كتاب أُصول الفلسفة للسيد محمد حسين الطباطبائي 1 ـ 24 ص

الصفحة السابقة  طباعة الصفحة  الصفحة الرئيسية  الصفحة التالية


( 2 )

 


( 3 )

 

كلمة الفيلسوف الإسلامي الكبير في حقّ الترجمة و المترجم:

 

بسم اللّه وله الحمد

 

مقالات فلسفية تسير بقارئها حتى توقفه على أُفق عال من النظر ويشرف منه على خلاصة النظريات التي حصّلتها الأبحاث الموروثة من قدماء الفلاسفة من كلدة ومصر وإيران واليونان وغيرهم ثم تحملها فلاسفة الإسلام، ويطّلع على الأبحاث والآراء التي أضافتها إليها الفلسفة الغربية الحديثة، ثمّ يقف على القضاء الحرّ والرأي الحقّ الذي لا مناص عنه للنظر المصيب.

قد كنت سردتها قبل بضع سنين أيّام ألقيتها للدراسة بالفارسية فطبعت وانتشرت على الوصف ثمّ لاح لي أن أكسوها بحلية العربية، والوقت لا يسمح والسعي لا ينجح فاستدعيت شيخنا المحقّق صاحب الفضيلة الشيخ جعفر السبحاني ـ سلّمه اللّه تعالى ـ أن يتصدّى ذلك وهو ممّن جال مضمارها، وشقّ غبارها، وقد حضر دراستها مرّة بعد مرّة فأجابني بهذا الذي نقدّمه إلى القراء الكرام ولا أراه سلّمه اللّه إلاّ أتى بأجمل ممّا كنت أقدّره، وجاء بأغزر ممّا كنت أؤملّه. أشكره على ما استفرغ في تقرير مقاصده من الوسع وقام بأمانة النقل وإيضاح أغراض الفن أحسن القيام، شكر اللّه سبحانه جميل مسعاه.

محمّد حسين الطباطبائي

9 ذي القعدة 1378 هـ

17 مايس 1959 م


( 4 )

 

كلمة للشيخ مرتضى آل ياسين

من أعلام النجف الأشرف

 

بسم اللّه وله الحمد

وصلّـى اللّه على محمّد وآل محمد

 

وبعد; فإنّ الكلمة في مثل هذا الكتاب ليست لمثلي وإنّما هي للفطاحل من فلاسفة الإسلام الذين ساقهم حسن التوفيق إلى الإضطلاع بهذه البحوث فعالجوها بعقولهم النيّـرة ومواهبهم الخيّـرة فاحسنوا علاجها وفتحوا وقاحها وتوغلوا في مناهجها ومعارجها حتى تبوّؤا الصدارة بين العلماء والمتألهين والعرفاء الربانيين.

هؤلاء العلماء هم الذين يجب أن يقولوا كلمتهم في مثل هذا الكتاب الفذ يستوحونها من خبراتهم الواسعة التي أفادوها من دراسات هذا الفن بما فيه من عمق ودقة لكي تكون كلمة مُواتية لما يستحقه الكتاب من تثمين وتقييم وما يستحقه مؤلّفه السيد الجليل من تقدير وتبجيل.

بيد أنّ ذلك مهما كان حقَّا لا يعني منع الآخرين من ابداء شعورهم تجاه الكتاب أو تجاه مؤلّفه فيما إذا أرادوا أن يدُلوا ب آرائهم إلى جنب غيرها من الآراء.

ولأجل ذلك جاز لنا أن نقول أنّ كتاب (أُصول الفلسفة) الذي يجده القارئ الكريم بين يديه قد حفل بمزايا وخصائص امتاز بها امتيازاً ظاهراً ونجح بها


( 5 )

نجاحاً باهراً.

ومن خصائصه البارزة جمعه بين الفلسفتين القديمة والحديثة ثم تيسره للمسائل العويصة المعضلة تيسيراً يجعلها في متناول أكثر الأفهام وربّما حلل بعضها تحليلاً وجدانياً يغني القارئ عن التماس البرهان والدليل وبهذا استطاع أن يوجّه للفسلفة المادية ضربة قاضية وأن يثبت لأولئك الأغوار الذين فتنتهم تلك الفلسفة بأنّ الفلسفة الإلهية كانت ولا تزال أرسخ قدماً من أن تزلزلها مزاعم الماديين الزائفة مهما طبّلوا لها وزّمروا وإنّ كتاباً له مثل هذه الخصائص القيمة لجدير بأن يصبح في حيازة كل انسان من شبابنا المثقف لئلا يحرم من فوائده الجمة وعوائده المهمة التي دبجتها يراعة الفيلسوف الإسلامي الكبير العلامة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي ـ دام تأييده ـ.

