المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي


آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلاميةروابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

ّ

النقود الورقية
 

ان من اهم المسائل المستحدثة في الفقه الاسلامي بحث النقود الورقية، او الاوراق المالية، وقد طرحت‏ حول هذا البحث عدة تساؤلات:

منها: انه هل تثبت فيها حرمة الربا المعاوضي والربا القرضي كما تثبت في النقدين (الدينار والدرهم)؟ فهل يجوز مثلا بيع عشرة آلاف تومان من الورق المصرفي المتداول اليوم باحد عشر الفا من نفس العملة ولمدة خمسة اشهر؟

ومنها: انه هل تجوز المضاربة بها، او لا; بناء على اعتبار النقدين فيها واختصاص صحتها بوقوعها على النقدين، كما عليه اكثر الفقهاء؟»

ومنها: انه هل تجري عليها احكام الصرف من وجوب القبض في المجلس وشبهه؟

ومنها: انه هل تجب فيها الزكاة الواجبة في النقدين؟

ومنها: انه لو فرض التفاوت الفاحش في مالية هذه الاوراق بحيث ادى الى ضعف او سقوط القوة الشرائية الموجودة فيها فهل يجب اداء نفس المقدار السابق من الدين مثلا كما هو الحال في النقدين في صورة تاخير الاداء، او يجب التدارك بما يعادل قيمتها يوم الاداء مع انه لا يجوز ذلك قطعا في النقدين; لاستلزامه الربا المحرم فيهما؟

وكذا الكلام بالنسبة الى المهور وسائر الضمانات الاخرى التي تكون موارد لابتلاء عامة الناس; فمثلا سالني يوما احد المؤمنين عن حكم تقصيره في حق بناء عمل له مدة عشرة ايام، وكانت اجرته آنذاك قبل حوالي ستين عاما تبلغ ثلاثة ريالات لليوم الواحد، والحال ان معدل اجرته اليومية حين السؤال تبلغ الف تومان، وعليه فهل يكتفي باعطائه ثلاثة توامين ام يكون ملزما باعطائه عشرة آلاف تومان؟

ولا يعلم شي‏ء من ذلك حتى يتضح حال هذه النقود من حيث المالية وما يكون قوام ماليتها، وذلك يتوقف على بيان امرين:

الامر الاول ان المالية على ثلاثة اقسام:

1- مالية ذاتية: وهي الثابتة لبعض الاشياء التي لا يمكن اسقاط ماليتها او سلبها عنها، كمالية بعض الاشياء الناشئة من  حاجة الناس اليها مع عدم وفورها في الخارج كحاجتهم الى الماكل والملبس وشبههما، واما حاجتهم الى مثل الهواء وضوء الشمس وغيرهما فهي وان كانت اشد ولها صلة وثيقة بحياة الانسان بحيث‏يشكل فقدانها او نقصانها خطرا جديا على وجوده وكيانه، بيد ان كثرتها ووفورها في العالم الخارجي اسقط عنها المالية.

وهذا القسم لا ينطبق على موردنا; حيث ان الاوراق ذات الاعتبار المالي يمكن اسقاط اعتبارها عنها كما اتفق لبعض الدول وبالتالى سقوظ مالياتها عنها بالمرة.

2- مالية شبه اعتبارية: وهي مالية تنشا من اتفاق العقلاء على اعتبارها لبعض الاشياء; كمالية الاحجار الكريمة والذهب وما شاكلها.

بل قد يقال: ان مالية الاحجار الكريمة اعتبارية محضة; لعدم ترتب نفع خاص عليها، بل وكذا مالية الذهب حيث انه يعد من المعادن اللينة، وعليه فلا ينتفع منه في شتى مجالات الحياة.

لكن من تدبر في ذلك يجد ان ماليتهما ذاتية وواقعية، وليست امرا وهميا ناشئا عن محض اعتبار; فحاجات الانسان الحياتية لا تنحصر في الغذاء واللباس والسكن وما شابهها من الضروريات، بل هي فوق ذلك; فهناك من الحاجات ما له علاقة وثيقة بغرائز الانسان واحاسيسه وعواطفه التي توجب اضفاء المالية عليها، وحب التزين والتجمل امر تميل اليه طبيعة النفس البشرية فطريا وجبليا. ولا شبهة في ان‏الاحجار  الكريمة تعد من احسن انواع الزينة واجملها، فهذا نوع حاجة اليها توجب ماليتها. وكذلك الذهب فهو يعد ضربا ساحرا من ضروب الزينة لما له من صفات الجودة والحسن ما يتميز بها عن غيره كالبريق واللمعان، ناهيك عن وجود خاصية فيه لا يشاركه فيها غيره من المعادن، فهو لا يفسد ولا يتغير ببقائه تحت الارض ولو لقرون عديدة، الامر الذي اوجب له المالية.

وذهب بعض الاعلام الى ان السر في ارتفاع مالية الذهب يكمن في تسليط اللّه عز وجل ضربا من الجنون في نفوس الناس بحيث يجعلهم يحبونه ويطلبونه; لتنتظم حياتهم الاقتصادية والمعيشية. وهذا التفسير بعيد عن الصواب وباطل بلا ارتياب.

ومما يعزز كون مالية هذه المذكورات ونظائرها ذاتية وغير اعتبارية هو عدم سقوطها عن المالية بمجرد سلب الاعتبار عنها، بخلافها في النقود الورقية حيث تسقط بذلك. وبالجملة فان هذا القسم يرجع الى الاول.

3- مالية اعتبارية محضة: كمالية النقود الورقية، فمن الواضح ان هذا المقدار من القرطاس لا مالية له، وانما ماليته تكون بيد المعتبر الحكومة في زماننا وهذا الصنف من المالية امره وضعا ورفعا بيد المعتبر، فقد يعتبر المالية لها احيانا، وقد يسقطها عن المالية اخرى بحيث تكون مجرد اوراق لا يبذل بازائها شي‏ء، وهذا بخلاف ما نجده في الاحجار الكريمة ونظائرها، فانه لا يمكن لاحد اسقاطها عن المالية، فما هو  المنشأ في ثبوت المالية لها؟

منشأ ثبوت المالية للنقود الورقية :

ان المالية الثابتة للنقود الورقية لا تنشا من مجرد اعتبار الحكومة فقط، بل هناك عامل آخر يؤثر في ماليتها، وهو ما يعبر عنه بالرصيد الذي برز بعد رواج الاوراق المالية بين الناس باشكال مختلفة:

أ كونها قابلة للتبديل بالدرهم والدينار، فان الحكومات كانت تطبع تلك الاوراق وتكتب عليها «قابل للتبديل بالدرهم والدينار» ثم تبدلت هذه الطريقة باخرى.

