الصفحة السابقة الصفحة التالية

[ 289 ]

ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا، وكيف استحق ذلك. ومن زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان، أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة، فقد أخطأ لأن الأنبياء لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك، ووسوسة الشيطان. ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم، حتى يختلط عليهم طريق الإفهام. (قال رب اجعل لئ اية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار [ 41 ]). الاعراب: في وزن آية فيه ثلاثة أقوال أحدها: فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين، مع كون اللام حرف علة، وإنما القياس في مثله إعلال اللام نحو حياة ونواة، ونظيرها راية وغاية وطاية والثاني: فعلة وتقديره أيية، إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو طائي من طي والثالث: فاعلة منقوصة. قال علي بن عيسى: وهذا ضعيف لأن تصغيرها أيية، ولو كانت فاعلة لقالوا أويية، إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة. والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد. والأول أغلب. وقال جوبة بن عابد: * كأن تكلم الأبطال رمزا، * وغمغمة لهم مثل الهرير (1) * والعشي: من حين زوال الشمس إلى غروبها، في قول مجاهد. قال الشاعر: * فلا الظل من برد الضحى يستطيعه، * ولا الفئ من برد العشي يذوق * والعشاء: من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل. والعشاء: طعام العشي. والعشا مقصورا: ضعف العين. وأصل الباب: الظلمة. والإبكار: من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وأصله: التعجيل بالشئ، يقال: أبكر بكورا، ومنه ا لباكورة. المعنى: ثم سأل الله تعالى زكريا علامة يعرف بها وقت حمل امرأته، ليزيد في العبادة شكرا. وقيل: ليتعجل السرور به، عن الحسن ف‍ (قال رب اجعل لي آية)

________________________________________

(1) الغمغمة: صوت الأبطال عند القتال. الهرير: صوت الكلب دون النباح. (*)

[ 290 ]

أي: علامة لوقت الحمل والولد. فجعل الله تعالى تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدئت فيه بقوله: (قال آيتك) أي: قال الله. ويحتمل أن يكون المراد قال جبرائيل آيتك أي: علامتك (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) أي: إيماء، عن قتادة. وقيل: الرمز تحريك الشفتين، عن مجاهد. وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا، عن عطا (1). (واذكر ربك كثيرا) أي: في هذه الأيام الثلاثة ومعناه: إنه لما منع من الكلام، عرف أنه لم يمنع من الذكر لله تعالى، والتسبيح له، وذلك أبلغ في الإعجاز. (وسبح) أي: نزه الله. وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صل كما يقال: فرغت من سبحتي أي: صلاتي. (بالعشي والإبكار) في آخر النهار وأوله. (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين [ 42 ] يا مريم اقنتي لربك واركعى مع الراكعين [ 43 ]). المعنى: قدم تعالى ذكر امرأة عمران، وفضل بنتها على الجملة. ثم ذكر تفصيل تلك الجملة فقال: (وإذ قالت الملائكة) إذ هذه معطوفة على (إذ) في قوله: (إذ قالت امرأة عمران) أو يكون معناه: اذكر إذ قالت الملائكة. وقيل: يعني جبريل وحده (يا مريم إن الله اصطفاك) أي: اختارك وألطف لك، حتى تفرغت لعبادته، واتباع مرضاته. وقيل: معناه اصطفاك لولادة المسيح، عن الزجاج (وطهرك) بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن ألمعصية، عن الحسن وسعيد بن جبير. وقيل: طهرك من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء من الحيض والنفاس، حتى صرت صالحة لخدمة المسجد، عن الزجاج. وقيل: طهرك من الأخلاق الذميمة، والطبائع الردية (واصطفاك على نساء العالمين) أي: على نساء عالمي زمانك، لأن فاطمة بنت رسول الله، صتى الله عليها، وعلى أبيها، وبعلها وبنيها، سيدة نساء العالمين، وهو قول أبي جعفر " عليه السلام ". وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين ". وقال أبو جعفر: معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء، وطهرك من السفاح. اصطفاك لولادة

