاء عملية التأمل في
النصوص حية طبقا لذلك المنهج، من جهة اخرى، يكمل احدهما الاخر.
وهذه الملاحظة بشقيها ذات مرمى عميق لمن تأمل.
على ان هذا المنهج ليس دائما بالامر البسيط
الذي يسهل تناوله. فقد يكون المعنى القرآني المعين سيالا في معان
اخرى.
بحيث تترابط المعاني وتتلازم لترجع الى حقيقة
واحدة.
باكتشافهاتضيء وتنير كل ما تحتها. وفي هذا ما
يلقي على المتدبر عبئاثقيلا. اذ عليه ان يستوعب كافة تنويعات
الفكرة.
ويكتشف اماكن التلازم والتكامل بينها. لكن
الجائزة التي يفوز بها، ان وفق في سعيه، تستحق ما بذل من عناء. ذلك
اذ يلمس لمس اليد التوافق المعرفي الكامل في كتاب اللّه. ويصدق
تصديق من انكشف له غطاء معنى قوله سبحانه: (افلا يتدبرون القرآن،
ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).
وسيرى القارىء ان ما نعالجه هنا مثال واضح على
هذا المنهج.
(3) كلمة ((التأويل)) في القرآن:
وردت كلمة ((التأويل)) في القرآن خمس عشرة
مرة. اكثر من نصفها ثماني مرات بالتحديد، في سورة يوسف وحدها.
ومرتان في سورة الكهف، والخمس الباقيات موزعة
بين آل عمران والاعراف ويونس والنساء والاسراء. ونعتقد ان معناها
ابين مايكون في سورتي يوسف والكهف. لان المؤولة به ووجه التأويل
محكيان فيهما في سياق القصة.
ومن المعلوم ان سورة يوسف تقص العناصر
الرئيسية من سيرته التي تدور على اربعة احلام مما يراه النائم.
اولها ما رآه لنفسه في مقتبل عمره، وحكى له رمزا مستقبله البعيد،
وقد جاء تأويله في خواتيم السورة. والثاني والثالث رؤي يا رفيقيه
في السجن. وكان تأويل يوسف الصادق لهما سببا في وصول شهرته في
تأويل الاحلام الى عزيز مصر. والرابع رؤيا العزيز نفسه، التي كانت
سببا في اخراجه من السجن، واستخلاص الملك اياه لنفسه،وجعله على
خزائن مصر.
ومن المعلوم، ثانيا، ان تأويل تلك الاحلام
الاربعة، لم يكن الاعبارة عن تحويل لغتها الرمزية الى حكاية وقائع
تحققت في مابعد. وتعليم يوسف ((تأويل الاحاديث)) ، الذي وردت
الاشارة اليه ثلاث مرات في السورة، في مطلعها وخواتيمها (الايات: 6
و21و101) هو، بدلالة السياق العام، يعني تأويل الرؤيا. باعتبار ان
الرؤيا هي من حديث النفس للنفس. اي ان الصور التي ترتسم في نفس
الرائي هي من صنع نفسه هو. وهذا الفهم هو من اللفتات البارعة
لسيدنا الطباطبائي .
اما المرتان اللتان وردتا في سورة الكهف،
فانهما من قصة موسى عليه السلام والعبد العارف الذي لقيه ورافقه.
وانكر عليه موسى خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار لاهل قرية
رفضوا ان يضيفوهما. فأول العبد العارف للنبي ما لم يستطع عليه
صبرا، اي بين له ما خفي عليه من اسباب ما فعل. ذاكرا له ملابسات لم
يطلع عليها. وبذلك نقله من مستوى من المعرفة يستند الى مشاهدة
ماحدث، الى مستوى اكمل يجمع بين الدافع والحدث نفسه. وهذا هو معنى
التأويل هنا. انه الربط ما بين العمل واسبابه الخفية. اواعادة
العمل او الحدث الى الملابسات التي سبقته وسوغته.
اذا اعتبرنا تلك الموارد العشر البينة المعنى
كافية للبدءبالتماس المعنى القرآني العام لكلمة ((تأويل))، ولا شك
انهاكافية من الوجهة العددية على الاقل، لوجدنا انها بعيدة كل
البعدعن تفسير معنى الكلام او صرفه عن ظاهره. اي ان التأويل ليس
تفسيرا، بمعنى شرح الكلام. وكذلك ليس صرفه عن معناه الحقيقي الاول،
الى معناه الثاني المجازي. كما اطبق عليه اهل التفسير، وفقا لما
فصلنا الكلام فيه آنفا. بل هي ترمي الى امرابعد من ذلك. الى امر
اشد علاقة بالجذر الذي اشتقت من الكلمة (اول). اي ما يأول اليه
الامر فعلا وحقيقة وواقعا، وليس على مستوى الكلام والمعاني.
هذا الفهم يتعزز بقوة لدى المتدبر، حين يقف
متمعنا على موردهما في سورتي النساء والاسراء:
(يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه والرسول
واولي الامر منكم، فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول، ان
كنتم تؤمنون باللّه وباليوم الاخر. ذلك خير واحسن تأويلا).
(واوفوا الكيل اذا كلتم، وزنوا بالقسطاس
المستقيم، ذلك خير واحسن تأويلا).