ب وهي ان يكون في خزانة الدولة اشياء ذات قيم عالية كالدراهم والدنانير والاحجار الكريمة والذهب وماشابهها، بحيث‏ يمكن للحكومة لو ارادت تبديل نقودها الورقية بتلك الدراهم والدنانير وغير ذلك.

ج ان يكون الرصيد من الثروات المذخورة تحت الارض كمعادن النفط وما شابهها.

د ان تعتبر الدولة المالية للاوراق النقدية وتلتزم في قبال ذلك بتنفيذ انواع المعاملات بتلك النقود الورقية التي روجتها بين الناس، فالرصيد لهذه الاوراق هو التزام الدولة بذلك، وقد يكون الكثير من تلك الاوراق على ما يشاهد في كثير من الدول فاقدا للرصيد، ولكنها مع ذلك لها مالية معينة لالتزام الدولة بتنفيذ المعاملات بها واعتبار المالية لها، بحيث تصلح ان تكون ثمنا لكل شي‏ء، وقد تلغي الدولة هذا الاعتبار في  حق بعض الاوراق النقدية الرائجة في بلدها، فتعلن ذلك للناس وتمنحهم فرصة لتبديل اوراقهم الباطلة بالاوراق النقدية الجديدة، وبهذا التعهد من الدولة المقرون بالعمل الخارجي تكون الاوراق مالا عند الجميع، فان ارتفع التعهد ارتفعت ماليتها.

فتلخص:

ان الاوراق المالية لا مالية ذاتية لها، بل ماليتها اعتبارية مبنية على امر واقعي كالثروات الوطنية والتزام الحكومة بالمعاملة بها وما شابه، مضافا الى ان الاوراق النقدية لا تكون دائما بديلا عن الذهب والفضة الموجودين في خزانة الدولة، ولذا لا يجري عليها جميع الاحكام المرتبطة بالذهب والفضة، فليكن هذا على ذكر منك فانه سوف ينفعك في هذا البحث.

تنبيه:

وهناك نوع من الاوراق ليس بورق نقدي او ورق عملة كالطوابع وتذاكر السفر وغيرها مما لها مالية اعتبارية معينة من قبل الدولة ولها مصارف خاصة، وللحكومة في قبال هذه الاوراق تعهد خاص من قبيل استعمالها في البريد لغرض ايصال الكتب والرسائل الى اصحابها، ومن قبيل نقل المسافرين من بلد الى بلد.

الامر الثاني:

وهذا الامر هو عبارة عن لمحة تاريخية لكيفية نشوء النقود الورقية، وتبدل جنسها من زمان لآخر، فان‏الوقوف على ذلك يعيننا في معرفة الموضوع الذي يعد التعرف عليه من وظائف الفقيه المهمة التي لا يقدر بدونها على استنباط الاحكام، خلافا لما اشتهر من ان معرفة الموضوعات ليست من شؤون الفقيه فانه مما لا اصل له، فنقول وعلى اللّه التكلان:

كانت المعاملات في القديم وعند بزوغ المدنية البشرية بصورة المقايضة او تبادل السلع; وذلك لانعدام النقود بينهم، فصاحب الحنطة مثلا كان يبادل جنسه بشي‏ء من الارز او الشعير او بشي‏ء آخر مما يحتاج اليه، وهذا النحو من المعاملة باق الى اليوم في بعض المجتمعات الصغيرة، بل هو معمول به بين الدول، فتعطي هذه الحكومة كمية من البترول لتاخذ في مقابله كمية من الحنطة او المكائن والآلات وغيرها، وهذا النحو من المعاملة يسمى بالتجارة على طريقة المقايضة.

وقد واجه هذا النحو من المعاملة مشاكل كثيرة، كعدم احتياج احد المتعاملين الى سلعة الآخر، كان يريد صاحب الحنطة بيع حنطته بغير الغنم مثلا وصعوبة حمل السلع الى الاماكن البعيدة خصوصا اذا كانت ذات حجم كبير; لهذه الامور وامثالها انقدحت في ذهن البشر فكرة الحاجة الى صنع النقود، واخذ الانسان يطلب شيئا ذا ميزات ثلاث:

أ ان يكون مقبولا عند عامة الناس، بحيث‏يمكنهم قضاء حاجاتهم المعاملية به. ب ان يكون سهل الانتقال من مكان الى آخر. ج ان لا يكون قابلا للفساد والتلف.

ولما كانت هذه الميزات مجتمعة في الذهب والفضة عمدوا اليهما فقطعوهما الى قطع صغيرة وجعلوا عليهما نقوشا مختلفة دالة على رواجها في تلك البلاد واعتبارها فيها، وهكذا نشا سك النقود، فسمي النقد المصنوع من الذهب دينارا ومن الفضة درهما، فكان الاول مصنوعا للمعاملات الخطيرة، والثاني للمعاملات الحقيرة. ثم بدت الحاجة الى نقود اصغر من الدرهم، فاخترعوا النقد المتخذ من النحاس، ومضت على ذلك ازمنة طويلة.

ظهور الاوراق النقدية:

ثم انه وبعد تلك المدة الطويلة برزت مشكلة اخرى ، وهي ان ارتفاع قيم بعض الامتعة الخطيرة كان يتطلب مبالغ خطيرة ايضا من الدراهم والدنانير خصوصا لو وقعت المعاملات في الاسفار فحملها اشكل; لان حملها غير خال عن صعوبات كثيرة، وكان ذلك مقارنا لظهور صنعة الطباعة واختراع انواع مختلفة من القرطاس، فراوا وضع النقود الورقية موضع الدراهم والدنانير لكونها اخف نقلا واسهل تناولا، مع ما في ذلك من فائدة عدم ضياع هذين الجنسين.

وحيث ان تلك النقود الورقية لم يكن لها بحد نفسها مالية يعتد بها جعلوا لها رصيدا معينا; لانها بدونه لا قيمة لها لكونها مجرد قراطيس، وقد مر ان الرصيد التزام من قبل الحكومة في قبال تلك الاوراق، ووثيقة توجب الوثوق بتعهدات الطرف المقابل.