وأنّي لأدعو هواة الفلسفة من الشباب العربي إلى اقتناء هذا السفر الجليل ليستنيروا ب آرائه الصائبة ويستمدّوا من براهينه الدامغة ما يجعلهم أشدّ إيماناً وأقوى يقيناً، ومن الحق على قراء اللغة العربية أن يتقدموا بجزيل الشكر إلى فضيلة العلامة المجاهد الشيخ جعفر السبحاني الذي أخرج هذا الكتاب من لغته الفارسية إلى لغة القرآن وقدّمه إلى قرائها بهذا اللسان العربي المبين فجزاه اللّه عن الحق خير جزاء المحسنين والحمد للّه أوّلاً وآخراً وصلّـى اللّه على محمد وآله الطاهرين.

مرتضى آل ياسين

 


( 6 )

 

مقدمة الطبعة الثانية للمترجم:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أُصول الفلسفة

 

دراسات ومحاضرات ألقاها الأُستاذ الأكبر حكيم الإسلام وفيلسوف الشرق السيد محمد حسين الطباطبائي ـ تغمده اللّه برحمته الواسعة ـ. ألقاها يوم كان للمادية صولة في مجالي السياسة والاقتصاد. وكانت الفكرة المادية خداعة للشباب تغري كثيراً من المثقفين الجامعيين. بفروضها الجديدة واصطلاحاتها الثورية وقد أثرت في أبناء وطننا الإسلامي وهزت العقائد في بعض النفوس.

استشعر الأُستاذ المغفور له بواجبه فألَّف تلك الموسوعة لغاية التقريب بين فلسفتي الشرق والغرب تقريباً موضوعياً و الفصل بينهما وقد نقد خلال ذلك الأفكار المادية الموروثة من ماركس وانجلز التي نشرتها الشيوعية السوفياتية بألوان مختلفة وقد كان للموسوعة أثرها الخاص يوم ظهورها وانتشارها بين العلماء والمثقفين.


( 7 )

وقد أمرني الأُستاذ ـ يوم ذاك ـ بتعريبها استشعاراً منه بوجود المؤهلات في تلميذه الصغير وقد أديت بعض الواجب بنقل بعض أجزائه إلى العربية وقد انتشرت قبل نحو أربعين سنة.

وها هي يُجدد طبعها الآن وتنشر بصورة جميلة باهرة.

ولقائل أن يقول أنّ الشيوعية والماركسية والأفكار المادية قد قضي عليها في هذه الآونة الأخيرة عن طريق التجزئة السياسية للاتحاد السوفياتي فلم يبق للمادية عمود يركن إليه، وقد تبددت اشلاؤها وتفككّت انحاؤها ولكن الكاتب يوافق ذلك القائل بعض الموافقة فانّ الماركسية وإن كانت حسب الوصف المذكور ولكنها انحلّت سياسياً واقتصادياً لا فكرياً ومنهجياً، فلا يعد معسكراً شرقياً مقابل المعسكر الغربي ولكن الفكر المادي وأصوله الهدامة بعد موجودة في بعض الأدمغة وَتدَّرس في الجامعات، وأساتذتها بعد في محاولة للتجديد فعلى ذلك ليس من صحيح الرأي تصغير العدو وهو بعد بصدد جمع العدة للهجوم على المثل الدينية.

وهذا ما دعا الكاتب أن يدفع الكتاب إلى الناشر لنشره بثوب جديد مع تغييرات يسيرة في التعبير واصلاح قليل في المضمون والمحتوى.

أسأله سبحانه أن يوحد صفوف الإلهيين ضد الماديين وينشر كلمة التوحيد ويببدد صفوف المشركين والمنافقين.

 

قم

الجامعة العلمية

جعفر السبحاني

1 ذي الحجة الحرام 1414


( 8 )

 

مقدمة الطبعة الأُولى للمترجم:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين وصلّـى اللّه على محمد وآله الطاهرين

أمّا بعد: فهذه محاضرات فلسفية ومقالات ممتعة حول الفلسفة الإسلامية، والفلسفة الدارجة في الجوامع الفلسفية الغربية، ألقاها سيّدنا الأُستاذ الحكيم العلاّمة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي ـ دام ظله ـ، وهو من كبار أساطين العلم والفلسفة في الهيئة العلمية ـ، على تلاميذه في حلقة تدريسه من رواد العلم، وطلاّب الفضيلة.

غير أنّه لما كان ما حرّره بقلمه الشريف باللغة الفارسية أمرني ـ دام ظله ـ أن أنقلها إلى لغة الضاد، لغة القرآن الكريم ولغة النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لحسن ظنّه بنقلي وترجمتي، فقد حضرت أبحاثه الفلسفية دورة بعد أُخرى وحرّرت من آرائه وأفكاره الشيء الكثير فجاءت الترجمة على هذه الصورة التي تمثّلت بين يدي القارئ.

ولست أدّعي بأنّـي قمت بترجمة عبائره حرفياً بل كلما أدّعيه أنّني قد استوفيت مقاصد الكتاب بأوضح العبارات وأيسرها جهد الإمكان.