الايتان تصفان ما تأمران به، من طاعة اللّه
والرسول، وردالنزاعات اليهما، وايفاء الكيل والوزن بالقسطاس
المستقيم، بأنه ((خير واحسن تأويلا)). ولا ريب ان التأويل هنا هو
امر عملي، لاعلاقة له بعالم المعاني والتصرفات في الكلام على
الاطلاق. الخطاب هنا هو خطاب تنظيمي، يندرج في المشروع الاسلامي
الاجتماعي العام. ويعمل على اقامة مجتمع يتقوم بالطاعة الكلية
للنظام، والى الانضباط الشامل تحت لواء قانونه.
وكأنهما، اذ تفاضلان ب ((خير)) و ((احسن))،
تقولان، انه وان بدا لبعض الناس ان الخروج على النظام قد يجلب لهم
منافع عاجلة، فان المكسب العام الذي يناله الجميع بالطاعة
والانضباط هو خير واحسن للجميع في نهاية الامر وما يأول اليه. وهذا
مبدا جليل. يتوقف على حسن ادراكه من الناس، فهمهم للوظيفة
الاجتماعية لفضيلتي الطاعة والانضباط، ويربيهم على الحرص على اقامة
النظام.
خلاصة ما عالجناه حتى الان: تأويل الاحلام هو
ما سيكون وفق ماتدل عليه. وتأويل الافعال هو ما كان منها بحسب نظر
المؤول. وتأويل الامور التي يتقوم بها النظام هو النتائج الطيبة
العميمة التي تحصل من الانقياد له الامر الجامع الذي تتقاطع عنده
كل الموارد هو: ان نتيجة التأويل هي التلازم بين موضوعه وبين ماهو
موجود او سيوجد حقيقة وفعلا، بحيث يمكن لمسه ومعاينته مثل اي شيء
قائم موضوعيا خارج الذهن ووظائفه. هذا ما نصل اليه من تحليل اثنتي
عشرة آية من الايات الخمس عشرة.
والان هل يمكن تطبيق هذا الفهم لمعنى كلمة
((تأويل)) على الاية التي بدانا بها اشكالية البحث؟ في سبيل الجواب
سنعمد الى تحليل الاية. تاركين الايتين الباقيتين من الايات الخمس
عشرة الى ما بعد، لعلاقتهما بمرحلة تالية من البحث. وعلى سبيل
التذكير نقول، انها قوله سبحانه: (هو الذي انزل عليك الكتاب، منه
آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ
فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم
تأويله الا اللّه. والراسخون في العلم، يقولون آمنا به، كل من عند
ربنا. وما يذكر الا اولو الالباب).
ومن المفيد ان نقف اولا على سبب النزول، لانه
يلقي ضوءا منيراعلى موضوع التأويل ونهجه. حقا ان الحكم بأن اتباع
المتشابه هو ابتغاء للفتنة ( الاضلال، التضليل) والتأويل هو بمثابة
حكم عام، وان المورد لا يخصص الوارد، كما يطبق اهل القرآن. ومع ذلك
فان المورد الخاص ذو علاقة اكيدة بالمبدا العام، على الاقل لانه
احد مفرداته.
ويقول اهل التفسير: ان سبب نزول الاية، ان وفد
((نجران)) النصارى لما حاجوا النبي، صلى اللّه عليه وآله، في
المسيح عليه السلام، قالوا: ((اليس هو كلمة اللّه وروح منه؟))
فقال: ((بلى)) فقالوا: ((حسبنا)). ونحن نتبين من هذا الكلام، ان ما
اخذته عليهم الاية، بحيث قالت انهم بغاة تضليل وتأويل، هو انهم
فسروا ((كلمة اللّه)) و ((روح من اللّه)) القرآن يتين وفق مرادهم،
وبمايتناسب مع معتقدهم بأن المسيح هو ابن اللّه. مع ان العبارتين
لاتدلان على ذلك بالتحديد. بل على معنى آخر يتصل بولادة المسيح من
غيراب، بالارادة الربانية المباشرة، التي تجاوزت الوسيلة العادية.
وتفسير اولئك يتضمن انهم يعرفون من معاني القرآن ما لم يقله،
وينسبون الى اللّه سبحانه ما لم ينسبه لنفسه، وهو ادرى بفعله.
التأويل الذي كان سبب نزول الاية، هوالمطابقة
بين ((روح اللّه)) و ((كلمة من اللّه)) وحقيقة خارجية مزعومة هي ان
المسيح ابن اللّه.
الفارق بين المنهج السليم والاخر السقيم، في
هذه المسألة وامثالها، يمكن تلخيصه في ما يلي:
الاول، اي السليم، يقف عند حدود اللغة متدبرا
معانيها، وفق قواعد فهم المعاني من الكلام. ومن ذلك رد ما التبس
معناه بين عدة معان (المتشابه) الى ما بان معناه. فنفهم قصدالقائل
من ضرب كلامه بعضه ببعض. ومنه الرجوع الى من هو ادرى منابمعاني
الكلام الخاص. نقول ((الخاص)) لان من المعلوم ان لكل علم ونمط من
المعرفة مفرداته الخاصة به،التي تختلف معانيهاعن المفردات نفسها في
علم ونمط آخرين.
ومتدبر القرآن عن علم يلاحظ انه جاء بقاموس من
المفردات، يمكن ان نسميه لغة القرآن. وليس هذا، في عمومه، بالامر
البدع.