________________________________________

(1) الظاهر أن التفسير الأخير أوجه بدليل قوله تعالى حكاية عن مريم: (إني نذرت للرحمن صوما) (فأشارت إليه) (سورة مريم، الآيتان: 26 - 29). (*)

[ 291 ]

عيسى " عليه السلام " من غير فحل. وخرج بهذا من أن يكون تكريرا، إذ يكون الإصطفاء على معنيين مختلفين. (يا مريم اقنتي لربك) أي: اعبديه وأخلصي له العبادة، عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه أديمي الطاعة له، عن قتادة. وقيل: أطيلي القيام في الصلاة، عن مجاهد (واسجدي واركعي مع الراكعين) أي: كما يعمل الساجدون والراكعون، لا أن يكون ذلك أمرا لها بأن تعمل السجود والركوع معهم في الجماعة. وقدم السجود على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب، فإنها في الأشياء المتغايرة نظيرة التثنية في المتماثلة. وإنما توجب الجمع والإشتراك. وقيل: معناه واسجدي لله شكرا، واركعي أي: وصلي مع المصلين. وقيل: معناه صلي في الجماعة، عن الجبائي. (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [ 44 ]). اللغة: الأنباء: الأخبار. الواحد نبأ. والإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه يخفى. والإيحاء: الإرسال إلى الأنبياء، تقول: أوحى الله إليه اي: أرسل إليه ملكا. والإيحاء: الإلهام، ومنه قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل)، وقوله (بأن ربك أوحى لها) معناه: ألقى إليها معنى ما أراد منها. قال العجاج: * أوحى لها القرار فاستقرت، * وشدها بالراسيات الثبت * والإيحاء: الإيمان. قال: " فأوحت إلينا والأنامل رسلها " ومنه قوله تعالى: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي: أشار إليهم. والوحي: الكتابة. قال رؤية: " لقدر كان وحاه الواحي " وقال: (في سور من ربنا موحية). والقلم: الذي يكتب به. والقلم: الذي يجال بين القوم كل إنسان وقلمه وهو القدح والقلم: قص الظفر. ومقالم الرمح كعوبه. وأصله: قطع طرف الشئ. الاعراب: قال أبو علي: إذ في قوله (إذ يلقون) متعلق بكنت. و (إذ) في قوله (إذ قالت الملائكة) بعد (يختصمون) متعلق بيختصمون. ويجوز أيضا أن يكون متعلقا بكنت، كأنه قال: وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة. وهذا إنما يجوز عندي إذا قدرت (إذ) الثانية بدلا من الأولى. فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز،

[ 292 ]

وإنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى. المعنى: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم وزكريا ويحيى (من انباء الغيب) أي: من أخبار ما غاب عنك، وعن قومك (نوحيه إليك) أي: نلقيه عليك معجزة وتذكيرا، وتبصرة وموعظة وعبرة. ووجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الإنسان، يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب، أو التعلم، أو الوحي. والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يشاهد هذه القصص، ولا قرأها من الكتب، ولا تعلمها. إذ كان نشؤه بين أهل مكة، ولم يكونوا أهل كتاب. فوضح الله أن أوحى إليه بها. وفي ذلك صحة نبوته. (وما كنت) يا محمد (لديهم) عندهم (إذ يلقون أقلامهم) التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، على ما تقدم ذكره قبل. وقيل أقلامهم: أقداحهم للإقتراع، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة (أيهم يكفل مريم) وفيه حذف أي: لينظروا أيهم تظهر قرعته، ليكفل مريم. وهذا تعجيب من الله نبئه " صلى الله عليه وآله وسلم " من شدة حرصهم على كفالة مريم، والقيام بأمرها، عن قتادة. وقيل: هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها، لشدة الأزمة التي لحقتهم، حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا. (وما كنت لديهم إذ يختصمون) فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة. وفي وقت التشاح قولان أحدهما: حين ولادتها، وحمل أمها إياها إلى الكنيسة، تشاحوا في الذي يحضنها، ويكفل تربيتها، وهذا قول الأكثر. وقال بعضهم: كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها. وفي هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق. وقد قال الصادق " عليه السلام ": ما تقارع قوم، ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى، إلا خرج سهم المحق. وقال: أي قضية أعدل من القرعة، إذا فوض الأمر إلى الله تعالى، يقول: (فساهم فكان من المدحضين). وقال الباقر: أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران، ثم تلا (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم) الآية. والسهام ستة ثم استهموا في يونس، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين، فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه، فلما ولد له عبد الله لم