وأمّا التعاليق التي علّقها على الكتاب زميلنا العلاّمة المطهري، فقد قمنا بترجمة خصوص ما كان يرجع إلى مقاصد الكتاب، من تحقيقه وتوضيحه وتركنا غيره لئلاّ يزيد الفرع على الأصل.

ومنه تعالى نستمد العون وعليه التكلان.

جعفر السبحاني

 


( 9 )

 

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مرّت على البشر قرون وأدوار، وهو يعرج في خلالها من حضيض الوحشية إلى مدارج المدنية ويخطو خطوات واسعة في سبيل ثقافته، يضحّي للحصول عليها بالنفوس والأموال.

وربّما يحسب أنّ غرضه الأكبر من هذا الجهد المستمر، هو تأمين الحياة وتمهيد طرقها، أو شعوره بأنّ العلوم كحصون منيعة، وقلاع مستحكمة، تقيه شرّ الحوادث ومحن الكوارث.

لكنّه حسبان باطل، إذ في تاريخ سير العلوم، وغضون المعاجم، وكتب التراجم، ما يكذب هذه المزعمة فإنّ طلب العلم ما برح مقروناً بالتعب والوصب، ولم يزل روّاده وحماته محرومين من لذائذ الحياة، مكتفين بما يمد عيشهم، مواصلين ليلهم بنهارهم، معتكفين في الزوايا، معرضين عن ملاذ الحياة، وما يتنافس فيه الناس، سائرين مع الرجرجة الدهما سيراً سجحاً مواجهين الشدائد والنوازل، إلى غير ذلك من ملمّـات وحوادث.


( 10 )

ولو كان الهدف لحماة العلم في جهودهم الجبّارة التي تحمّلوها في سبيله وكشف كنوزه، هو التمتع بزهرة الحياة والتوصل به إلى لذاتها المادية، وشهواتها الطبيعية، لكان الخسران قريناً لهم، ولو كان المحرّك لهم إلى تلك المصاعب والأتعاب، ما يهمّ القوى الشهوية والغايات البهيمية، فالاضطهاد في طريقه لماذا، والحرمان عن لذائذ الحياة لأيّ جهة؟

والذي يقضي به الوجدان السليم، ويؤيّده السير في سير العلوم، والامعان فيما جرى على علمائها، هو أنّ الانسان مفطور على حبّ العلم، والولع بفنونه، وأنّ العلّة المحرّكة له نحوه لا تشبه العلل المادية، والرابطة التي تربطه بعلومه لا تسانخ الروابط الجسمانية، بل هي علّة فوق مستوى الطبيعة، ورابطة أعلى من أن يحدّها البيان ـ ولأجلها ـ نجد الإنسان العالم صابراً على المكاره، ومتثبّتاً في طريق تحصيله وان اقترن بالمكاره.

الكون ومشاكله:

لا شك أنّ العلم كلما كان أشد طرداً للريب والجهالة ونازلاً حريم اليقين، وكان كلّـي القواعد، واسع النطاق خارقاً للحجب الضخام، كان أوقع في النفوس بحيث ترتاح إليه القلوب، وتشد إليه المواكب، وتناخ دونه الرواحل.

ولا شك أنّ الإنسان بطبعه وفطرته، يريد أن يعلم ما يجد نفسه جاهلة به، ويحاول أن يهتك حجاب الجهل عن وجوه ما خفي عليه، غير أنّه يجد في نفسه عناية شديدة بتحليل مشاكل الكون، وما يجري في نظام الخلقة من قوانين كلّية، وما تحيطه من الأسرار والرموز. ويجد في نفسه رغبة أوفر وأوفى،


( 11 )

لأن يحوم حول مسائل كلّية، ومعاني مرسلة أعني ما لا تختص بمكان دون مكان، وبعلم دون علم، مثل الوحدة والكثرة والمتناهي وغير المتناهي والعلّة والمعلول، والواجب والممكن إلى غير ذلك من الأُمور العامة الكلّية الجارية في نظام الوجود، ومدارج الكون التي يبحث عنها وعمّـا يسانخها في الفن الأعلى من الفلسفة.

وهذا الشوق الوافر، يحث البشر على الإمعان في رموز الكون وقوانينه حتى يتمثّل في ذهنه ما في الوجود من النظام ويصير شخصاً مفكّراً، قاضياً ومبرماً فيما يلوح في فكره، حسب الأُصول والقواعد الصحيحة.

ما هي الفلسفة وماهي أهدافها؟

إفاضة الكلام في تحديد الفلسفة وتوضيح أهدافها ومقدار تأثيرها في التفكير الإنساني، تحتاج إلى مقال مستقل لا يسعه نطاق مقالنا، غير أنّا نأتي في المقام صورة إجمالية من هذا البحث الضافي قائلين بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور فنقول:

الفلسفة: هي البحث عن نظام الوجود، والقوانين العامة السارية فيه، وجعل الوجود بشراشره هدفاً للبحث والنظر.