فالتجديد في المعاني يستدعي ويستلزم تجديدا
موازيا في المباني. ولا مراء في ان القرآن قد جاء من انزل عليهم
بنظام فكري جديد. اذن فمن الطبيعي والمتوقع ان يأتي ايضا بنظام
لغوي جديد، مواز لذاك.
اما الثاني، اي السقيم، فانه يدعي ضمنا صدوره
عما يتجاوزمعاني الكلام. الامر الذي يمكن ان يكون افكارا جاهزة
مسبقا وسلفا، تعكس اهواء اصحابها وافكارهم الخاصة.وهذا منهج يعكس
اتجاه التأثير. فبدلا من ان يكون القرآن مصدرا يغدوموردا. وبدلا من
ان يكون مؤثرا يغدو متأثرا. وما اكثر ذلك في ما تركته الفرق
والمذاهب المتخاصمة.وما اكثر ذلك خصوصا في ما تركته المدارس
الصوفية المختلفة، من تأويلات لنصوص الكتاب، تبتعد بنسب متفاوتة عن
مرامي القرآن المبينة.
المهم، بالعود الى عمود البحث ،
ان كلمة ((تأويل)) في الاية تندرج في المعنى نفسه الذي وصلنا
اليه من قبل بتحليل الايات الاثنتي عشرة. ذلك ان من ادعى ان
((كلمة اللّه)) و((روح اللّه)) تعني ان المسيح هو ابن اللّه،
ادعى ضمنا التطابق بين النص وبين حقيقة خارجية مزعومة لا دليل
عليها. وذلك هو التأويل المذموم، لانه دعوى عن غير علم. واذا
كان مضمون التأويل يعكس افكار اصحابه المسبقة، وخصوصا اذا
تعارض مع مفاهيم القرآن يكون فتنة وتضليلا.
ويمكن لمن يريد
ان يتأمل في المنهج القرآني هنا بالذات،
ان يقرا فيه جانبا من جوانب اعداد الانسان المسلم وتربيته
وبنائه بناء فكريا صلبا. بحيث لا يقبل اذ يقبل ما يعرض عليه
الا عن بينة، وبالمقدار الذي قامت عليه البينة، واستنادا الى
منهج مقرر. اذن، فالمسألة هنا غير محصورة في المنهج الذي على
المسلم ان يعتمده في فهم ما تشابه من نصوص القرآن، انما هي
ابعد من ذلك. بل يمكن القول: ان ما يتعلق بفهم هذه النصوص انما
هوتطبيق لما هو اعم واشمل بحيث يتناول كل نص. وليس من
خطتناالان ان نخرج عن عمود البحث، والتوسع في بحث هذا الموضوع،
استنادا الى منهج القرآن في الدعوة والايمان.
يبقى ان نقول، قبل مغادرة هذا الفصل: ان
التحفظ الوحيد على ما وصلنا اليه من نتيجة، يتعلق بنقص الاستقراء،
لاننا تجاهلنا حتى الان مورد الكلمة في آيتين من الايات الخمس
عشرة. سنقف عليهما قريبا، حيث سيأتيك لنتيجة البحث حتى الان مزيد
بيان.
(4) من اين تأ تي
مشكلة التأويل:
وقفنا على سبب النزول اعلاه، استعانة به في
فهم كلمة ((تأويل))، واعتقد اننا فزنا من سعينا بما نرجوه.
لكن علينا الان ان نقول: ان سبب النزول هو
المناسبة التي استدعت نزول الاية وليس اكثر. اي انه ما من علاقة
موضوعية بين اصل الفكرة، او المبدا المصرح به في الاية
المنزلة،وبين سبب النزول. بل يمكن القول: ان العلاقة هي علاقة
توقيت او ماشابه. يترتب على هذا ان المبدا، اعني منع التأويل، اصيل
في النظام الفكري القرآني، وليست امرا عارضا استدعته مناسبة.وما
دام كذلك فيجب ان يكون ساريا في هذ النظام. لذلك فان علينا ان نبحث
عما يتصل بمعنى التأويل وحكمه في موارداخرى، لا تبدو للوهلة الاولى
ذات علاقة بما يطرحه البحث من مشكلات. لكننا بالتمعن والتدبر،
وبجمع المعاني بعضها الى بعض، يمكن ان نرى ما لم نكن نراه بالنظرة
العجلى وبالاخرى المفردة. وبذلك نطل على كنوز من المعرفة ذفرها
المولى لمن يعرف كيف يسعى اليها، متجملا بالصبر، متسلحا بالمنهج
الصحيح. واضعا نصب عينيه الوعد الالهي الكبير الذي في قوله تعالى:
(افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا
كثيرا).
مسترشدا بالحديث الشريف عن الامام الصادق، عن
ابيه، عن آبائه، عليهم السلام، عن رسول اللّه صلوات اللّه عليه
وآله: ((.... ظاهره (اي القرآن) انيق وباطنه عميق. له تخوم، وعلى
تخومه تخوم. لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه)) .
وانني ارى، بعد التأمل في ما اجتمع لدي من
نصوص تتصل بالموضوع، ان مفتاح الكلام في هذا، هو ما بقي من الايات
الخمس عشرة، التي ورد فيها ذكر التأويل، وارجأنا تدبرهما الى
الموضع المناسب، وهذا هو.
اما الاولى فهي قوله سبحانه:
(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة
لقوم يؤمنون. هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله، يقول الذين
نسوه من قبل قد جائت رسل ربنابالحق...).