[ 293 ]

يقدر أن يذبحه ورسول الله في صلبه، فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها، وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله. فزاد عشرا فلم تزل السهام تخرج على عبد الله، ويزيد عشرا. فلما أن أخرجت مائة خرجت السهام على الإبل. فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي بها، فنحرها. (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين [ 45 ] ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين [ 46 ]). القراءة: ذكرنا القراءة في (يبشرك) والقول فيه. اللغة: المسيح: فعيل بمعنى مفعول، وأصله أنه مسح من الأقذار وطهر. والمسيح أيضا: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، ولذلك سمي الدجال به. وقيل: المسيح عيسى بفتح الميم والتخفيف، وهو الصديق. والمسيح: بكسر الميم وتشديد السين نحو الشرير: الدجال، عن إبراهيم النخعي. وأنكره غيره. قال الشاعر: (إذ المسيح يقتل المسيحا ". والوجيه: الكريم على من يسأله، فلا يرده لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه لمسألة، فيرد. يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة وله وجاهة عند الناس وجاه أي: منزلة رفيعة. والكهل: ما بين الشاب والشيخ، ومنه اكتهل النبت: إذا طال وقوي. والمرأة: كهلة. قال الشاعر: * ولا أعود بعدها كريا * أمارس الكهلة، والصبيا (1) * ومنه الكاهل: مأ فوق الظهر إلى ما يلي العنق. وقيل: الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة. الاعراب: وجيها: منصوب على الحال. المعنى: يبشرك الله بهذا الولد

________________________________________

(1) الكرى: ا لمكاري. (*)

[ 294 ]

وجيها. (ويكلم): في موضع النصب أيضا على الحال، عطفا على (وجيها). وجائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضعارعة يفعل فاعلا قال الشاعر: * بات يغشيها بعصب باتر * يقصد في أسوقها وجائر (1) * أي: قاصد أسوقها وجائر. (وكهلا): حال من (يكلم). المعنى: (إذ قالت الملائكة) قال ابن عباس: يريد جبرائيل (يا مريم إن الله يبشرك) يخبرك بما يسرك (بكلمة منه) فيه قولان أحدهما: إنه المسيح سماه كلمة، عن ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين. وإنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله: (كن فيكون) يدل عليه قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه) الآية. وقيل: سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة، كما يقول الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره: قد جاء كلامي. فمما جاء من البشارة به في التوراة: (أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران " وساعير: هو الموضع الذي بعث منه المسيح. وقيل: لأن الله يهدي به، كما يهدي بكلمته والقول الثاني: إن الكلمة بمعنى البشارة، كأنه قال ببشارة منه ولد (اسمه المسيج) فالأول أقوى، ويؤيده قوله: (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه). وإنما ذكر الضمير في (اسمه) وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فذهب إلى المعنى. واختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، عن الحسن وقتادة وسعيد. وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب. وقيل: لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه، وكانت الأنبياء تمسح به، عن الجبائي. وقيل: لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته، ليكون عوذة من الشيطان. وقيل: لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله. وقيل: لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر، عن الكلبي. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برئ، عن ابن عباس في رواية عطا والضحاك. وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية (مشيحا) فعربته العرب. (عيسى ابن مريم) نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله (وجيها) ذا جاه وقدر، وشرف (في الدنيا والآخرة ومن المقربين) إلى ثواب الله وكرامته.