فيلزم على الإنسان المتفكّر، أن يتّخذها دليلاً يهديه في ظلمات البحث، أو سلّماً يعرج عليه في سماء التفكير، ويرتقي به إلى ما يحاول الوصول إليه، فإنّ الفلسفة والفكرة الصحيحة توأمان، لا تفترق إحداهما عن الأُخرى قدر شعرة.

فلو كانت الفكرة الصحيحة دارجة في القرون الغابرة بين الأُمم


( 12 )

الماضية، فقد كانت الفلسفة أساساً لها، لضرورة التلازم بين الفكرة الصحيحة والفلسفة التي هي الوقوف على القوانين العامّة التي لا تختصّ بموجود دون آخر.

ومن ذلك يقف القارئ الكريم على أنّ الفلسفة بما أوعزنا إليه من المعنى الصحيح، لا تختصّ بدورة أو دار ولا بنقطة دون غيرها، حتى نعد تلك الدورة مبدأ لحدوثها بين أصّحابها، ففي أيّ دور أو كورة وجد التفكير الصحيح فقد وجد فيها الفلسفة، فإنّ الاستنتاج الصحيح لا يستقيم أمره إلاّ بها، ولا تستقال عثراته إلاّ بالتمسّك بأذيالها، فلا يعقل تقدّمه على الفلسفة.

والبشر المتفكّر، منذ تمكّن من التفكير وإعطاء النظر، ومنذ استطاع أن يجيل نظره في نظام الكون ويقف على ما يجري في الوجود من القوانين الكلية، مارس التفكير الفلسفي بصورة من صوره.

مراكز الفلسفة:

يرشدنا التاريخ إلى أنّ بيئات مصر وإيران والهند والصين واليونان كانت في يوم ما، تزدهر بمصابيح الفلسفة وتزدحم في معاهدها أساتذتها وطلاّبها، وتشهد على علوّ كعبهم وسمو فكرهم آثارهم الباقية إلى هذه العصور مما أفلت من أيدي حوادث الدهر المدمرة.

هذه الآثار تعرّفنا مكانتهم من العلم والعرفان، وتبرهن على قوة استعدادهم ومثابرتهم على الجهود الجبارة في اكتساح الجهل والأُمية، وتأسيس معاهد علمية وفلسفية وعقد حلقات التدريس في شتى العلوم.


( 13 )

فقد كانت اليونان وضواحي آسيا الصغرى يوماً ما مركزاً للمعارف العقلية والمسائل الفلسفية، وأُسست بيد رجالها في تلك البلاد، حوزات علمية ومعاهد فكرية، وقد بقيت تلك المعاهد تزدهر في سنوات متطاولة بمئات من المتخرّجين وعشرات من الأساتذة.

ثم بعد لأي من الدهر غادرها الفضلاء، والأساتذة وقفلوا إلى الاسكندرية، وما زالت مدارسها معمورة ومعاهدها مزدهرة إلى أن استولى عليها امبراطور الروم الشرقي حوالي سنة 529 الميلادي، فقضى على محافلها العلمية، وهدم معاهدها العالية وأزعج الأساتذة والجهابذة.

وبينما هو يحكم في تلك البلاد بالعسف والطغيان، ومناوأة العلم والعرفان، إذ أزهر كوكب الإسلام الدرّي وأشرقت الأرض والسماء بنور نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخذت تلك الظلمات تنحسر أمام نوره الوهّاج، وأخذ هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصدع بكلام اللّه ويخاطب المجتمع البشري بقوله: (هَلْ يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ) (1).

قام نبي الإسلام داعياً إلى العلم، حامياً عن أهله بكتابه المبين وسنّته النيّـرة، هكذا كان رأيه ودأب من بعده من المقتفين أثره، فقد خطى المسلمون بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خطوات واسعة متواصلة حتى تأسّست بيد رجالات الدين كلّيات ومعاهد ومجامع علمية لا يستهان بها، فأشرق بنور العلم مدنها وعواصمها.

كانت نتائج هذه الجهود، أن حدثت مدنية تعد من أرقى المدنيات التي حفظها التاريخ، إذ صارت العلوم الداثرة دارجة، والمتفرّقات مجتمعة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-سورة الزمر : 9.


( 14 )

فأعاد المسلمون تلك المآثر والآثار التي هدّمتها يد الجور والطغيان، وجمعوا شتات العلوم من الكتب الواصلة إليهم، التي كاد الدهر أن يقضي عليها، فقد شدّوا الرحال إلى تحصيل المعارف وجابوا البلاد لاستحصال هذه النفائس، ولاقوا من التعب والوصب ما لا يستهان به، وقد بلغت الأُمّة الإسلامية في مدة قليلة شأواً عظيماً في العلم، بحيث صارت العواصم الإسلامية معاهد للعلوم ومراكز للفضائل يقصدها الشرقي والغربي ويطوف عليها رواد الفضيلة، وهذا التاريخ يحدّثنا حديثاً قطعياً، بأنّه كانت الرحال تشد من الغرب إلى العواصم الإسلامية التي كانت من النقاط الخصبة بالعلوم والمعارف، كان الأمر على هذا المنوال إلى أن أفاق الغرب من سباته، فأحدث مدنية أُُخرى قوية جداً، وأحدث وسائل جديدة إلى ما يحاول العلمبه.