واما الثانية:
(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم
تأويله..).
ولا ريب في ان موضوع الايتين هو القرآن بشهادة
السياق. والاية الثانية ابين من الاولى في هذا. لكن وصف الكتاب في
الاولى بأنه مفصل ((فصلناه)) هو بمثابة وقوة النص على ان المعني
بالكلام هو القرآن، وليس غيره من الكتب المنزلة. لانه من الاوصاف
الدائرة في القرآن عن نفسه.
نستفيد من الجمع بين النصين امران:
الاول: ان لتأويل القرآن وقت وابان ((يوم يأتي
تأويله)).
الثاني: ان هذا الوقت لم يأت بعد ((لما يأتهم
تأويله)).
وليس من بغيتنا من الوقوف عند هذا المعنى ان
نغوص في اسراره، فقد يكون ذلك من التأويل المذموم، ما دام المولى
سبحانه لم يبينه لنا. وما دمنا لا نملك ادوات البحث فيه. لكن لا
بدلنا من ان نلاحظ ان النص الاول يأتي في سياق الحديث عن اسرار
الحياة الاخرة، وبالتحديد الاعراف واصحاب الاعراف.مما يودع في ذهن
المتدبر ان ذلك الابان ليس من شؤون الحياة الدنيا. ولعله يوم ينكشف
عن الانسان غطاء الحواس الضعيفة،فيرى الحقائق التي حدثه عنها
القرآن راي العين. ويغدو بعض عالم الغيب بالنسبة اليه عالم شهادة
(وجائت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. ونفخ في الصور ذلك
يوم الوعيد. وجائت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا
فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد).
لكن اهم ما نخرج به من تدبر الايتين، بالنسبة
لبحثنا هو:
ان تأويل ما تشابه من القرآن ليس طوع من يسعى
اليه من البشر،مهما ملك من ادوات البحث والنظر. وانه مذخورلوقت
معلوم.حين تتبدل شروط المعرفة عند الانسان. وهذه فكرة قد تبدوغريبة
لاول وهلة عند انسان يعرف ان اللّه تعالى انزل كتابه المجيد من
اجله (انا انزلنا عليك الكتاب للناس) (بلسان عربي مبين) (نورا وهدى
للناس).
لكن الحقيقة هي تماما على غير ما يبدو. ان كون
القرآن قد انزل للناس بلسان عربي مبين نورا وهدى يوجب الفكرة ولا
يتعارض معها. وخصوصا فان كونه كتاب هدى ونوريجعل من الضروري الوقوف
في فهم معانيه، بوصفه كلاما الهيا، عند الحدود التي في وسع ادوات
المعرفة عند الانسان ان تخوض فيه، وفي وسع اللغة البشرية ان تعبر
عنه، اماحين تخرج الامور عن نطاق هذين وطاقتهما، فان التربية
السديدة للانسان القرآني توجب تعريفه بالحدود التي عليه ان يقف
عندها ولا يتجاوزها. ولا شك ان التأويل، بالمعنى الذي عرفناه
وحددناه، يقع خارج تلك الحدود.
فمن المعلوم، اولا، ان القرآن، بحكم البناء
الفكري الخاص الذي قاد المؤمنين اليه، وبحكم النهج الذي سار عليه
في الدعوة والتبليغ والتعليم، قد اتى على ذكر امور كثيرة، مما
لايقع تحت علم انسان. من صفات اللّه تعالى وشؤونه، كالعرش والكرسي
واللوح والقلم وعلم الساعة واليوم الاخر والملائكة والوحي وغيب
السماوات والارض. بالاضافة الى اسرار الخلق والتكوين.
مما لا سبيل الى علمه اصلا الا بتعليم العليم
الخبير.
ومن المعلوم، ثانيا، ان اللغة البشرية، ايا
كانت، ومهما بلغت درجتها من الدقة والبيان، هي وعاء خبرات البشر.
اودعوا فيهاما عرفوا وخبروا من اشياء واعمال واحداث ومشاعر،
اصطنعها الانسان ونماها ولا يزال. وذلك بعد ان هياء الخالق سبحانه
عقله واعضائه، المتعلقة بوظيفة النطق، لذلك.
ولذلك فهي عاجزة عن التعبير عما هو خارج هذه
الخبرات.وكل ما يأتي من خارج الخبرة البشرية، سيفهم معناه بتطبيقه
على ما عرفه الناس، وليس على ما يريد المتكلم التعبير عنه بالفعل.
فلنأخذ مثلا كلمة ((عرش)) في قوله تعالى: (وهو
الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء..). ليس
في وسعنا، نحن البشر، ان نطبق الكلمة الاعلى ما نعرفه معرفة ما من
صنوف العروش، التي يعتقدها الملوك، وما توحي به من عظمة وسلطان.
وهو تطبيق بعيد كل البعد عن مرمى الاية. وتترتب عليه محاذير واضحة.
ولذلك فان اهل التفسير يطبقون على ان استعمال
الكلمة هنا هو على نحو المجاز. وهذا هو الحل الوحيد الممكن على
مستوى اللفظ والمعنى. لكنه لا ينفي، بل يقول ضمنا، مثل كل مجاز، ان
هناك مدلولا حقيقيا للكلمة، عجزت اللغة عن تصويره، لانه لا يشبه اي
شيء مما عرفه البشر.