________________________________________

(1) عضب باتر أي: سيف قاطع. (*)

[ 295 ]

(ويكلم الناس في المهد) أي: صغيرا. والمهد: الموضع الذي يمهد لنوم الصبي، ويعني بكلامه (في المهد) قوله: (إني عبد الله آتاني الكتاب) الآية. ووجه كلامه (في المهد) أنه تبرئة لأمه مما قذفت به، وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه. (وكهلا) أي: ويكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله، أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة. وفي ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر. وقيل: إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال، لأن ذلك مناف لصفة الإله (ومن الصالحين) أي: ومن النبيين مثل إبراهيم وموسى. وقيل: إن المراد بالآية (ويكلمهم في المهد) دعاء إلى الله، وكهلا بعد نزوله من السماء، ليقتل الدجال، وذلك لأنه رفع إلى السماء، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وذلك قبل الكهولة، عن زيد بن أسلم. وفي ظهور المعجزة في المهد قولان أحدهما: إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح، لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال، وجعله نبيا، وأوحى إليه بما تكلم به، عن الجبائي. وقيل: كان ذلك على التأسيس والإرهاص (1) لنبوته، عن ابن الأخشيد. ويجوز عندنا الوجهان. ويجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها، وبراءة ساحتها، إذ لا مانع من ذلك، وقد دلت الأدلة الواضحة على جوازه. وإنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد، مع كونه آية ومعجزة، لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم، لأنه قال: (إني عبد الله) وهذا ينافي قولهم إنه ابن الله. فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك. (قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ 47 ]). الاعراب: (فيكون): هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع، لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو (كن) لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو: ائتني فأكرمك، وقم فأقوم معك. ولا يجوز قم فيقوم، لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم. وهذا لا معنى له، ولكن الوجه الرفع عذ الإخبار بأنه سيقوم. ويجوز في قوله: أن

________________________________________

(1) الإرهاص: الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة. (*)

[ 296 ]

يقول له كن فيكون: النصب عطفا على (يقول). المعنى: (قالت) مريم يا (رب أنى يكون) أي: كيف يكون (لي ولد ولم يمسسني بشر) لم تقل ذلك استبعادا واستنكارا، بل إنما قالت استفهاما واستعظاما لقدرة الله، لأن في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد. وقيل: إنما قالت ذلك لتعلم أن الله تعالى يرزقها الولد، وهي على حالتها، لم يمسها بشر، أو يقر لها زوجا. ثم يرزقها الولد على مجرى العادة. (قال كذلك الله يخلق ما يشاء) أي: يخلق ما يشاء مثل ذلك، وهو حكاية ما قال لها الملك أي: يرزقك الولد وأنت على هذه الحالة، لم يمسك بشر (إذا قضى أمرا) أي: خلق أمرا. وقيل: إذا قدر أمرا (فإنما يقول له كن فيكون) وقيل في معناه قولان أحدهما: إنه إخبار بسرعة حصول مراد الله في كل شئ أراد حصوله من غير مهلة، ولا معاناة، ولا تكلف سبب، ولا أداة. وإنما كنى بهذا اللفظ، لأنه لا يدخل في وهم العباد شئ أسرع من كن فيكون والآخر: إن هذه الكلمة، كلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه وايجاده، لما فيه من المصلحة والإعتبار. وإنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا، ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور، في أنه لا كلفة فيه على الآمر. (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [ 48 ] ورسولا إلى بنى إسرآءيل أنى قد جئتكم بأية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين [ 49 ]). عد أهل الكوفة التوراة والإنجيل آية، ولم يعدوا بني إسرائيل لتنكر الإستئناف بأن المفتوحة. وعد غيرهم بني إسرائيل، ولم يعدوا الإنجيل. طلبوا تمام صفة المسيح، لأن تقديره ومعلما ورسولا. القراءة: قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل: (ويعلمه) بالياء. والباقون

[ 297 ]