والحق أنّ العهد الإسلامي من أشرف الأدوار التي مضت على البشر ومعارفه الكلية وعلومه العقلية، فقد وضع في ذلك العهد حدوداً للنظر، وأُصولاً للمعقولات ورسم دوائر يستفاد منها حال ما يمكن وجوده وما يستحيل، إلى غير ذلك من القواعد.

أجل إنّ الإسلام والمسلمين المنتشرين في الشرق وإن أخذوا أساس تلك الثروة الطائلة والكنوز العالية من اليونان، غير أنّها كانت بضاعة لهم في القرون الغابرة قبل أن تظهر طلائع المدنية في اليونان، فردّت اليونان إلى الشرق والمسلمين بضاعتهم التي كانوا أخذوها منهم، فقد كان اليونانيون متطفّلين على موائد الشرقيين من كهنة مصر وغيرها في العلوم الطبيعية والفلسفية.


( 15 )

الشرق وأدوارها الثلاثة:

مضت على الشرق أدوار ثلاثة مختلفة: دور العلم والتفكير، وذلك قبل أن يطلع في اليونان كوكب العلم، ودور التباعد عن العلوم والمعارف بعد ما كان مبتكرها، وكانت الأحوال على هذه حتى ظهرت طلائع التمدّن الإسلامي بظهور نور الإسلام وأعاد ذلك النور في عواصم المسلمين وبلدانهم بقوّة حججه، وصلابة منطقه، فعمرت المكتبات الإسلامية بألوف من الكتب وغصّت دور العلماء وحلقات التدريس بطلاّب الفضيلة وروّاد العلم.

هذه دراسات تاريخية توقفك (إذا تحرّيت الصدق في المقال والعدالة في القضاء) على عظمة الشرق وعظمة معارفه في الدورتين، وانّ المعارف والعلوم والفلسفة التي كانت دارجة بين الشرقيين قبل عصور الأغارقة في اليونان، قد لعبت دوراً عظيماً في المدنية اليونانية وعلومها وأفكارها.

والتاريخ يحدّثنا ويقرأ علينا فصلاً مبسوطاً عن الأُمّة الإسلامية فيما تحمّلوها من الأتعاب في تكميل ما حصلوا عليه من التراث اليوناني وأخذوه من تلك الأُمّة البائدة وتهذيب ما وصل إليهم منهم، من زوائد الكلام وفضول المقال وبذلك صار الشرقيون عمداً للعلم في كلتا الدورتين: الأُولى والثالثة.

وقد استمرّ البحث والتنقيب حول المسائل الفلسفية الكلية، والعلوم الطبيعية إلى أجيال تربوا إلى عشرات القرون.

هذه نواحي فنية من تاريخ الفلسفة، أشرنا إليها لتكون كنموذج يعرف القارئ الكريم به الحقيقة في تلك العصور الماضية، غير أنّ بسط المقال فيها يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد خارج عمّـا يهمّنا فعلاً.


( 16 )

التطوّر النهائي في الفلسفة:

ظهر هذا التطوّر في العصور الأخيرة الإسلامية أي بعد القرن العاشر الإسلامي، فهو بلا شك أدهش العقول وحيّـر أصحاب الفكر. أحدثه رجل العلم والفضيلة، البطل المقدام في ميادين العلم والمعرفة، سيّد نوابغ العالم، أسوة الحكماء والمتألهين: محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بصدر الدين، وصدر المتألهين (971ـ1050) أسّس أساساً حديثاً، ورسم قواعد ودوائر لم يسبق إليها أحد، وأتى بأفكار أبكار، وآراء ناضجة، لم يقف على مغزاها إلاّ ثلّة قليلة من بغاة العلم والفلسفة.

ولو تتبّعت موارد أنظاره وكتبه ورسائله، لعلمت أنّه المؤسّس في المسائل الفلسفية، وأنّه المبتكر الوحيد في إبداع أُصول لم تعهد، وتفريع فروع لم تسمع، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد.

كان من الفرض اللازم، قيام أُمّة كبيرة من أصحاب الفضيلة بأعباء ترجمة آرائه ومسائله وأجوبته وما أسّسه من أساس وطيد، حتى يقف العالم الغربي على علوّ كعبه ومدى فلسفته، وسمو معناها، ويقف على أنّ الشرق قد أنشأ رجالاً يليق أن تفتخر بها المجتمعات البشرية يوم كان الغرب مغموراً في ظلمات، ومما يؤسف له أنّ هذه الأُمنية قد بقيت في بوتقة الإجمال والإهمال، ولأجل هذا التسامح والتساهل ترى شباب العصر متطفّلين على موائد الغربيين حتى في تراثنا الفلسفي الذي نقله الغربيون من الشرق، ولعمر اللّه تلك خسارة يعسر جبرانها، وخلأ فكري أحدثتها يد أثيمة بين أبنائنا في تلك البلاد.