وهكذا ظهرت النقود الورقية وبقيت رائجة الى يومنا هذا، وقد عرفت ان التزام الحكومة بتنفيذ المعاملات بهذه النقود يعد اهم رصيد لها، مع ما للحكومة من ارصدة مالية اخرى كالثروات الوطنية وسباسك الذهب والفضة التي لا تعادل دائما النقود الموجودة في البلاد، ولا يبرر عدم التعادل هذا للحكومة طبع اي مقدار ارادت من النقود وترويجها بين الناس; لان ذلك يؤدي الى التضخم المالي الذي لا تحمد عقباه.

مغايرة ماهية الاوراق النقدية لماهية النقدين :

ومما ذكرنا ظهر اجمالا: ان النقود الورقية تختلف ماهية عن الدرهم والدينار، وانه لا يمكن حمل احكام النقدين على النقود الورقية الا اذا كانت هذه الاوراق من قبيل الحوالة على النقدين.

ثم انه يمكن جعل الدراهم والدنانير رصيدا لتلك الاوراق النقدية احيانا، لكن ذلك لا يعني جواز تبديلها بالذهب او الفضة الا فيما اذا كان الورق حوالة عليهما، خلافا لما هو الموجود في النقود الورقية الرائجة اليوم، فان الورق المصرفي الرائج في زماننا لدى مختلف الدول يعد بنفسه مالا مستقلا بقطع النظر عن امكان تبديله بالذهب او الفضة وعدمه.

ومن كل ذلك ظهر لنا عدم امكان اندراج النقود الورقية تحت عنوان الدرهم والدينار، وان الرصيد ليس بمعنى الحوالة، ولو فرض كونه بهذا المعنى فهو ليس خصوص الدراهم والدنانير بل يعم المعادن وما تكنه الارض، او هو خصوص تعهد من الحكومة في مقابل الاوراق، وهذا هو الغالب في عصرنا، فاحتفظ بهذه النتيجة، فان الدقة فيها تعيننا على الاجابة عن الاسئلة التي طرحناها في صدر البحث، وبذلك يصل بنا البحث الى الاجابة عن الاسئلة التي طرحناها آنفا، فلنبدا اولا ببيان احكامها:

المعاملة بالاوراق النقدية:

قد ثبت بما تقدم من البحث ان هناك فرقا بين النقدين والاوراق النقدية من حيث الماهية والمالية، فهل يجري الربا في النقود الورقية كما يجري في النقدين او يختص بهما فقط؟

ان الربا على قسمين: قرضي ومعاوضي، ولا شك في جريان الربا القرضي في النقود الورقية ايضا، فلا يجوز اخذ الزيادة في القرض ولو كانت قراءة سورة من القرآن، بلا فرق في ذلك بين المعدود وغيره، نعم يجوز بيع الاوراق النقدية باكثر منها نسيئة، كمن يبيع الف تومان مثلا بالف ومئتين بعد شهرين بشرط ان يكون قصده الجدي هو البيع لا اخذ الزيادة في القرض، والا فلا يجوز قطعا لكونه من الربا المحرم. 

لكن لنا في صحة ذلك اشكال، وهو: ان بيع الاثمان النقود الورقية بمثلها غير مالوف عند العرف; لوقوعها دائما ثمنا لا مثمنا، ولا يقدم على بيعها بهذه الكيفية الا من كان قاصدا اخذ الزيادة على القرض، فيتخذ ذلك ذريعة للفرار من الربا، فلا يقول: اقرضتك الالف بالف وعشرة، بل يقول: بعتك هذا بهذا الى كذا مدة. ومن المعلوم ان بيع المعدود بتفاضل مما لا اشكال فيه، ولذا نحن لا نرى هذا البيع جديا صحيحا، بل يراه العرف مصداقا للقرض مع التفاضل، فلا يشمله الامر بالوفاء; لعدم كونه متعارفاوتسميته بالبيع امر صوري، فلا اقل فيه من الاحتياط. واما الربا المعاوضي: فهو يجري في خصوص المكيل والموزون، ومعلوم ان المكيل والموزون هو خصوص الدينار والدرهم لكونهما من الذهب والفضة دون النقود الورقية، فلا يجري فيهما الربا لانهما من المعدود.

نعم، لو كانت النقود الورقية في الواقع حوالة على الدرهم والدينار لجرى فيها الربا المعاوضي، لكنك قد عرفت ان لها مالية مستقلة، واما الرصيد فهو يشبه العين المرهونة فكما ان العين المرهونة وثيقة عند الدائن قبال المدين كذلك الرصيد شبه وثيقة عند الناس قبال الحكومة; فان مالك الورق المصرفي يعدد ائنا والحكومة مدينا، ووثيقة هذا الدين هو ذاك الورق.

موارد جواز بيع النقود الورقية:

يجوز بيع النقود الورقية في موردين لا ثالث لهما:

الاول: مبادلة النقود الورقية المختلفة بعضها ببعض، كبيع الدولار بالريال، فانها معاملة رائجة وعقلائية.

الثاني: بيع الدين في الذمة باقل منه، كما اذا كان لزيد على عمرو دين مؤجل مقداره مئة الف تومان، وكان وقت وصوله بعد مضي شهر، فيبيع زيد هذا الدين من عمرو بتسعين الف تومان حالا، وهذه المعاملة مما لا اشكال في صحتها ايضا، والظاهر ان العقلاء لا يعرفون لمعاملة النقود الورقية الا هذين الموردين والمورد المتقدم عليهما، وهو القرض الذي قد عرفت انه لا يجوز اخذ الزيادة عليه، لعدم الدليل على جوازه، بل الدليل على خلافه فيحرم، ولا اقل من وجوب الاحتياط في تركه.

المضاربة بالنقود الورقية:

المشهور بين الفقهاء في اشتراط صحة المضاربة هو وقوعها على الدرهم والدينار، وعليه فلا يصح شي‏ء من المضاربات الواقعة في زماننا لعدم وقوعها على النقدين، ولكن المختار كما ذكرناه في محله هو صحة المضاربة بغير النقدين ايضا.

