شرح سورة آل عمران آية [37]..


الشيخ علي سائلي
 

بسم الله الرحمن الرحيم

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلاميةروابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

ّ

الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عليه نتوكل، وعنده مفاتح القلوب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المظلومين المكرمين الهداة المهديين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين. قال الله الحكيم في كتابه العزيز:
 
﴿ فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ آل عمران[37]
 
يا لحلاوة وجمال هذه اللآية ! وكل آيات القرآن الكريم جميلة وعميقة، لا بد لكل مؤمن ومؤمنة أن يفكر بوصايا القرآن الكريم ويتدبر آياته ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ النساء[82] يعني، إما أن تتدبروا في القرآن وإما أن يُقفل قلبك فلا تصل إليه ! هذا أسلوب ترغيب وتحريض وتشويق للتدبر في الآيات .
 
إن هذا الكتاب العظيم يحتوي على كثير من المعارف اللازمة للإنسان ومن جملتها هذه الآية التي قرأتها آنفاً ﴿ وتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا…﴾ إلى آخرها حيث تتضمن مجموعة نقاط حول شخصية المرأة ودورها في الأسرة والمجتمع.
 
نبدأ بالنقطة الأولى، قال تعالى: ﴿وتقبلها﴾ هل تشعرن بهذه الكلمة؟ عادة لا نجد في القرآن إسناد القبول إلى الشخص، بل نجد إسناد القبول إلى العمل، نحن بعد كل صلاة ، نقول للشخص الذي يصلي إلى جانبنا : تقبل الله أعمالك، كما أن القرآن يتحدث بهذا الخطاب أيضاً، ﴿ يقبل التوبة عن عباده"﴾التوبة[104]، وبعبارة أخرى العامل يصدر منه عمل، وهو التوبة، والله سبحانه وتعالى لا يقبل الشخص، لا يقبل العامل بل يقبل العمل ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منكم ﴾الحج[37] يعني هذا العامل إذا عمل عملاً مع التقوى ينال الله تعالى هذا العمل بهذا الوصف ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ إذا كان العامل متقياً الله سبحانه وتعالى فهو يتقبل عمله ، وعمله في هذه الآية هو التوبة.
 
﴿ هو الذي يقبل التوبة من عباده﴾، هذا هو المتعارف في القرآن، ولكن في بعض الأحيان لا يتحدث القرآن الكريم بهذه الصيغة بل بصيغة أخرى ليفهمنا ويعلمنا أن هذه المسألة كبيرة وينبغي أن تفكرن وتتمعن فيها، يقول ﴿وتقبلها﴾ يعني الله سبحانه وتعالى تقبل مريم، تقبل العاملة بدل أن يقول وتقبل نذرها ﴿إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾ آل عمران[35]. يفترض أن يقول الله سبحانه وتعالى : وتقبّل نذرها بقبول حسن، ولكن نرى أنه تعالى قال ﴿وتقبلها﴾ وهذه ليست المرة الأولى التي نجد فيها اختلافاً في تعبير القرآن فمرة يقول ﴿ الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾الشعراء [226]. بينما في بعض الآيات يقول ﴿ إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ﴾ الأعراف[197].وفي نفس هذه الآيات يقول: ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة…﴾ آل عمران[38]. إلى أن قال : ﴿إن الله يبشرك بكلمة من الله وسيداً ونبياً من الصالحين﴾ آل عمران [39]. ولم يقل : من الذين يعملون الصالحات ، هناك فرق بين ﴿ عملوا الصالحات﴾، و﴿ الصالحين ﴾ في هذه الآيات المحددة حينما أراد الله سبحانه وتعالى أن يذكر مريم، يقول وتقبلها بدل أن يقول وتقبل نذرها، وحينما يذكر يحيي يقول:
 
﴿ الصالحين ﴾ بدل أن يقول : ﴿الذين عملوا الصالحات﴾ .
 
هل تشعرون بأن هذه الآيات لها نوع خاص من التعبير يحتاج إلى اختصاص تفكر وتدبر؟ حقيقةً يعجز لساني عن مدح هذه الآيات .
 