هذا المثال واضح جلي. وقد اخترناه من بين
امثاله تقريبا للمقصود. لكن الامر يصبح ابعد عن الفهم، عصيا على اي
تطبيق،حين نتلو قوله تعالى: (والارض جميعا قبضته يوم القيامة
والسموات مطويات بيمينه) لان الاية تقدم لنا صورة لا تشبه اي شيء
من خبراتنا البشرية.
اعتقد ان ما قدمنا به من تحليل، وما ثنينا به
من مثال، يحدد المعضلة. انها نقطة حرجة بين ضرورة وامكانية. هي، من
جهة، ضرورة الورود على ما ذكرناه من معان، لعلاقتها ببنية العقيدة
بدرجة او بأخرى، وبتبليغها، وببناء عقول الناس حسب مقتضياتها. ومن
الجهة الاخرى امكانية اللغة وقدرتها على الاحاطة بتلك المعاني
والتعبير عنها، لاسباب صارت واضحة لدى القارىء.
مثال ((العرش)) يقدم لنا نموذجا للنقطة
الحرجة، التي تتقاطع عندها الضرورة والامكانية. وفي الوقت نفسه
تحدد للمتدبر في كتاب اللّه عن علم حدود ما بين التدبر المأمور به
والتأويل المنهي عنه. اننا عاجزون عن فهم كنه ((العرش)) وتصور
ماهيته. ولكن عجزنا هذا لا ينافي اطلاقا التصديق بما جائت به
الاية. فالتصديق بأصل الموضوع شيء، ومعرفة كنهه شيء آخر. وكذلك
القول بالنسبة للاية السابعة والستين من سورة الزمر، التي قلنا
انها ابعد عن الفهم. ومع ذلك فاننا نقول انها تودع في نفس المتدبر
ما اراد اللّه سبحانه ان يودعه، وما يسع البشر فهمه، عن نهاية
الكون يوم القيامة، وخموده، وسقوط القوانين الطبيعية. وذلك هو
المقصود كما يبدو للمتدبر. وكلا المعنيين، في النهاية، صياغة بشرية
لمعان الهية.
غاية ما يمكنها تقريب المقصود، بشكل اقرب ما
يكون الى الخبرة البشرية، وبقدر ماتسعه لغتهم.
علينا، الان، ان نعود الى الاية السابعة من
سورة آل عمران، التي بدانا منها هذا البحث. عودة تمليها علينا
ضرورة امتحان النتائج التي وصلنا اليها حتى الان. نتدبرها ونحللها
على ضوء من ذلك. واعتقد اننا بما بيناه من معنى ((التأويل)) خصوصا،
سنرى ان مرماها في غاية الانسجام والوضوح. وهذا خير امتحان
للافكار.
هناك ستة عناصر تتزر في عمارة الاية:
الاول: سبب النزول: وقد قلنا آنفا ان لا علاقة
موضوعية بينه وبين مضمون الاية. ونعني بذلك ان لا علاقة بينه وبين
اصل العناصر،او قل الافكار او المبادىء، التي كونت الاية.اي ان هذه
كانت موجودة في اساس الفكر. وكان لسبب النزول دور المثيروالحافز
الذي انتهى الى نزولها بالشكل والنظام والتركيب الذي نزلت فيه.
ويمكن تشبيه الامر بالمشكلة بالنسبة للباحث او السؤال بالنسبة
للعالم. فكلاهما يحدد عناصر الموضوع هنا: البحث او الجواب التي
كانت موجودة في الذهن.
ولكن المشكلة او السؤال هو الذي جعلها تأتي
بهذه الصياغة او التركيب. ومن اجل ذلك عني اهل التفسير ببيان سبب
النزول. ومن هنا صح لنا اعتباره من العناصر التي تزرت في عمارة
الاية. وهو سبب يمكن الاشكال عليه بسهولة. ولكن لا مشاحة في الامر
بعد بيان الاعتبار.
الثاني: تقسيم آيات القرآن، بلحاظ ما يلزم
الايمان به وما يلزم العمل به، الى قسمين: محكم، يلزم الايمان
والعمل به معا. ومتشابه، يلزم الايمان به فقط. بمعنى يلزم الايمان
بصدوره عن اللّه تعالى. وهذا التفسير لمعنى ((المحكم)) و
((المتشابه)) ينطوي على نوع من المصادرة على الدليل. اضطررنا اليه
اضطرارا، ايفاء لمقتضيات هذه المرحلة منه. وكي لا نخرج ببحثه.. على
عمود البحث.
الثالث: بيان ان الذين مالت قلوبهم عن الحق
يختارون اتباع الايات المتشابهة دون المحكمة. والاتباع ملحوظ فيه
جانب العمل. وفي ذلك اشارة واضحة الى ان ميل قلوب اولئك عن الحق
سبب وسابق على ايثارهم العمل بالايات المتشابهة.
الرابع: ان بغية اولئك من العمل بالايات
المتشابهة امران:
ا- الاضلال او التضليل، اي اغراء الاخرين
بالانحراف عن جادة الحق.
ب- التأويل، اي تأويل المتشابه. وقد عرفنا
المختار من معناه،وانه تطبيق المؤول على امر محدد بعينه موجود او
يزعم المؤول انه موجود فعلا. ولو ان التأويل كان منهجاوطريقة في
استنباط المعنى، كما يقول التفسيران المعروفان اللذان سبق بيانهما،
لما صح القول فيه انه بغية وغاية. لانهما من باب الوسيلة والطريقة.