هذا هو سيّدنا المؤسّس الشيرازي، وهذا تراثه الفكري، وكتبه القيّمة، ورسائله، إلاّ أنّ شبابنا في العواصم الشرقية، لا يعرفون من تلك الأفكار الغالية شيئاً غير ما كتبه الأجانب في هذا الباب.


( 17 )

 

حول الفلسفة الإسلامية

في القرن الحادي عشر

أسّس سيّدنا الصدر الشيرازي هذه الفلسفة الإسلامية وأسماها بالحكمة المتعالية، فصارت محوراً للدراسات الفلسفية في الجوامع العلمية في بلادنا وما يقارنها فعكف عليها روّاد العلم وعشّاق الحقيقة، منذ وضع المؤسّس حجرها الأساسي وشاد بنيانها ورفع قواعدها.

وجّه سيّدنا المؤسّس فكرته إلى تحليل المباحث الهامة وشرحها تحت مشراطه العلمي وعطف نظره إلى القواعد العامّة الجارية في نظام الوجود من غير أن يختصّ بموجود دون آخر، فدقّق النظر فيها في بابها الخاص أعني الفن الأعلى، كما أنّه بحث بحثاً وافياً عن الإلهيات وأتقنها أيّ إتقان.

وقد استعان ـ رحمه اللّه ـ فيما أحدث من المدرسة الجديدة للفلسفة وفيما جاء من المنهج الجديد والتفكير الحديث، بما وصل إليه من الأغارقة الأقدمين ولا سيما أفلاطون وأرسطو ونظرائهما، وضمّ إلى تلك الأنظار الجليلة ما استفاده من أساتذة الشرق وفلاسفتهم ممّا سمحت بها أذهانهم ونشرتها أقلامهم، منذ حدث التمدّن الإسلامي إلى عصره ـ أعني منتصف القرن الحادي عشر الإسلاميـ.

ولا شك أنّه لاحظ وتأمّل ما كتبه فطاحل المشائيين وأساتذة


( 18 )

الاشراقيين، والعرفاء الشامخين، فجاء مؤسّساً بما اخترعه من المنهج الجديد، وهذا المسلك الحديث مع ما فيه من التجديد والابتكار رهين تلك الجهود التي تحمّلها روّاد الفلسفة الإسلامية وأساتذتها، ومن تقدّمهم من فلاسفة الاغريق، وأعانه في تأسيسه ذوقه المستقيم، وعارضته القوية.

ومن أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد الثاني من ماضيه.

نهض بهذا العبء الثقيل ولا نصير له سوى براعته وهمّته القعساء، وعقل كبير، وقلب بصير، جاء مهبطاً للعلوم والمعارف وصار بذلك بطلاً مقداماً في تلك الميادين.

ولقد توفّق ـ رحمه اللّه ـ كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الاشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشاء) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.

ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين وهم بين مشائي لا يقيم للاشراق وزناً، واشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.


( 19 )

وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طول هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة فختم بأفكاره وأسلوبه، ونهجه، على هذه المناظرات، ومن كان له المام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلاً للآخر.

وقصارى القول: إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من اليونانيين، وأُمّة كبيرة من المسلمين، فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الأوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الأنظار نتائج جهود أُمّة كبيرة من الأُمّة الإسلامية وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الإسلامية إلى عصر المؤسّس.

وكان على عاتق الأجيال اللاحقة، بث تلك الثروة الطائلة والكنوز الدفينة حتى يقف عليها الغربي، والشرقي، ويقتصها القاصي والداني.

كان على عاتقهم نقلها إلى اللغات الحيّة العالمية لكنّه مع الأسف قد وقعت تلك الأُمنية في هوة الإهمال وقد مضت على تأسيسها أربعة قرون وما زالت هي كالكنوز الدفينة في طبقات الثرى.

نعم جاء البروفسور ادوارد براون (1) (ذلك المستشرق الأجنبي) معرّفاً لتلك الشخصية الفذة فقال في الجزء الرابع من تاريخ آدابه:

«إنّ الفلسفة الإسلامية التي أسّسها صدر الدين الشيرازي، كسبت في إيران شهرة عظيمة، وصارت محور الدروس الفلسفية في بلادها ولم أجد لها

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-1- ADWARD. BR


( 20 )

ترجمة صحيحة وافية، باللغات الأوربية، نعم قد كتب المستشرق «كنت كوبينو» في توضيحها عدة صحائف ولكنّها لا تسمن ولا تغني بل يكشف عن قصور باعه وقلّة اطّلاعه ـ إلى أن قال:ـ استخبر مدى اطّلاعه عن تحليل منهج المؤسّس الشيرازي حيث قال في حقّه يمشي مشي المشائيين ويستضئ من أنوارهم فهو عديل الشيخ أبي علي في عصره، مع أنّ مؤلّف الروضات نسبه إلى الاشراق وأنّه كان يجنح إليه شديداً وأنّه كان منقّحاً أساسه بما لا مزيد عليه».