وقد افتى بعض الاعاظم بصحة المضاربة بكل شي‏ء بشرط ان لا يكون عروضا، وعليه فتصح المضاربة بكل نقد من النقود الرائجة دينارا كان او ريالا او دولارا او غيرها.

ثم اننا لو سلمنا عدم صدق عنوان المضاربة على الاوراق النقدية فلا نسلم عدم شمول (اوفوا بالعقود) لها، وان لم يسم ذلك مضاربة، فانه ليس للتسمية دخل في صحة العقود، اذ المضاربة ليست موضوعا لاحكام خاصة في اخبارنا، فالملاك في صحة كل عقد هو شمول (اوفوا) له، قديما كان ذاك العقد او مستحدثا، ولا يخفى ان قوله تعالى : (اوفوا بالعقود) قضية حقيقية لا خارجية، فيشمل جميع العقود الرائجة بين  العقلاء حتى المستحدثة منها بعد اجتماع شرائط الصحة فيها.

والمعروف ايضا بينهم في صحة المضاربة اشتراط وقوعها في الامور التجارية دون الانتاجية، فلو صرف راس المال في انواع الصنائع لم تصح المضاربة.

ولكن الانصاف صحة وقوعها مضاربة ايضا، فلا يضرنا عدم صدق عنوان المضاربة عليها بعد شمول عموم (اوفوا) لها وكونها من العقود المعتبرة عند العقلاء، خصوصا بعد عدم قيام الدليل على الفساد.

بيع الصرف بالنقود الورقية:

مما ذكرنا ظهر حال بيع الصرف الذي يصح في الاثمان من الدراهم والدنانير، وان هذا البيع لا يشمل بيع النقود الورقية ولا يعتبر فيه ما يعتبر في غيره من الشرائط العامة في المعاملات كالقبض في المجلس وغيره; لعدم قيام الدليل على كونها بحكم النقدين، بعد ما عرفت من ان ماليتها اعتبارية، وليست من قبيل الحوالة عليهما، فلا يجري عليها حكمهما.

الزكاة في النقود الورقية:

قد ثبت في محله ان الزكاة انما تجب في النقدين المسكوكين بسكة المعاملة، وبما ان الورق المصرفي ليس بشي‏ء من النقدين اعني الذهب والفضة فلا تجب فيه الزكاة.

ولو سلمنا ان مالك النقود الورقية يملك في الواقع ما يعادل تلك النقود ذهبا وفضة في خزانة الدولة وهو المسمى بالرصيد فمن يملك عشرة آلاف تومانا يملك ما يعادلها من السكك الذهبية المضروبة هذا الزمان، فلو بلغت تلك السكك حد النصاب لاشكل القول ايضا بتعلق الزكاة بها;

وذلك لامور:

1- ان الرصيد ليس بمعنى الحوالة على النقدين كما تقدم حتى مع تسليم كون النقود الورقية من قبيل الدرهم والدينار احيانا، فلا يكون صاحب الورق مالكا لهما، بل ما في يده نوع وثيقة لتعهد الحكومة في قبال ماليتها الاعتبارية.

2- ان الرصيد في زماننا يكون على شكل السباسك الذهبية او الجواهر، وهذه جميعا ليست بسكة رائجة للمعاملة بحيث يمكن وقوعها ثمنا للمبيع، بل هي بنفسها تحتسب مثمنا ويدفع بازائها الثمن.

3- انه قد يقال: ان ما في المقام فاقد لشرط آخر من شرائط الزكاة، وهو اعتبار كونها عند المالك، والسباسك والجواهر ليست عنده; لكونها بازاء مالية الورق الاعتبارية.

لكن هذا يمكن الجواب عنه بان يقال: ان الرصيد بمثابة الموجود عنده، لكونه دليلا على ماله، فيكون حينئذ مالكا للنقدين، نظير الاموال الموجودة عند وكيله التي تتعلق بها الزكاة; لان يد وكيله من قبيل يده، والموجود عند وكيله كالموجود عنده، فلا مانع من هذه الجهة.

نعم، هنا اشكال آخر لا يخلو جوابه عن صعوبة: وهو ما قد يقال: من ان تعلق الزكاة بالنقدين ليس لوجود خصوصية فيهما، بل من باب كونهما نقدا رائجا في المعاملات، وهذا الملاك موجود في الاوراق المصرفية وغيرها.

بيان ذلك: ان المستفاد من مجموع الاخبار الواردة في الزكاة، ان الشارع المقدس قدر اقوات الفقراء في اموال الاغنياء كما ورد في الحديث المعروف ثم راى ان اموالهم لا تخلو عن احد امور ثلاثة: المواشي، والزراعة، والتجارة التي كان التعامل فيها رائجا بالذهب والفضة اللذين اوجب الشارع فيهما الزكاة . فاوجب للفقراء في كل واحد منها سهما يرفع حاجتهم ويكفي مؤونتهم.

ومن الواضح ان مجرد تبدل النقدين بالورق المصرفي في زماننا لم يسقط حقوقهم في اموال التجارة، لا سيما مع ماورد من ان الاغنياء اذا ادوا زكاة اموالهم لم يبق فقير ولا محتاج، وهذا لا يتيسر الا ان يكون للفقراء سهم في جميع اموالهم مما فرض الله لهم في التجارة والزراعة والمواشي، فعلى القول بعدم تعلق الزكاة بالنقود الورقية التي هي اليوم مدار المعاملات في زماننا تخرج التجارة عن مدار الحساب، وهكذا لو اخرج الذهب والفضة عن تحت‏شمول دليل الزكاة لمجرد كونهما غير مسكوكين رائجين، فما الذي يسد حاجة الفقراء؟! خصوصا بعد كون اكثر المواشي التي اعتبر فيها السوم طول السنة بناء على اعتباره فيها في عصرنا معلوفة وليست بسائمة حتى تشملها الزكاة، فلا يبقى للزكاة الا الغلات الاربعة التي يجب نصف العشر فيها، فكيف نلتزم بتعلق الزكاة بها فحسب في سد حاجة الفقراء؟!