اذن، فهذا دليل قاطع، في مايبدو لنا، على ان معنى كلمة ((التأويل))
القرآنية ليس ما يرادف اليوم كلمة تفسير، كما انه ليس صرف الكلام
عن معناه الحقيقي الاول. بل هو امر يتصل بالغاية المسبقة من عمل
المؤول. وهو فهم يتناسب مع ما ذهبنا اليه من معناها. وهذه ثمرة من
ثمرات التدبر المنهجي الدقيق في كتاب اللّه.
الخامس: انه لا يعلم تأويل المتشابه من
القرآن، يعني الامورالحقيقية التي تأول اليها معانيه، الا اللّه.
السادس: اما الراسخون في العلم، اي الذين ثبتت
اقدامهم في المعرفة واطمأنوا الى ما هم عليه، فانهم، حين تتشابه
المعاني عليهم، يعلنون تصديقهم بكل ما في كتاب اللّه، ماكان منه
محكما،وما كان منه متشابها. لانه كله من حيث الصدور سواء. دون
السقوط في تطبيق المعاني على امور بعينها، تطبيقا باتا قطعيا. وفي
هذا القسم من الاية اشارة وتلميح الى ان هذا المسلك من الراسخين في
العلم، هو ثمرة من ثمرات المعرفة، وليس مجرد تسليم واطمئنان، ذلك
ان من شأن العالم ان يعرف البعدالحقيقي للمشكلة التي يواجهها بعقله
وقدرته على الخوض فيها او عجزه عن ذلك. اما الجاهل، او غير سليم
الطوية، فقد يقدم حيث ينبغي الاحجام، او يحجم حيث ينبغي الاقدام.
الخلاصة:
ان مشكلة التأويل تأتي من ان القرآن المجيد،
بحكم مركبه الفكري الداخلي، قد اتى على ذكر امور، مما لا يقع تحت
علم بشر، ولا في وسع البشر ان يخضعوها لادوات البحث والكشف التي
تحت يدهم. ولكن هذا لا يعني انها كلها مما لا سبيل الى معرفته
معرفة ما، باعتماد المنهج الصحيح. فعن امير المؤمنين عليه السلام،
انه قيل له: ((هل عندكم شيء من الوحي؟)) فقال: ((لا، الا ان يعط ي
اللّه عبدا فهما من كتابه)).
وهو حديث جليل عميق المعنى. يدل، من جهة
السائل، على انه لم يجد تفسيرا لمايراه عند الامام من بدائع
المعارف الا انه وحي يوحى. وفي الجواب ينفي الامام، طبعا، ما راح
اليه وهم السائل، نفيا قاطعا مشفوعا بالقسم. ليقول: ان ما عنده،
مما اثار السؤال لدى مخاطبه، مستنبط من كتاب اللّه. لكن ما يلفت
المتأمل في صيغة الجواب: ليس عندنا من الوحي الا... انها تترك
السامع يعتقد ان الفهم من كتاب اللّه قد يكون في درجة الوحي. ولا
ينبغي ان يكون في هذا الكلام امرا غريبا على مؤمن. فكلا الوحي
والكتاب من عند اللّه تعالى: فهما من جهة الصدور على حد سواء.
والشأن كل الشأن، بعد، ان يعطي اللّه عبدا فهما من كتابه. وذلك،
طبعا، بعد ان يكون العبد قد سعى اليه السعي الذي دله وحثه ربه عليه
(افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها).
(5) بين التأويل والتدبر تقدم لنا الايات
الاخيرة من سورة الزمر مثالا ممتازا للفارق بين ((التأويل)) و
((التدبر))، بوصفهما منهجين مختلفين في التعاط ي مع النص القرآني.
وقد كنا قدمنا الكلام في بعض تلك الايات،مثالا على النصوص القرآنية
المبنية من صور لا تشبه اي شيء من خبراتنا نحن البشر. والحقيقة ان
غناها المدهش بالمشاهد العجيبة يحرك عقل الباحث، ويغري بالافادة
منها في اكثر من باب.
(بل اللّه فاعبد وكن من الشاكرين. وما قدروا
اللّه حق قدره،والارض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات
بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون. ونفخ في الصور فصعق من في
السموات ومن في الارض الا من شاء اللّه، ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم
قيام ينظرون. واشرقت الارض بنور ربها، ووضع الكتاب،وجيء بالنبيين
والشهداء، وقضي بينهم بالحق وهم لايظلمون).
اذا تأملنا في الايات الثلاث، آية بعد آية،
يبدو لنا جليا ان مرماها الاساسي هو حث الناس على توحيد الباري
سبحانه ونبذ الشرك. لانه تعالى وحده مالك الملك، به ينحصر الامر
والحكم والسلطان واليه المصير. وهو الذي يحاسب الناس على اعمالهم
ويجزيهم عليها. لكن تقديم هذه المعاني، التقديم الذي يحدث الاثر
المطلوب، اقتضى ايراد تفصيلات من احداث يوم القيامة. من قبض الارض،
وطي السماء، ونفخ الصور، وصعق من في السموات والارض الا من شاء
اللّه، واشراق الارض بنور ربها، ووضع الكتاب، والمجيء بالنبيين
والشهداء، واخيرا الدينونة.وعلى الرغم من ان هاتيك المعاني مصوغة
صياغة ادبية، اشبه بلغة الشعر، فانها، ولا ريب، ترجع الى وقائع
وحقائق مماسيحدث يوم القيامة. ان عبارة ((والارض جميعا قبضته يوم
القيامة)) تماما مثل ((والسموات مطويات بيمينه))... الخ.