كما يقول الشاعر ( ترجمة أبيات بالفارسية) : يا إلهي اطلب منك فماً على قدر السماوات والأرض حتى أمدح هذا القرآن كتابك الذي يغبطه جميع الناس والملائكة .
 
لقد أعطانا الله سبحانه وتعالى هذا الكتاب حقيقةً مجانية، ولله الحمد نحن ولدنا في منطقة وفي قسم من الأرض تعرفنا تلقائياً على هذا الكتاب من دون تحمل أي مشقة أو عناء . أو ليست هذه نعمة تحتاج إلى شكر عظيم !! ﴿ ولئن شكرتم لأزيدنكم﴾إبراهيم[7]. فنرى القرآن مرة يعبر ﴿ هو الذي يقبل التوبة ﴾ وأخرى ﴿ وتقبلها ﴾ ومرة يعبّر ﴿وعملوا الصالحات ﴾ ومرة ﴿الصالحين ﴾ وأيضاً نرى في القرآن مرة يقول ﴿ لهم درجات عند ربهم ﴾ الأنفال[4]. لهم مع اللام يعني هناك شخص وهناك درجة بينما في بعض الآيات يقول ﴿ هم درجات ﴾ هم بدون اللام يعني هؤلاء الأشخاص هم الدرجات .
 
نحن للأسف أميين نقرأ فقط ظاهر الآيات، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ﴾ هود[118]. ولا نفهم لماذا قال ﴿ولو شاء ربك﴾ ولماذا لم يقل " ولو أراد ربك" ما الفرق بين شاء وأراد؟ ولماذا لم يقل لو شاء الله وقال ربك؟ ولماذا قال ولو ولم يقل وإن شاء ربك؟ كل هذه التساؤلات حول الآيات الكريمة هل هي محض صدفة ؟ بالطبع كلا .
 
﴿ لو ﴾ هنا لها خصوصيةٌ، ﴿ شاء ﴾ لها خصوصية، في نظام الكون كل شيء يقع في مرتبة ﴿ ما منا إلا له مقام معلوم﴾ هذا الكتاب بما أنه قرطاس له مقام، هذه الخشب هذا الحديد له مقام ،كل شيء له مرتبة ولا يتجاوز عن مرتبته إلى مرتبة أخرى، هذه سنة الله ﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ﴾فاطر[43]، ﴿ تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلمات الله ﴾الأنعام[115] .
 
على هذا الأساس الإنسان موجود خاص، والعمل أيضاً شيء خاص، بين هذا الشيء وذاك الشخص صلة وعلاقة، و إذا لم تتحقق العلاقة بين هذا الشيء وذاك الشخص ، يبقى كل منهما أجنبي بالنسبة للآخر، كما أكون أجنبياً بالنسبة إلى الصلاة، الصلاة عظيمة جداً ولكن صلاتي ضعيفة، لا قيمة لها ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى﴿ويل للمصلين الذين هم في صلاتهم ساهون﴾الماعون[5]. ويل للمصلين، يعني صلاتهم لا شيء، فهنا موجود وموجود آخر، يمكن أن نفرض أن لا صلاة ولا علاقة بين هذا الشيء وذاك الشيء ، هذا يدل على الاتحاد، نعبر عنه بالمصطلح الفلسفي العلمي هو هو ، يمكننا أن نجعل قضية بين هذا الشيء وذلك الشيء ونجعل علاقة هوية، تدل على اتحاد بين هذا الشيء وذاك. في هذه المرحلة يعني بعد أن وجد بينهما نوع علاقة وصلة وارتباط واتصال ، يقبل الله سبحانه وتعالى عمل الإنسان سواء كان العمل توبة أو صلاة أو صوم أو ذكرٍ ، أو أي عمل، بشرط أن يوجد بين هذا العمل وذاك العامل نوع علاقة وصلة، إذاً هناك ثلاث مستويات : في المستوى الأول، لا صلة بين هذا الشخص وذاك الشيء وفي المستوى الثاني هناك علاقة ، وفي المستوى الثالث هذا الشيء تدريجياً شيئاً فشيئاً يتدخل في زوايا وأبعاد ذلك الموجود العامل كأن يذوب هذا العمل في وجود ذلك الشخص و يستهلك وجوده ، هناك فرق بين الإتحاد و الوحدة ، الإتحاد يعني بقاء هذا الشيء وذاك الشيء ولكن مع وجود علاقة وصلة، كذوبان السكر في الماء ، بينما في المستوى الثالث (الوحدة ) يصير هذا الشيء هو ذاك الشيء ويوجد بينهما وحدة وعينية، في هذه المرحلة لا تجد العمل منفكاً عن ذاك الشخص يعني حقيقة هذا العمل تدخل في حقيقة ذلك الإنسان لا نرى انفكاكاً وتمايزاً. يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ هو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ هذا يدل على أن العامل ضعيف في عمله لم يصل إلى مرتبة العينية مع ذلك العمل، ولم يتدخل العمل في أعماق وجوده بل كان على ظاهره ولم يتدخل في باطنه وملكوته وزواياه بينما إذا قال ﴿وتقبلها﴾ معناه لا تجد فرقاً بين العمل الصالح وبين الإنسان هذا أعلى مراتب العمل وقد وصلت مريم سلام الله عليها إلى هذه المرحلة ﴿وتقبلها﴾.
 