وحاصل الاشكال: في انه لا خصوصية للذهب والفضة، بل المدار هو الرواج للنقد في المعاملة، فالاشكال قوي، الا ان الذي يهون الخطب امران:

الاول: شمول الخمس لجميع ارباح المكاسب الذي من مصارفه ارباب الحاجة من السادة وغيرهم من الفقراء (وان كان بينه وبين الزكاة فرق واضح، وهو ان الزكاة تتعلق باصل المال من دون اخراج مؤونة السنة، والحال ان الخمس يتعلق بارباح المكاسب بعد اخراج المؤونة السنوية) فالخمس جابر لما ينقص من الزكاة لكونه اكثر مقدارا واعم موردا من الزكاة، فلو لم تكف الزكاة لرفع حوائج الفقراء امكن صرف الخمس في ذلك.

الثاني: ما ورد من الروايات الكثيرة التي تنص على اختصاص الزكاة بهذه الاجناس التسعة بالرغم من اصرار بعض الرواة على تعلقها ببعض ما عداها مما يكون طعاما لعامة الناس، فاجابوا عليهم‏السلام بان رسول اللّه (ص) قد حصرها في هذه التسعة بعينها.

مثل: ما ورد في معاني الاخبار، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن احمد، عن موسى بن عمر، عن محمد بن سنان، عن ابي سعيد القماط عمن ذكره، عن ابي عبداللّه(ع) انه سئل عن الزكاة؟ فقال: «وضع رسول اللّه (ص) الزكاة على تسعة وعفا عما سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والبقر والغنم والابل‏»، فقال السائل: والذرة؟ فغضب (ع) وقال: «كان واللّه على عهد رسول اللّه (ص) السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك‏»، فقال: انهم يقولون انه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه (ص) وان ما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك، فغضب ثم قال: «كذبوا فهل يكون العفو الا عن شي‏ء قد كان؟! ولا واللّه، ما اعرف شيئا عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

وبملاحظة هذه الرواية ومثلها يظهر ان ماورد من قوله (ع):

«ان اللّه فرض في اموال الاغنياء اقوات الفقراء» انما هو من باب بيان حكمة الحكم لا علته; وذلك لان ظهور تلك الروايات في الانحصار اقوى بمراتب من ظهور قوله (ع): «ان اللّه فرض...» في عدم الانحصار.

ومن الواضح ان الحكمة تجري في اكثر الموارد لا جميعها بخلاف العلة فانها تجري في كل الموارد، وبذلك لم يظهر لنا علة انحصار الزكاة في الاجناس التسعة، نعم; المهم هو موضوعيتها لا طريقيتها، كما هو ظاهر الروايات.

فتحصل: انه حتى مع فرض وجوب الزكاة في كل نقد رائج، وتسليم شمول الزكاة للنقود الورقية ايضا، فانه مع ذلك لا يجب دفع شي‏ء منها، لان الناس في الغالب يودعون اموالهم البنوك من دون مضي الحول عليها وهي في ايديهم، كما هو شرط تعلق الزكاة، نعم; اذا بقيت عند البنوك سنة لم يبعد تعلق الزكاة بالبنوك (وان كان ايداعها فيها من قبيل الامانة عندها، والا لم يجز لها التصرف في عين المال، بل هي من قبيل الاقراض للبنوك).

ولما كانت الزكاة تجب على المستقرض لا على المقرض، والمستقرض في المقام هو البنك الذي لا يبقى عنده المال مستقرا سنة بل يداوره، فلا يجب عليه شي‏ء من زكاتها; لعدم تعلقها فيه اصلا، وسياتي توضيح ذلك في محله ان شاء اللّه تعالى.

النقود الورقية والقوة الشرائية لها في سائر الديون والضمانات :

هل المقياس في قيمة هذه النقود قوتها الشرائية التي تتغير في طول الزمان؟ او قيمتها الاسمية المكتوبة عليها، وهي ثابتة؟ فلو فرض التفاوت الفاحش في مالية هذه الاوراق، فهل يجب اداء الدين لو كان بالمقدار السابق؟ او لا بد من ملاحظة المالية في هذا الزمان؟ كما لو كان صداق امراة قبل اربعين سنة مئة تومان مثلا، وكان بامكانها في ذلك الزمان ان تشتري بها بيتا، فهل يجب على زوجها اداء قيمتها الاسمية من النقود الورقية الموجودة في زماننا، والحال انه لا يشترى بمئة تومان في زماننا الا الطعام القليل؟ او يجب عليه دفع ما يعادل قيمتها الشرائية في ذلك الزمان؟

وهكذا ياتي الاشكال في ابواب الضمانات وبعض الوقوف، كم لو كتب الواقف بان متولي الوقف يصرف مئة تومان مثلا في كل سنة لاطعام الناس، بينما لا يكفي ذلك اليوم لاطعام شخص واحد. اقول: لا يخفى ان هذه المشكلة انما حدثت من ناحية التضخم المالي والتضخم انما نشا بعد رواج النقود الورقية، وان كان نوعا ما موجودا في عصر النقدين.

ومن الواضح ان نشوء التضخم المالي في عصرنا كان سببه ول يزال رواج هذه النقود الورقية بين الناس، وازدياد تعاملهم بها، وكثرة تدفقها في الاسواق، الامر الذي ادى شيئا فشيئا الى انعدام التعادل النسبي القائم بين القيمة الثابتة لهذه الاوراق من جهة وبين ارتفاع قيمة السلع والبضائع من جهة اخرى، بينما نلاحظ بوضوح وجود هذا التعادل قائما بين قيمة النقدين وبين السوق، فان حصل ارتفاع او انخفاض فانه يحصل لكليهما بنسبة متساوية تقريبا.

نعم، هناك قسم آخر من التضخم ليس له صلة بالنقود الورقية، فالتضخم باعتبار منشاه على قسمين: 1- ان التضخم تارة ينشا من الاختلال في قانون العرض والطلب بحيث لا يكفي ما يوجد في الاسواق لسد حاجات الناس; اما بسبب جدوبة الارض; او للاحتكار; او لبعض الحوادث كشيوع مرض مسر لا يوجد له دواء بالقدر الكافي، فان هذا التضخم يوجب ارتفاع الاسعار، وهو ليس بالامر الحادث بل كان معروفا بين الناس منذ الازمنة القديمة عند وقوع الحروب والمجاعة.

2- واخرى ينشا من كثرة النقود الورقية التي تسقطها الكثرة في الاسواق عن المالية، كما لو كانت النقود اكثر من السلع الموجودة، وبذلك تصير الكثرة في النقود سببا في ارتفاع الاسعار سواء كان للنقود رصيد في خزانة الدولة ام لا.