بالنون. وقرأ نافع: (إني أخلق) بكسر الالف. والباقون: (أني) بالفتح. وقرأ أهل المدينة ويعقوب: (طائرا) ومثله في المائدة. وأبو جعفر: (كهيئة الطائر) فيهما. والباقون: (طيرا) بغير ألف. الحجة: من قرأ (ويعلمه): عطفه على قوله (إن الله يبشرك). ومن قرأ (ونعلمه): جعله على نحو (نحن قدرنا بينكم الموت). ومن فتح (أني أخلق): جعلها بدلا من آية كأنه قال وجئتكم بأني أخلق لكم. ومن كسر احتمل وجهين أحدهما: الاستئناف، وقطع الكلام مما قبله والآخر أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، كما فسر الوعد في قوله: (وعد الله الذين آمنوا) بقوله: (لهم مغفرة). وفسر المثل في قوله (كمثل آدم) بقوله (خلقه من تراب). وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كمن فتح وأبدل من آية. ومن قرأ (طائرا): أراد فيكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه طائرا فأفرد لذلك فسر أو أراد يكون كل واحد من ذلك طائرا، كما قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) أي: إجلدوا كل واحد منهم. اللغة: الحكمة والحكم بمعنى. ونظيره الذلة والذل. والطين: معروف. وطنت الكتاب: جعلت عليه طينا لأختمه به. وطينت البيت تطيينا. والهيئة: الحال الظاهرة. هاء فلان بهاء هيئة. والنفخ: معروف، نفخ ينفخ نفخا. والنفاخة للماء. والكمه العمى، قال سويد بن أبي كاهل: * كمهت عيناه حتى ابيضتا، * فهو يلحى نفسه لما نزع (1) * والإدخار: الإفتعال من الدخر. وجوز النحويون تذخرون بالذال. الاعراب: موضع (يعلمه): يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على (وجيها)، ويحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب، لأنه عطف على جملة لا موضع لها من الإعراب، وهي قوله: (كذلك الله يخلق ما يشاء). وقيل: هو عطف على نوحيه إليك، وهذا لا يجوز لأنها تخرج من معنى البشارة لمريم. (ورسولا) نصب على تقدير ونجعله رسولا، فحذف لدلالة البشارة عليه. ويجوز أن يكون نصبا على الحال عطفا على (وجيها)، لا إنه في ذلك الوقت يكون رسولا، بل بمعنى أنه يرسل رسولا. وقال الزجاج: المعنى يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم. ولو قرأت بالكسر:

________________________________________

(1) يلحى نفسه أي: يلومها. لما نزع يعني: لما ترك. (*)

[ 298 ]

إني قد جئتكم، لكان صوابا. والمعنى: يقول إني قد جئتكم. وموضع (أني أخلق لكم): يحتمل أن يكون خفضا ورفعا، فالخفض على البدل من (آية)، والرفع على ما ذكرناه قبل. و (بما تأكلون): جائز أن يكون (ما) هنا بمعنى الذي أي: بما تأكلونه وتدخرونه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي: أنبئكم بأكلكم وادخاركم. وا لأول أجود. المعنى: (ويعلمه الكتاب) أراد الكتابة، عن ابن جريج. قال: أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط، وسائر الناس جزء. وقيل: أراد به بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل، مثل الزبور وغيره، عن أبي علي الجبائي، وهو أليق بالظاهر. (والحكمة) أي: الفقه، وعلم الحلال والحرام، عن ابن عباس، كما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " أوتيت القرآن ومثليه ". قالوا: أراد به السنن. وقيل: أراد بذلك جميع ما علمه من أصول الدين. (والتوراة والإنجيل) إن قيل: لم أفردهما بالذكر مع دخولهما في الحكمة ؟ قيل: تنبيها عن جلالة موقعهما، كقوله: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال). وقطع هاهنا قصة مريم وولادتها، ويأتي تمام قصتها في سورة مريم، وابتدأ بقصة عيسى فقال: (ورسولا إلى بني إسرائيل) وقد ذكرنا تقديره ومعناه يدور عليه (أني قد جئتكم) أي: قال لهم وكلمهم لما بعث إليهم بأني قد جئتكم (بآية) أي: بدلالة وحجة (من ربكم) دالة على نبوتي. ثم حذف الباء فوصل الفعل (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) معناه: وهذه الآية أني أقدر لكم، وأصور لكم من الطين مثل صورة الطير. (فأنفخ فيه) أي: في الطير المقدر من الطين. وقال في موضع آخر: (فيها) أي: في الهيئة المقدرة (فيكون طيرا بإذن الله) وقدرته. وقيل: بأمر الله تعالى. وإنما وصل قوله: (بإذن الله) بقوله: (فيكون طيرا) دون ما قبله، لأن تصور الطين على هيئة الطير، والنفخ فيه، مما يدخل تحت مقدور العباد. فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما ودما، وخلق الحياة فيه، فمما لا يقدر عليه غير الله، فقال: (بإذن الله) ليعلم أنه من فعله تعالى، وليس بفعل عيسى. وفي التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش، ونفخ فيه فصار طائرا (وأبرئ الاكمه) أي: الذي ولد أعمى، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: هو الأعمى، عن الحسن والسدي.