في دعاء الندبة نجد هذه الكلمات:
"الحمد لله على ما جرى به قضاؤك في أولياؤك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء فقبلتهم " لا قبلت أعمالهم "فقبلت نفس الولي نفس الإنسان، بعد هذه الساعة إذا أردتم أن تدعو للمصلي الذي يجلس بجانبكم بدل أن تقولوا له تقبل الله أعمالكم فلتقولوا تقبلكم الله، وهذا شريف جداً ، له معنى عظيم .
تتمة دعاء الندبة: "وقدّمت لهم الذكر العلي والثناء الجلي ، وأهبطت عليهم ملائكتك.."
 
وأيضاً نرى هذا الفرق بين من عملوا الصالحات، والصالحين فمرة يبقى الشخص بحاله ويعمل عملاً ما مثل دخولي إلى هذه الغرفة، تظل الغرفة بحالها، وأنا بحالي، ما صارت الغرفة أنا وما صرت أنا الغرفة كل واحد يبقى بحاله، بينما إذا دخل العمل الصالح في قلب الإنسان لا نقول عملوا الصالحات بل نقول الصالحين.
 
﴿لأغويناهم أجمعين إلا عبادك المخلَصين ﴾ ص[82]، وليس مخلِصين المخلَصين هم خلاصة المخلِصين ﴿مخلصين له الدين﴾ البينة[5]، نخبتهم وزبدتهم وعصارتهم ، وأيضاً هذا الفرق بين ﴿هم درجات﴾ ﴿ولهم درجات﴾ لهم درجات يعني مقامهم متوسط ، وإذا ارتقى هذا الشخص ميزاناً وشاخصاً بعد هذه المرحلة يصير هذا الشخص نفسه ميزاناً وشاخصاً، كما نرى الحديث عن هذه الآية ﴿والوزن يومئذ للحق ﴾ الأعراف[8]، يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) هو ميزان كل عمل خير ، يعني لا نحتاج إلى أن نحاسب عمل هذا الإنسان الشريف بل نفسه شاخصاً بعمله وسلوكه وقوله كما نعتقد في أئمتنا (عليه السلام) قولهم وفعلهم وسكوتهم وتقريرهم حجة لنا يعني إن نطق الإمام كان نطقه حجة وإن سكت كان سكوته حجة وإن فعل كان فعله حجة و إن لم يفعل، فعدم فعله حجة أيضاً .
 
"علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيثما دار" يعني الحق يتابع علي بهذا المستوى هذا في جانب الخير. وفي جانب الشر والعمل الطالح السيء تكون القضية بهذا الشكل، مرة نقول هذا يعمل السيئات شيئاً فشيئاً بعد أن يعمل السيئات لفترة مديدة تصبح نفس هذا الشخص سيئة! في بعض الآيات نرى ﴿ ثم كانت عاقبة الذين أساؤوا السوء أن كذبوا بآيات الله﴾ الروم[10]، يعني شيئاً فشيئاً يتساقط ينزل في الدركات ، دركات الجحيم، يعني في المرحلة الأولى ارتكب سيئة ، ولكن كان يقبل المعارف الدينية ،ويعتقد بوجود الله، وبرسالة الأنبياء ونبينا (صلّى الله عليه و آله) ويعتقد بمقامات الأئمة ( عليهم السلام ) ولكن لا يكون هذا الاعتقاد ثابتاً مع العمل السيء ، شيئاً فشيئاً يصل إلى مرتبة ينكر كل هذه المعارف ﴿ثم كانت عاقبة الذين أساؤا السوأى أن كذبوا بآياتنا ﴾ ثم ينزل من هذا الدرك إلى درك أسفل منه كما نرى في كنعان ابن نوح(عليه السلام) يقول الله سبحانه وتعالى ﴿إنه ليس من أهلك ﴾هود[46] البعض نسب إلى نوح (عليه السلام) عملاً سيئاً بينما نحن نعتقد بنزاهة وعصمة الأنبياء، وقد جرى بين مولانا الرضا (عليه السلام) وبين بعض الفرق المنحرفين حواراً حول هذا الموضوع ،ذكر في كتاب الاحتجاج للمرحوم الطبرسي قال الإمام (عليه السلام) ويلكم هل تعرفون ما تنسبون إلى نبي الله ؟
 
﴿إنه ليس من أهلك ﴾ يعني معناه عمله ليس منسجماً مع عملك وميزان الاتحاد والوحدة هو العمل الصالح أنت تعمل عملاً صالحاً وابنك لا يعمل عملاً صالحاً ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾.
 
المستوى الأدنى أن يصير الإنسان نفسه سيئة ﴿إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم﴾. لم يعمل كنعان السيئات بل أصبح هو السيئات. نحن نستفيد في اللغة الإيرانية من اللغة العربية في بعض الكلمات فنقول عن الشخص الذي يعمل السيئات أنه مفسد، يعني يعمل الفساد بينما إذا أصبح سيئاً جداً نقول عنه : جرثومة الفساد ، لجة الفساد ، قول الله تعالى ﴿وتقبلها ربها بقبول حسن﴾ يدل على أن مريم ذابت في العمل الصالح أو بتعبير آخر أن العمل الصالح ذاب فيها سلام الله عليها وهي سيدة نساء عصرها .
 
سأل أحدهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله): أن مريم سيدة نساء العالمين وابنتك سيدة نساء العالمين، فكيف ذلك؟ قال (صلّى الله عليه و آله): مريم سيدة نساء العالمين في عالمها وابنتي سيدة نساء العالمين في جميع العوالم. هذا مقام المرأة في القرآن. هذه الآية تدل على مقام المرأة من وجهة نظر القرآن الكريم ﴿وتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا ﴾ كل انسان يحتاج إلى مربي وإلى أستاذ ، الإنسان ليس نباتاً ينمو عشوائياً بل يحتاج إلى أستاذ ، يربيه ويغذيه ، وينميه ، ويرشده ويفعّله، الأستاذ شيء مهم، هل قرأتن في سورة الكهف:
 
﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً﴾ الكهف[60] في بعض أحاديثنا فسروا الحقب بـ 70 سنة يعني إذا فتشتم 70سنة عن أستاذٍ إلهي كان هذا التفتيش في محله وليس إسرافاً في الوقت!
 
ثم يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ فوجد عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً﴾الكهف[65] هذا يعني الدنيا والآخرة .
 
هذا الأستاذ الحمد لله موجود، ولكن كان خافياً على الناس معرفته تحتاج إلى قابليات، كما ترون ﴿ وتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا ﴾ وهو أستاذ إلهي، قبل الوصول إلى هذا الأستاذ ، اكتسبت مريم (عليها السلام) قابليات لتكون لائقة بهذا الأستاذ ﴿ وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾. الأستاذ يراقب التلميذ حتى بالنسبة إلى طعامه ﴿أنى لك هذا﴾ قالت: ﴿هو من عند الله ﴾ إذاً لا بأس كلي واشربي.
 