هي صياغة تزر في تركيبها قدرة اللغة البشرية
على التعبر،وقدرة البشر على التخيل استنادا الى خبراتهم وما عرفوه.
وهما وجهان لحقيقة واحدة، كما عرفنا مما سلف. ولكننا على يقين
كامل، من ان الصورة الادبية، مهما تكن بليغة ودقيقة، لن ترقى الى
مستوى الحقيقة، التي سينعم الانسان بمعاينتها، بكامل عظمتها
وبهائها، يوم ينكشف عنه الغطاء في اليوم الاخر (وجائت كل نفس معها
سائق وشهيد.
لقدكنت في غفلة عن هذا، فكشفنا عنك غطائك،
فبصرك اليوم حديد). ذلك هو يوم التأويل، اي تطبيق المعاني على
الحقائق، لما كنا قد عرفناه معرفة ما، عن طريق ماقرانا عنه في كتاب
اللّه (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون.
هل ينظرون الا تأويله يوم يأتي تأويله...).
على هذا يمكن القول: ان في هذه الايات، على
مستوى التركيب الداخلي او المعنى، روح او فكرة اساسية، هي الحث على
التوحيد ونبذ الشرك باللّه تعالى. وفيها، الى جانب ذلك، امور تابعة
للفكرة الاساسية وفي خدمتها، هي ما اتت على ذكره من احداث يوم
القيامة. ولا ريب انه من الاهمية بمكان، بالنسبة لفهم نص بعينه
بالخصوص، ان نضع كل جزء من اجزائه في موقعه الصحيح، من حيث درجة
مساهمته في بنائه، وتاليا في البناء الفكري لتالي القرآن. على ان
هذا لا يمنع ان يأتي في نص آخر ما كان تابعا هنا اساسيا هناك، او
بالعكس. وهذا واضح، والامثال عليه لا تنحصر. وهذه القاعدة يمكن
للمتأمل ان يستكشفها من كلمة ((تدبر))، التي وضعها المولى دون
سواها، لتحمل التعبير الانسب عن المنهج الصحيح في التعاطي مع آيات
كتابه المجيد. ذلك ان الكلمة تعني: التأمل او التفكر في القرآن آية
بعد آية، بحيث تأتي عمارة المعنى في ذهن المتأمل موازية لعمارته في
ما يتدبره من كتاب اللّه.
اعتقد ان بيان الفارق بين منهجي التدبر
والتأويل لم يعد الان بحاجة الى اكثر من دفعة صغيرة بالاتجاه
الصحيح والمطلوب.
التدبر هو: مرافقة المعنى القرآني بالتفكر،
باعتبار انه كلام عربي مبين، صادر عن عليم خبير.
تلك ثلاثة عناصر اساسية، يكمل بعضها بعضا.
بحيث انها، بتكاملها، تكون مركب التدبر الكلي. وبالمقابل، فان نقص
اي عنصر منها يكفي لانهدام المنهج بكامله. وسنعلق على كل منها بما
يناسبه.
مرافقة: تعني ان تسير عملية اكتشاف المعنى
بموازاة النص.
فلا تتجاوزه ولا تتحرك خلفه. ساعية الى كشف
معالم الفكرة والمضمون من خلال تلاوين الكلمة المفردة والتراكيب
البالغة الدقة.
التأويل لا يمكن ان يتحرك بموازاة النص. والا
فقد صفته ولم يعدتأويلا. هو غالبا متجاوز، واحيانا متخلف. هذا، مع
ضرورة التأكيد على ان من مقتضى المرافقة ان نكتشف روح النص، اي
الفكرة اوالافكار الاساسية فيه. ونميزها عن المكونات التابعة منه.
ودائما تكون هذه في خدمة الفكرة الاساسية. وظيفتها ان تحدث تأثيرا
ما، لصالح الروح او الفكرة الاساسية.
هنا، لا بد لنا ان نسجل اننا، استنادا الى
ق رائتنا لاعمال التأويليين،
خصوصا كبار شيوخ التصوف، فانهم، بالاضافة الى انهم متجاوزون
للنص، يتجنبون السير بموازاته، لايكترثون بماهو روح النص
والفكرة الاساسية منه، وما هو خادم وتابع. فيأتي المعنى على
يدهم مقلوبا. بمعنى ان ما كان خادما يغدو مخدوما، او بالعكس.
عربي مبين: اي انه تنطبق عليه مواضعات العرب
في لغتهم في عصر نزول النص. وليس المعني بالعرب هنا كل اهل شبه
جزيرة العرب. فقد كانوا امما شتى تختلف لغاتهم. بل المعني لغة اهل
الحجاز خاصة، حيث تختلف لغة هؤلاء عن لغات بقية العرب. وهذه حقيقة
موضوعية، املتها ضرورات اقلها ان القرآن خوطب به اهل الحجاز اول ما
خوطب. وليس من المعقول، والشأن هذا، ان ينزل بلغة غيرهم.