ولا يخفى ان هذا النحو من التضخم لم يكن موجودا في النقدين قبل رواج الاوراق النقدية; لان المالية في النقدين ذاتية لا يمكن ان تسقط راسا، بخلاف الاوراق فان ماليتها اعتبارية محضة يمكن ان تسقط عن المالية راسا، ولذا ترى اختلاف النسبة بين الورق والسلع بين حين وآخر لا بسبب ارتفاع قيمة السلع، بل لتنزل مالية الاوراق.

اذا عرفت هذا نقول: اذا كانت قيمة النقود متغيرة من زمان لآخر، متاثرة‏بالظروف الاقتصادية المختلفة فانه لا يصح ان يجعل الملاك في احتساب ماليتها قيمتها السابقة، اذ من الواضح عدم مساواة المئة تومان في زماننا لها قبل اربعين عاما، فكيف يكتفى بها في اداء الدين مع هذا التفاوت؟!

وبعبارة فنية اخرى: انا ناخذ الاحكام من الشرع والموضوعات من العرف خلا الموضوعات التي لها حقائق شرعية فاذا قال الشارع الاقدس: ادوا ديونكم، او قال: «على اليد ما اخذت حتى تؤديه‏»يكون المعيار في تحقق الاداء وعدمه هو العرف; لان وجوب الاداء حكم شرعي بينما نفس الاداء موضوع للحكم يؤخذ ممن القي اليه الحكم، ومن الواضح عدم تحقق الاداء بالاوراق الفعلية في نظر العرف، فلم يكن المؤدي ممتثلا امر الشارع بوجوب اداء الدين.

هذا، مضافا الى ان الدفع بالاوراق الفعلية مخالف لاصل العدل، فانه ليس من العدل دفع الاوراق الفعلية عوضا عنها قبل اربعين سنة، نعم، لو كان التفاوت بينها يسيرا يحكم بكفايته في براءة الذمة; لجريان سيرة العقلاء على عدم الاعتناء باليسير بخلاف المال الخطير.

ويمكن الاستدلال لما نحن فيه بقاعدة «لا ضرر» ايضا، ول مانع من اثبات الحكم به كنفيه به، كما سياتي في المسالة الآتية. وان ابيت عن جميع ذلك فنقول: لا اقل من الشك في تحقق الاداء في المثال المذكور، والاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية الموجبة للاحتياط بدفع ما يعادل مالية النقود قبل اربعين سنة.

فتحصل: انه لا يمكن الاجتزاء بالمقدار المدفوع من الاوراق النقدية عند تغير ماليتها تغيرا معتدا به عند العرف، ولا اقل في ذلك من مراعاة جانب الاحتياط بالمصالحة بين الدائن والمدين.

سقوط الاوراق عن المالية: وهناك مسالة اخرى يظهر حالها مما ذكرنا اجمالا، وهي انه لو سقطت الاوراق النقدية عن المالية بان ابطلت الحكومة ماليتها واسقطتها عن الاعتبار فلا ينبغي الشك في عدم كفايتها في اداء الديون وشبهها، ولا ريب في ذلك عند العقلاء من اهل العرف الذين هم المرجع في مثل هذه الامور، واي عاقل مستعد لاقراض ماله شخصا يشتري به دارا يسكنها مثلا ويرضى بان يقدم له المدين قبال ذلك كيسا من الاوراق النقدية الباطلة، ويقول له: خذها فهذا مثل ما اقرضتني بغير تفاوت. ولو فعل ذلك فان‏العقلاء لا يشكون انه بصدد المزاح والهزل، وهذا من اوضح الواضحات.

ولكن مع ذلك فمن العجب العجاب اظهار الشك في ذلك من قبل بعض، واعجب منه اختيار جواز ذلك وما عشت اراك الدهر عجبا فاجاز رد الاوراق الباطلة المعتبرة التي استقرضها، بل اجاز رد الثلج شتاء وان كان اخذه صيفا، واجاز كذلك رد الماء في ساحل الشط وان اخذه في المفازة مع انه اذا اخذ كمية كثيرة من الثلج في الشتاء واتى بها الى من اقرضه ذلك في الصيف لا يزيده الا زحمة ومشقة; لانه يحتاج حينئذ الى من يبعد الثلج عن داره لا الى من ياتيه به.

ويدل على المختار مضافا الى ما ذكرنا امران: احدهما: وهو القاعدة المعروفة ب «لا ضرر» فان مقتضاها انتفاء كل حكم يوجب ضررا، ومن الواضح ان عدم الاعتناء بتغير مالية النقود فيما اذا كان كثيرا يوجب ضررا على الدائن فيكون منفيا ب «لا ضرر».

ان قلت: ان هذه القاعدة انما تنفي الاحكام الضررية لكنها ل تثبت احكاما اخر تقوم مقامها، فهي تنفي الوضوء والغسل الضرريين او الاداء الموجب لضرر الدائن، لكنها لا توجب على المدين اداء ما يعادل مقدار الدين في ماليتها. قلنا، اولا: لا نسلم كون «لا ضرر» نافيا للحكم فقط، بل ان هذه القاعدة تثبت الحكم كما تنفيه. والشاهد على ذلك نفس دليلها، اعني حديث‏سمرة بن جندب حيث امره النبي (ص) بالاستئذان من الانصاري، ومن الواضح ان وجوب الاستئذان من باب اثبات الحكم بقاعدة لا ضرر.

وثانيا: ان الاستدلال هنا يتم ولو لم تكن القاعدة مثبتة للحكم; وذلك لان المقصود من الاستدلال اثبات عدم كفاية اداء الدين بملاحظة المقدار الاسمي، ولا شك ان هذا حكم منفي مترتب على القاعدة، واما اداء الدين بملاحظة ميزان المالية فاثباته لا يحتاج الى التمسك بالقاعدة، بل يثبت ذلك بقاعدة اليد، والاداء لا يتحقق الا بدفع ما يعادل مالية الدين.

وثالثا: سلمنا تحقق اداء الدين في الامثلة المذكورة، لكنه مع ذلك لا يجزي; لكونه موجبا للضرر المنفي بمقتضى قاعدة لا ضرر. وبعبارة فنية: يقع التعارض في هذه الموارد بين قاعدة اليد وقاعدة لا ضرر، فتقدم قاعدة لا ضرر بالحكومة على قاعدة اليد.