المراقبة إلى هذا المستوى، لا يصل الإنسان إلى مرتبة عالية إلا بمراقبة الأستاذ لعمله، والأستاذ موجود، ولكن الإنسان يحتاج إلى قابليات حتى يتعرف عليه ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ هناك انسجام وتنسيق بين هاتين الآيتين، امرأة عمران نذرت أن يكون ما في بطنها خادماً لبيت المقدس بعد أن تقبل الله عملها ونفسها جعل الله لها خادماً، وأي خادم أفضل من زكريا (عليه السلام) فبدل أن تكون خادمة جعل الله لها خادماً.
 
﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل وفي كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء ﴾البقرة[261] ﴿ولدينا مزيد﴾ ق[35]، ﴿ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾السجدة[117] هذه الآيات تحير الإنسان !!.
 
والنقطة الأخيرة هي: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله﴾.يعني من أنفق نفسه لله و آثر وأنفق نفسه لله ، يؤمن الله سبحانه وتعالى رزقه ويهيئه ويحققه ولا يحتاج إلى المحاولة، هل سعت مريم لجلب الرزق المادي؟ كلا. لأنها أوقفت نفسها لله، وليس وقف البنايات والعقارات بأفضل من وقف النفس من أوقف سمعه ليسمع فقط الحق و من أوقف لسانه لأن يتكلم بالحق، وأوقف بصره لأن يرى الحق، فهو أفضل وهكذا في خطبة نهج البلاغة في وصف المتقين قال أمير المؤمنين(عليه السلام):
 
"ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم " استخدم أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا التعبير،نذّكر أن خطبة المتقين خطبة جميلة جداً، أتمنى منكن أن تراجعنها وتقرأنها وتتدبرن فيها.
 
فقد كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) صاحب يقال له همام، قال يوماً لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا أمير المؤمنين صف لي المتقين كأني أنظر إليهم، فتثاقل (عليه السلام) عن جوابه قال (عليه السلام): " يا همام، اتق الله وأحسن إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" يعني اقتنع يا همام بهذا واسلك... ولكن همام لم يقتنع بهذا القول حتى عزم عليه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): "إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق غنياً عن طاعتهم وآمن من معصيتهم ..." وذكر عليه السلام ما يقارب 114 وصفاً للمتقين وكلما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يذكر وصفاً كان همام يفك حلقةً من حلقات القيد الجاثم على وجوده كأنه في سجنٍ "الدنيا سجن المؤمن" والمؤمن سجين .
 
الرسول (صلّى الله عليه و آله) هو الأستاذ وهو موجود الآن، هل قرأتم قوله تعالى في سورة الزخرف آية 45: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا .. ﴾هذه الآيات حيرت المفسرين بعضهم قدّر مضافاً ولكن الآية تقول ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ يعني يا رسول الله سل إبراهيم، في حين أن بينه (صلّى الله عليه و آله) وبين إبراهيم (عليه السلام)فترة كبيرة، أكثر من عشرين قرن حوالي 25 قرن، وتعني يا رسول الله (صلّى الله عليه و آله) سل موسى مباشرة ولا يقول سل كتاب موسى أو أمة موسى، بل سل من أرسلنا قبلك.
 
أيتها الأخوات ! إنهم موجودون أحياء عند ربهم يرزقون ، يؤكد الله سبحانه وتعالى على ذلك : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾آل عمران [196].
 
أمير المؤمنين سلام الله عليه موجود، نحن نقول حين الزيارة " أشهد أنك تسمع سلامي وترد جوابي وأشهد أنك حي"
هذا وأمير المؤمنين موجود معنا بروحه، بينما أن ابنه إمام العصر والزمان سلام الله عليه موجود فيما بيننا بجسده يشاهدنا وينظر إلينا ويراقبنا.
 
وفي رسالة أرسلها سلام الله عليه إلى الشيخ المفيد يقول فيها :
 
" غير ناسين لذكركم " هذا الأستاذ موجود، ولكن يحتاج إلى قابليات لنصل إلى خدمة هذا الأستاذ. من أهدى نفسه وأوقف نفسه لله، الله سبحانه وتعالى يحضر ويهيئ له رزقه المادي.
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لعبادته وللعمل بما يرضاه وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

الصفحة الرئيسية