[ 299 ]

(والأبرص) الذي به وضح. وقال وهب: وربما اجتمع على عيسى من المرض في اليوم خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. (وأحيي الموتى بإذن الله) إنما أضاف الإحياء إلى نفسه، على وجه المجاز والتوسع، ولأن الله تعالى كان يحيي الموتى عند دعائه. وقيل: إنه أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقا له، وكان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل، أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم بأني أحيي الموتى، فأحي عازر (1) ! فخرج من قبره، وبقي وولد له. وابن العجوز مر به ميتا على سريره، فدعا الله عيسى " عليه السلام "، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، ورجع إلى أهله، وبقي وولد له. وابنة العاشر قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس ؟ فدعا الله فعاشت، وبقيت، وولدت. وسام بن نوح: دعا عليه باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة ؟ قال: لا، ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان، لأن سام بن نوح قد عاش خمس مائة سنة، وهو شاب. ثم قال له: مت. قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. وقال الكلبي: كان يحيي الأموات بيا حي يا قوم، وإنما خص عيسى " عليه السلام " بهذه المعجزات، لأن الغالب كان في زمانه الطب، فأراهم الله الآيات من جنس ما هم عليه، لتكون المعجزة أظهر، كما أن الغالب لما كان في زمن موسى السحر، أتاهم من جنس ذلك بما أعجزهم عن الإتيان بمثله. وكان الغالب في زمان نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " البيان والبلاغة والفصاحة، فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم، وغرائب البيان، ليكون أبلغ في باب الإعجاز بان يأتي كلا من أمم الأنبياء بمثل ما هم عليه، ويعجزون عن الإتيان بمثله. إذ لو أتاهم بما لا يعرفونه، لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر، غير أنهم لا يهتدون إليه.

________________________________________

(1) [ قال: فقام عازر ]. (*)

[ 300 ]

(وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) أي: أخبركم بالذي تأكلونه وتدخرونه، كأن يقول للرجل تغديت بكذا وكذا، ورفعت إلى الليل (1) كذا وكذا (إن في ذلك) أي: فيما ذكرت لكم (لآية) أي: حجة، ومعجزة، ودلالة (لكم إن كنتم مؤمنين) بالله إذ كان لا يصح العلم بمدلول المعجزة، إلا لمن آمن بالله، لأن العلم بالمرسل لا بد أن يكون قبل العلم بالرسول. وفي الآية دلالة على أن عيسى " عليه السلام " كان مبعوثا إلى جميع بني إسرائيل. وقوله: (أني أخلق لكم) يدل على أن العبد يحدث ويفعل ويخلق، خلافا لقول المجبرة، لكن الخالق على الإطلاق، هو الله تعالى. (ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجئتم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون [ 50 ] إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم [ 51 ]). اللغة: الفرق بين التصديق والتقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما تبرهن عند صاحبه. والتقليد قد يكون فيما لا يتبرهن. ولهذا لا نكون مقلدين للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإن كنا مصدقين له. والإحلال: هو الإطلاق للفعل بتحسينه. والتحريم: هو حظر الفعل بتقبيحه. والإستقامة: خلاف الإعوجاج. الاعراب: (مصدقا): نصب على الحال وتقديره: وجئتكم مصدقا. لأن أول الكلام يدل عليه، ونظيره جئته بما يحب ومعرفا له، ولا يكون عطفا، لا على (وجيها) ولا (رسولا) لقوله: (لما بين يدي)، ولم يقل لما بين يديه. وقال أبو عبيدة: أراد بقوله: (بعض الذي حرم) كل الذي حرم، ويستشهد بقول لبيد: * تراك أمكنة إذا لم أرضها، * أو يعتلق بعض النفوس حمامها (2) * قال: معناه أو تعتلق كل النفوس. وأنكر الزجاج ذلك، وقال: معناه أوتعتلق نفسي حمامها. وخطأ أبا عبيدة من وجهين أحدهما: إن البعض لا يكون بمعنى الكل