لا يقال: ان قاعدة لا ضرر نافية للاحكام الضررية لا مثبتة لحكم آخر، فلا يثبت بها وجوب دفع الاوراق المعتبرة على المدين. فانه يقال: قد ثبت على ما حققناه في محله عدم الفرق في ذلك، فكما يمكن ان تكون القاعدة نافية كذلك تكون مثبتة، والشاهد عليه ايجاب النبي(ص) الاستئذان على سمرة استنادا لهذه القاعدة، هذا اولا.

وثانيا: سلمنا عدم كون القاعدة مثبتة للحكم لانه لو كان اداء الدين بالجمد في الشتاء وبالماء على الشاطى وبالاوراق الباطلة منفيابهذه القاعدة كان الاداء بنفسه ضرريا، واذا انتفى الضرر لم يبق طريق لبراءة الذمة الا باداء المالية; لانحصار الطريق بذلك، ومن الواضح عدم تحقق الاداء الا بدفع الاوراق المعتبرة.

ثالثا: ان الزمان والمكان دخيلان في مالية بعض الاشياء، فالجمد في الصيف له مالية معتد بها وفي الشتاء لا مالية له، وكذا الماء في المفازة له مالية عظيمة وعلى الشاطى لا مالية له.

والحاصل: ان الاعيان الخارجية انما تقع المعاملة عليها بسبب ما لها من المالية، فان قوامها هو المالية، وهي متغيرة بالزمان والمكان، فاذا سقطت عن المالية فلابد من تداركهابطريق آخر. هذا، مضافا الى ان المالية هي عماد المعاملات وان كان لغيرها احيانا تاثير في المعاملة كالعينية والمثلية، ومدار المالية في النقود الورقية هو المالية ليس الا; لانها من الاشياء التي تقوم ماليتها بالاعتبار.

وقد اورد على ما ذكرنا نقضا وحلا: اما نقضا: انه بناء على اعتبار تساوي المالية بين القرض والاداء لوجب القول بعدم تحقق الاداء عند التفاوت اليسير بنقصان المالية، فلابد من تداركها بدفع تفاوت القيمة مضافا الى دفع المثل، ولم يقل به احد.

واما حلا: ان الواجب رد العين مع وجودها ورد مثلها عند فواتها، والمماثلة المعتبرة هي المماثلة من حيث الحقيقة، واما المالية فهي ليست من صفة العين او المثل ليجب تداركها، هذا مع قطع النظر عن التغير الحاصل في المالية بسبب الزمان او المكان او الحكومة.

والجواب عن كليهما واضح: اما عن الاول: فقد ظهر مما ذكرنا سابقا عدم اعتناء العقلاء بالتفاوت اليسير في القيمة، اذ من رضي بامثال هذه الديون لا محالة يكون قد رضي بلوازمها لكن دون الفاحش من اللوازم الذي لا يمكن الالتزام بعدم تداركه، فقياس التفاوت اليسير على الخطير قياس مع الفارق.

واما عن الثاني: فبان المعاملات والضمانات وامثالها تدور مدار المالية دائما، اذ لا معنى لضمان ما لا مالية له، فلا ينبغي الشك في امثال المقام من ان المماثلة تشمل المالية ايضا; لان الركن الركين في الاموال هو المالية كما هو واضح، والمماثلة المعتبرة في الاوراق انما هي من حيث المالية فيها عند العرف لكونها الملاك في اعتبار ماليتها.

اقوال اخرى في اداء الدين بالمثل والقيمة :

ثم انه قد يحكى عن الفقهاء رضوان اللّه عليهم في نظير مسالة الجمد في الصيف والماء على الشاطى اقوال ثلاثة:

1- كفاية رد العين او المثل وان سقطت عن المالية مطلقا، وقد اسند هذا القول الى المشهور، مع ان الظاهر خلافه، ويشهد له ما ذكره شيخنا الانصاري قدس‏سره في كتاب البيع، قال: «... بل ربما احتمل جواز دفع المثل ولو سقط عن القيمة بالكلية وان كان الحق خلافه‏» اذ لم يسند القول الى المشهور، بل ضعفه وجعل الاقوى خلافه.

2- كفاية رد العين اذا كانت موجودة دون رد المثل، فيجب التحفظ على المالية باداء مايساوي مالية العين، ولا يكفي اداء المثل، فيكون هذا القول قولا بالتفصيل.

3- عدم كفاية الرد مطلقا، بل اللازم رد المالية فيما اذا لم تكن محفوظة، فالمعيار في ذلك هو التحفظ على المالية سواء بقيت العين ام لا، فلو كانت العين باقية والمالية زائلة لم يجز اداء العين، ولو لم تكن باقية لم يجز اداء المثل الا اذا كانت المالية محفوظة، وهذا هو المختار.

وقد يستدل للاول بامرين: احدهما وهو بظاهره دليل عقلي : ويمكن توضيحه بما يلي:  

ان لكل عين خصائص ثلاثة: 1- الصفات الشخصية، ككون الحنطة مثلا من الحقل الزراعي الفلاني. 2- الصفات النوعية، ككونها حنطة لا شعيرا. 3- المالية، وهي ان يكون لها مالية تبذل بازائها.

وحاصله: انه ان كان الماخوذ في القرض او الغصب هو نفس العين، وجب على المقترض او الغاصب رد العين بما لها من خصوصيات الى المالك ان كانت باقية، ومع التلف وبقاء المثل وجب التدارك باداء المثل المشتمل على الصفات النوعية والمالية، ولو لم يكن المغصوب مثليا (والمفروض تلف العين) وجب دفع المالية في المرتبة الثالثة.

ومن كل ذلك تبين: ا ان المالية الفائتة ليست من الماخوذ في شي‏ء، لاسيما المالية الاعتبارية التي بيد المعتبر فانها خارجة عن دائرة الضمان، وانما الضمان يتعلق بنفس العين او مثلها. ب انه متى ما امكن تدارك جميع الخصوصيات لم تصل النوبة الى الرتبة الثانية فيما لوكانت العين تالفة والمثل باقيا كما انه لا يجوز الاقتصار على دفع المالية فيما اذا كان المثل باقيا.