«نعم كتب الأُستاذ محمد اقبال الباكستاني رسالةً باللغة الانجليزية يوم كان من طلاب كلية «كمبريج» وأسماه: «تطور الحكم في الإسلام»، شرح فيها مكانة الفلسفة الإسلامية وعرّف قوة برهانه، وحسن منهجه، ولعل تلك الرسالة اتقن ما في هذا الباب، ثم قال البروفسور: إنّ لصدر المتألّهين مصنّفات أشهرها الأسفار الأربعة والشواهد الربوبية، وقد توهّم الكاتب «كنت كوبينو» وتخيّل أنّ الأسفار جمع السفر ـبالفتحـ مع أنّ جمع السفر ـبالسكونـ بمعنى الكتاب».

ولا شك أنّ الكاتب (ادوارد براون) من أهل الفضل والتتبّع، وقد أثنى عليه العلاّمة القزويني في مقال نشره عام 1344هـ الذي توفّـي فيه البروفسور.

وممّا جاء في هذا المقال: انّه أحد كبار المستشرقين، ممّن تحمّل جهوداً كبيرة في الإحاطة بعلوم الشرق ولغاته، بحيث أحاط ب آداب اللغة الفارسية وأتقنها غاية الإتقان، ولم يسبقه أحد في هذا الباب، وكان يحب بلادنا من صميم قلبه.

وقد أثنى الأُستاذ القزويني على قرين البروفسور وزميله، أعني: «كنت


( 21 )

كوبينو» وقال: كان من حملة الأقلام وانّ له كتاباً في التاريخ والمذاهب والعلوم الفلسفية والاجتماعية، غادر موطنه قاصداً إيران وأقام في عاصمتها «طهران»، من سنة 1278هـ إلى 1280هـ، حاملاً سمة الوزارة من دولة فرنسا».

ومع هذا الإطراء والثناء، يجد لهم القارئ الخبير في كلامهما زلاّت لا تستقال، وعثرات في ضبط تاريخ الشرق وآدابه وفلسفته، وقد وافاك انّ «كنت كوبينو» عرّف شيخنا المؤسس الشيرازي بأنّه من المشائيين، وجاء بعده البروفسور «ادوارد» ناقماً عليه بأنّه من الإشراقيين مستشهداً بما نقله عن الروضات.

وقد خفى على الرجلين، أنّ الحكيم الإسلامي، صدر المتألّهين، ليس بمشائي ولا إشراقي، بل له نهج جديد وأساس حديث، لا يعرج في أبحاثه على أحد من المسلكين ولا يعتمد في أنظاره على واحد من المنهجين، بل يستنتج على ضوء البرهان سواء وافق رأي المشائيين أم الإشراقيين أم خالفهما.

وتشاجرهما في معنى «الأسفار» أهو بمعنى السفر بالفتح أو بالسكون أوضح دليل على عدم إلمامهما بحقيقة تلك الحكمة المتعالية، وانّ الرادّ والمردود عليه، لم يلاحظا أوائل تلك الصحيفة المكرمة فإنّ شيخنا المؤسس الشيرازي صرّح في كتابه بأنّ الأسفار ليس بمعنى السفر ولا الكتاب.

ولا غرو فإنّ الكاتب «كنت كوبينو» تلقّى ما تلقّاه من الفلسفة الإسلامية عن يهودي يدعى بـ «ملاّ لاله زار» وكان قاصراً في كل شيء حتى في فنّه اللصيق به.

وإن تعجب فعجب قول ذلك المستشرق بأنّ السيّد الداماد (ذلك


( 22 )

المحقّق الحكيم المتضلّع) كان رجلاً جدلياً وأنّ صدر الدين (ذلك الحكيم المؤسّس) تتلمذ عليه ولم يزل يختلف على أندية دروسه حتى طار صيته بالفصاحة والبلاغة.

وهو حقاً أمر مضحك، فأيّة رابطة ومناسبة بين تتلمذ شيخنا المؤسّس على أُستاذه الحكيم الداماد في العلوم الفلسفية، واشتهاره بالفصاحة والبلاغة وأيّ تلازم بين مقدمته ونتيجته، وأنت إذا حاولت أن تستقصي ما للمستشرقين من الزلاّت لزم عليك تأليف مجلّدات ضخمة، وليست هذه الزلاّت غريبة منهم، فإنّهم بعيدون عن الشرق والشرقي وسجاياه وخباياه وزواياه.

ولا يترقّب ذو مسكة من أجنبي لم يتفيّأ ظل البيئة الإسلامية ولم يألف سمعه جرس هذه العلوم ونغمتها، أن يقضي قضاءً صحيحاً في العلوم الشرقية ويأتي بصورة صحيحة من تراجم مفاخر الشرق وأكابره.