________________________________________

(1) وفي بعض النسخ المخطوطة: " ودفعت إلى البيت " مكان: " ورفعت إلى الليل ". (2) أو يعتلق بمعنى: إلى أن يعتلق. الحمام: الموت. (*)

[ 301 ]

والثاني: إنه لا يجوز تحليل جميع المحرمات، لأنه يدخل الكذب والظلم والقتل في ذلك. المعنى: (ومصدقا لما بين يدي) أي: لما أنزل (1) قبلي (من التوراة)، وما فيه البشارة بي ومن أرسل قبلي من الأنبياء (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) هذا معطوف على معنى قوله (مصدقا) وتقديره: ولأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم، كما تقول: جئته معتذرا ولأجتلب عطفه. وقيل: إن الذي أحل لهم لحوم الإبل، والشروب (2)، وبعض الطيور والحيتان، مما كان قد حرم على بني إسرائيل، عن قتادة والربيع وابن جريج ووهب. وقيل: أحل لكم السبت، عن الكلبي. (وجئتكم بآية من ربكم) أي: بحجة تشهد بصدقي (فاتقوا الله) في مخالفتي، وتكذيبي. (وأطيعوني) كما أمركم الله به (إن الله ربي وربكم) أي: مالكي ومالككم. وإنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم (المسيح ابن الله) والمعنى لا تنسبوني إليه، فأنا عبده كما أنكم عبيد له (فاعبدوه) وحده (هذا صراط مستقيم) أي: دين الله أي: عبادته دين مستقيم. وقد استوفينا الكلام في الرب، وفي الصراط المستقيم، في سورة الحمد. (فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون [ 52 ] ربنا ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين [ 53 ] ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ 54 ]). اللغة: الإحساس: الإدراك بالحاسة. والحس: القتل لأنه يحس بألمه. والحس: العطف لإحساس الرقة على صاحبه. والأنصار: جمع نصير كالأشراف جمع شريف. وأصل الحواري: الحور وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه. قال الحرث بن حلزة:

________________________________________

(1) [ من ]. (2) وفي التبيان " الثروب " بالثاء المثلثة بدل الشين، وهو الظاهر. والثرب: الشحم الرقيق الذي على الكرش والأمعاء. (*)

[ 302 ]

* فقل للحواريات يبكين غيرنا، * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح * يعني النساء لبياضهن. والشاهد: هو المخبر بالشئ عن مشاهدة هذا حقيقة. وقد يتصرف فيه فيقال: البرهان شاهد بحق أي: هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة. ويقال: هذا شاهد أي: معد للشهادة. والمكر: الإتلاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر لاتلافه. والممكورة من النساء: الملتفة الخلق. وحد المكر حب يختدع به العبد لإيقاعه في الضر. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد. والمكر: حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق (1). الاعراب: قيل: إن إلى بمعنى مع كقولهم: الذود إلى الذود إبل أي: مع الذود (2). قال الزجاج: لا يجوز أن يقال إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر، وإنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى، لا أن (إلى) بمعنى مع. لو قلت: ذهب زيد إلى عمرو، لم يجز أن يقول: ذهب زيد مع عمرو، لأن إلى: غاية، ومع: يضم الشئ إلى الشئ. والحروف قد تتقارب في الفائدة، فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل). ولو كانت (على) هاهنا. لأدت هذه الفائدة. وأصل (في) إنما هو للوعاء. وأصل (على) لما علا الشئ. فقولك: التمر في الجواب، لو قلت على الجواب، لم يصح ذلك. ولكن جاز (في جذوع النخل) لأن الجذع مشتمل على المصلوب، لأنه قد أخذه من أقطاره. ولو قلت: زيد على الجبل، أو في الجبل يصلح، لأن الجبل قد اشتمل على زيد. فعلى هذا مجاز هذه الحروف. المعنى: (فلما أحس) أي: وجد. وقيل: أبصر ورأى. وقيل: علم (عيسى منهم الكفر) وأنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات والمعجزات، امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال والتعريف عما في اعتقادهم من نصرته ف‍ (قال أنصاري إلى الله) وقيل: إنه لما عرف منهم العزم على قتله قال: من