يترتب على هذا، ان كل تفسير لا يراعي مواضعات
العرب هو تفسير مردود. الا ان يقوم عليه دليل خاص.
هذا، لكن من الضروري جدا هنا ان نقول: ان هذه
القاعدة لاتنظر الى التفسير التطبيقي او الجري، الذي ذكرناه آنفا.
حيث قلنا: ان هذا النمط من التفسير شائع جدا
في الاحاديث الواردة عن اهل البيت عليهم السلام. ذلك ان ليس
المقصود في هذا النمط من الاحاديث البيانية تفسير كامل المعنى. بل
ضرب مثل عليه. والذي وجدناه بالتتبع، ان ما يملي المثل المضروب دون
سواه هو الحاجة اليه، بحسب الظرف السياسي او التبليغي، وماالى ذلك.
لذلك فهو خارج عن موضوع بحثنا. واحق به ان يبحث بوصفه مرآة تعكس
الظروف المشار اليها.
اما ((مبين))، فهو وصف للكلام، يقول: انه مبين
عن المعنى.
وليس وصفا للمعنى بأنه مبين عن الواقع، كما هو
موجود ومتحقق في الخارج. عالم القرآن، بالنسبة لقارئه، وهو عالم
الفاظ ومعان. الالفاظ فيه اوعية لمعانيها. فهو في هذا مثل كلامنا
تماما. وهذه العلاقة بين الالفاظ والمعاني تخضع لنظام العلاقات
التاريخي المؤسس في اللغة. وليس له اي علاقة بمشيئة منزله تبارك
وتعالى. اما المعاني نفسها، ومقدار ما تبينه من الواقع الخارجي
المحكي عنه، فهي خاضعة خضوعا كاملا للحاجة والمقتضى. فقد تقتضي
الحكمة الاجمال، كما قد تقتضي البيان والتفصيل. او قد يكون المعنى
مستحيل البيان، لانه من خارج الخبرات البشرية، كما ذكرنا آنفا.
استحالة تتأتى من ان اللغة البشرية غير مهيأة للتعبير عنه. فيأتي
الكلام هنا مجملا، مؤديا للحد الضروري والممكن، الذي اقتضته الحاجة
الى اصل البيان.
من عليم خبير. من غير الممكن، من وجهة
نظر
منهجية بحتة، ان يتدبر امرؤ القرآن، الا بعد سبق الاعتقاد بأنه
من عند اللّه،وينبغي ان نسارع الى القول هنا، اننا نميز بين
((تدبر)) ودراسة مثلا، او اي كلمة تشبه هذه. حيث للتدبر صفة
ومعنى التفكر والتأمل، باعتباره تابعا ومكملا لاصل الايمان،
طبقا للاطلاق القرآني. والا، اي من دون هذا الشرط المنهجي، فان
الكثير جدا، مما هو اساس البنية الفكرية التي اسس لها القرآن،
يغدوكلاما لا طائل منه. مثل كيفية خلق السماوات والارض
والانسان، واليوم الاخر، بما فيه من بعث وحساب وجزاء... الخ
الخ. بالاضافة الى ما وعد به المؤمنين، وما توعد به العاصين.
فضلاعما قصه علينا من انباء ما قد سبق. وفيه من تفصيلات
الاحاديث مامن المحال على بشر معرفته بنفسه. ان القيمة الخاصة
لكل هذاهي في انه صادر عن الخالق المحيي المميت، ومن هو بكل
شيء عليم وعلى كل شيء قدير. ومن دون هذا الاعتقاد فهو كلام ممن
لا يملك من اسباب المعرفة والقدرة اكثر مما يملك سائر
البشر.ذلك ان الناس اكفاء متساوون بالقياس الى معرفة تلك
الامور. لانها اما من عالم الغيب، او مما انقطعت عنا اسباب
معرفته لبعدالزمان. كما انهم ايضا اكفاء متساوون بالقياس الى
القدرة على الوفاء بالوعد وانفاذ الوعيد.
من هنا تأتي مسألة اعجاز القرآن، اي انه من
عند اللّه، في المقدمة منهجيا من كل تدبر لاياته. ومن الواضح ان
منظور المتدبر او الدارس سيختلف كثيرا، وهو يتدبر النصوص
نفسها،وفقا لمعتقده وما يذهب اليه في هذه المسألة الاساسية.
ومن التهافت المنهجي البائس، ما خرج به علينا
عدد من الباحثين في السنوات الاخيرة. ممن اختلط عليهم الامر في هذه
النقطة
المنهجية الدقيقة. فبينما نراهم يصرحون بأن دراساتهم على
القرآن مبنية ومؤسسة على اعتقاد ثابت لديهم بأنه من عنداللّه.
نراهم من الجهة الاخرى يخضعون آياته الى اعتبارات مما يتأثر به
البشر في كلامهم. ولا نشك ان هؤلاء سقطوا في هذا التهافت تأثرا
منهم بالدراسات التي كتبها غربيون على القرآن، او على الكتب
المقدسة عندهم. غير آبهين بأن هؤلاء يبنون دراساتهم على ان القرآن
كتاب انساني، جاء به النبي صلى اللّهعليه و آله وسلم من عند نفسه.
او انه، مثلما يعتقد المسيحيون في ((الكتاب المقدس))، وحي بمعانيه.
ولكن السبل والصياغة هي من عندمن بلغه. |