ولعمر الحق أنّ الأُمّة الحية تسعى بكل وسيلة في تعريف نفسها ولا تجعل عبء اشتهارها على عاتق غيرها حتى يختلط الحابل بالنابل (1) وتسعى بكل قدرتها لاسماع أُذن الدنيا صوت حضارتها وحسن نضارتها.

إنّ من الواجبات الاجتماعية على أيّة أُمّة استيقظت بعد طول سبات، وتقدّمت في معترك الحياة، أن تتحمّل الأعباء الباهضة في عرض علومها وآدابها على من سواها من دون أن تترقّب من أجنبي ذلك، فإنّه: ما حكّ ظهري مثل ظفري (2)، والأجانب بعد أجانب، غرباء عن علومنا وآدابنا وأخلاقنا لم يتفيأوا في بلادنا ولم يمارسوا علومنا ودروسنا ولم يحفظوا إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

1-مثل يضرب.

2-مثل سائر.


( 23 )

ألفاظاً عابرة.

ولو جرّد المستشرق نفسه من النزعات القومية والأهواء النفسية، لما توفق إلاّ ما قل للقضاء الصحيح والحكم العادل، ولما نجا من الأغلاط والاشتباهات في أوضح الأُمور حتى في بيان الأُمور العادية والمراسم الدارجة فضلاً عمّـا يحتاج إلى التخصّص الفني والتدرب الكامل كالفلسفة والأخلاق.

ولا تجعل ذلك تعييراً منّا في أفهامهم وادراكاتهم فإنّ لهم الفضل الأوفر والسهم الأكبر فيما يرجع إلى معارفهم، غير أنّ زلتهم في ترجمة علومنا إنّما هي لأجل بعدهم عن بيئات الشرق ولغاته وتراكيبه، وعدم تألفهم بالاصطلاحات الخاصة بالفنون الرائجة فيها، أضف إليه ما فيها من العبارات الوجيزة تشاربها إلى المقاصد الدقيقة والمغازي العميقة، وما فيها من كنايات ترمى بها إلى مقاصد خفية، وههنا شواهد على غفلاتهم في بيانبعض الكنايات الدارجة في الألسن الشرقية، طوينا عن ذكرها كشحاً.

حول القرنين:

أصبح القرن الحادي عشر الهجري والسادس عشر الميلادي عصراً ذهبياً وأصبحت الإنسانية تسير فيه سيراً حثيثاً إلى معرفة الحقائق وتمييزها عن الأوهام، ولا أحسب أن يعد من المغالات في القول إذا قلنا: إنّه عصر النور والشعور، تجلّت فيه الحقائق وظهرت البواطن وقام في زوايا الآفاق رجال الفحص والتنقيب.


( 24 )

وفي الوقت الذي قام سيدنا صدر المتألّهين بأعباء الحكمة النظرية طلعت طلائع المدنية الحديثة الغربية، بسعي رجل العلم والتفكير العلاّمة الشهير «ديكارت» الفرنسي حيث هجر التقليد وأخذ بالتحقيق والبرهنة على أوضح الأُمور إلى أخفاها، فجاء بنغمة جديدة في تحليل المسائل وحل المجهولات، ووقف قلمه وتفكيره على تحقيق المسائل العلمية والفلسفية منعزلاً عن ملاذ الحياة والشهوات.

وقد كانت مقدمات هذه النهضة متهيّأة قبل قرون فجاء العلاّمة «ديكارت» وبنى أفكاره على تلك الأُسس، وصارت أفكاره كالحجر الأساسي للتمدّن الحديث الغربي، والمخترعات البديعة، والفنون الدقيقة، وعلى اثر ذلك صارت العلوم مشتملة على قواعد وطيدة وأُصول جديدة، وأوجد ذلك الباحث الكبير ضجة كبرى في كيفية البحث والبرهنة، وقد اقتفى أثره جهابذة عصره، ومن جاء بعده حذا حذوه.

والحق أنّ هذا القرن من القرون الميمونة الذي فتح أمام البشر أبواب العلوم والصنائع والفنون، وأحدث خططاً جديدة علمية وفلسفية في الشرق.

كان زعيم هذه النهضة في الشرق سيدنا الصدر الشيرازي فأحدث منهجاً خاصاً وبحث عن مسائل منسية أو غير معنونة، وكان قائدها في الغرب هو العلاّمة «ديكارت» فقام بتكميل الفلسفة الدارجة في الغرب طول القرون الوسطى، وتهذيبها بحيث صارت الفلسفة الغربية بعده ذات خطة خاصة، فأدخل فيها مسائل أصلية غير معروفة في الفلسفة الاغريقية، نعمإنّه حذف بعض ما كان له المكانة الكبرى في الفلسفة الإسلامية واليونانية.

 


الصفحة السابقة  طباعة الصفحة  الصفحة الرئيسية  الصفحة التالية