ومن ذلك ظهر ان المناط في مسالة الاموال والضمانات هو المالية فيها، وتبين ان اللازم في المرحلة الاولى اداء العين بنفسها المتضمنة لصفات شخصها ونوعها وماليتها، فان لم يمكن تنزلنا الى صفات نوعها وماليتها، فان لم يمكن تنزلنا الى واحدة وهي المالية لكونها ركنا في جميع المراحل، اذ لا يخلو مال عنها، وهذا الامر جلي في الاوراق فان القرطاس بما هو قرطاس لا يرغب فيه، بل الرغبة كل الرغبة في ماليته، فاداؤه لا يكون الا باداء ماليته.

ثانيهما: بعض الروايات الواردة في الدراهم الساقطة عن رواج المعاملة: ا مارواه يونس بن عبدالرحمن قال: كتبت الى ابي الحسن الرضا (ع): انه كان لي على رجل دراهم، وان‏السلطان اسقط تلك الدراهم، وجاءت دراهم اعلى من تلك الدراهم الاولى ولها اليوم وضيعة، فاي شي‏ء لي عليه، الاولى التي اسقطها السلطان او الدراهم التي اجازها السلطان؟ فكتب (ع): «لك الدراهم الاولى ». ب ما رواه العباس بن صفوان، قال: ساله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم عن رجل، وسقطت تلك الدراهم او تغيرت، ولا يباع بها شي‏ء الصاحب الدراهم الدراهم الاولى او الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: «لصاحب الدراهم الدراهم الاولى ».

ويرد على الاستدلال بهما: اولا: ان الرواية لا ترتبط بالمقام للقياس مع الفارق، فان للدرهم مالية شبه اعتبارية لكونه من الفضة، فلا يسقط عن المالية بالكلية، نعم، يمكن ذهاب شي‏ء من ماليته، بخلاف النقود الورقية فانها تسقط عن المالية بالكلية بعد ذهاب رواجها، كما هو الحال في الماء على الشاطى والجمد في الشتاء، ولذا يصح ان يكون لصاحب المال الدراهم الاولى لكون التفاوت في القيمة يسيرا بخلافه في الاوراق فانه كثير، فالقياس على المقام مع الفارق.

ثانيا: ان مورد السؤال في الرواية الاولى هو ما اذا كان الدرهم الثاني اعلى قيمة من الاول، وبذلك تفسر الرواية الثانية وتحمل على مورد يكون فيه الدرهم الثاني اعلى قيمة من الاول، لا بسبب الرواج فحسب، بل لكون الثاني اجود من الاول، وحينئذ لا ينبغي الشك في عدم استحقاق الدائن للزائد، فتامل.

ثالثا: ان هاتين الروايتين معارضتان بما هو اوضح منهم واظهر، وهو مارواه يونس بن عبدالرحمن ايضا قال: كتبت الى الرضا (ع) ان لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم باعيانها او ماينفق اليوم بين الناس؟ قال: فكتب الي: «لك ان تاخذ منه ما ينفق بين الناس كما اعطيته ما ينفق بين الناس‏».

وهذه الرواية اقوى ظهورا من السابقتين، فلو دار الامر بينه وبينهما اخذ بها لكونها اظهر منهما، مضافا الى كونها اوفق باصول المذهب من وجوب مراعاة العدل، اذ ان اداء النقود الورقية الساقطة عن المالية بدل نقود لها مالية لا يوافق موازين العدل والانصاف.

هذا، وقد ذكر شيخنا الصدوق(رضي اللّه عنه) بعد نقل هذه الروايات طريقا آخر للجمع الدلالي بينها حكاية عن استاذه محمد بن الحسن الصفار، فقال: «كان شيخنا محمد بن الحسن (رضي اللّه عنه) يروي حديثا في ان له الدراهم التي تجوز بين الناس. والحديثان متفقان غير مختلفين، فمتى كان للرجل على الرجل دراهم بنقد معروف فليس له الا ذلك النقد، ومتى كان له على الرجل دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فانما له الدراهم التي تجوز بين الناس‏».

وحاصل كلامه رحمه‏اللّه ان النقد في تلك الاعصار كان يتعامل به بنحوين من المعاملة: 1- تارة يشترط وزن النقود بغض النظر عن كونها رائجة بين الناس او لا، حيث‏يجوز للمدين في هذه الصورة اداء دينه من النقود السابقة بالوزن المعلوم، لكون المدار فيها هو الاحتفاظ على الوزن وقد اداه. 2- واخرى يشترط رواجها وجوازها بين الناس، فلا يجوز حينئذ للمدين الا اداء الرائج من النقود.

وهذا الجمع حسن لكون الاوليين ناظرتين الى الصورة الاولى ، والاخيرة الى الصورة الثانية. ومن ذلك ظهر عدم الريب في تقديم الرواية الاخيرة المعارضة على غيرها بعد وضوح دلالتها وموافقتها لاصول المذهب، وظهر ايضا ان نسبة القول الى المشهور بعيدة عن الصواب بعد وضوح ما قاله شيخنا الانصاري : «واحتمل بعضهم جواز اداء المثل وان سقط عن المالية، والاقوى خلافه‏» لما ذكرنا.

خلاصة البحث: ومن جميع ما ذكرنا تلخص ما يلي: 1- اذا سقط المال عن المالية كالماء على الشاطى وجب اداء قيمته، ولا يكفي اداء المثل، واوضح منه ما اذا سقطت الاوراق النقدية عن المالية، فانه لا يكفي فيها اداء المثل قطعا.

2- لا فرق في ذلك بين بقاء العين وفواتها، نعم، لو كانت العين عنده امانة مالكية، ولم يطلبها المالك حتى سقطت عن المالية بغير تقصير من الودعي لم يكن عليه شي‏ء، لعدم كونها دينا في ذمته.

3- لا يبعد وجوب اداء ادنى القيم اذا لم يكن السقوط فاحشا، فانه متى مادار الامر بين ادنى القيم واعلاها وكان الاشتغال بالادنى متيقنا وبالاعلى مشكوكا، جرت البراءة في الاعلى دون الادنى .

4- تجب المصالحة اذا سقطت القيمة سقوطا فاحشا بحيث لم ير العقلاء اداء المثل كافيا; لعدم كونه اداءواقعيا، ولايكون هذ التفاضل بين الماليتين داخلا في عنوان الربا بعد كونه تفاضلا بحسب المالية.
 

هذا تمام الكلام في النقود الورقية، والحمد للّه اولا وآخرا
 

الصفحة الرئيسية