________________________________________

(1) الوهق: حبل في طرفه عقدة يجعل في عنق الدابة. (2) الذود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وهذا مثل معناه: إذا ضم القليل إلى القليل، يصير المجموع كثيرا. (*)

[ 303 ]

أنصاري إلى الله، وفيه أقوال أحدها: إن معناه من أعوان على هؤلاء الكفار، مع معونة الله، عن السدي وابن جريج والثاني: إن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله، عن الحسن، لأنه دعاهم إلى سبيل الله والثالث: إن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي: إلى نيل ثوابه، كقوله: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني). ومما يسأل على هذا: إن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب، فلم استنصر عليهم ؟ فيقال لهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، عن الحسن ومجاهد. وقيل أيضا: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة، ولتميز الموافق من المخالف (قال الحواريون) واختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال أولها: إنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم، عن سعيد بن جبير وثانيها: إنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأه وثالثها: إنهم كانوا صيادين يصيدون السمك، عن ابن عباس والسدي. ورابعها: إنهم كانوا خاصة الأنبياء، عن قتادة والضحاك، وهذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الإسم، كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم، كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير. ويروى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي ". وقال الحسن: الحواري الناصر. والحواريون: الأنصار. وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى، وكانوا اثني عشر رجلا. وقال عبد الله بن المبارك: سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين، عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، كما قال تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود). (نحن أنصار الله) معناه: نحن أعوان الله على الكافرين من قومك، أي: أعوان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأعوان دين الله (آمنا بالله) أي: صدقنا بالله أنه واحد لا شريك له (واشهد) يا عيسى (بأنا مسلمون) أي: كن لنا شهيدا عند الله. أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة، كما قال تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) (ربنا) أي: يا ربنا (آمنا بما أنزلت) على عيسى (واتبعنا الرسول) أي: اتبعناه. (فاكتبنا مع الشاهدين) أي: في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت، لنفوز بما فازوا به، وننال ما نالوا من كرامتك. وقيل: معناه واجعلنا مع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته،

[ 304 ]

عن ابن عباس. وقد سماهم الله شهداء بقوله (لتكونوا شهداء على الناس) أي: من الشاهدين بالحق من عندك. هذا كله حكاية قول الحواريين. وروي أنهم اتبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله ! جعنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما. وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله ! عطشنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منا، إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك واتبعناك ؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالكراء. وقوله: (ومكروا) يعني: كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر) الأية ومعناه: دبروا لقتل عيسى " عليه السلام " (ومكر الله) أي: جازاهم على مكرهم. وسمى المجازاة على المكر مكرا، كما قال الله تعالى: (الله يستهزئ بهم) وجاء في التفسير: إن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطأوا على الفتك به، فذلك مكرهم به، ومكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى، حتى قتل وصلب، ورفع عيسى إلى السماء. وقال ابن عباس: لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى " عليه السلام "، دخل خوخته، وفيها كوة. فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء، وقال الملك لرجل منهم خبيث: أدخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى. وقال وهب: أسروه، ونصبوا له خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة، فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلا يقال له يهوذا، وهو الذي دلهم على المسيح، وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إليهم فقال: ما تجعلوا لي إن أدلكم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها، ودلهم عليه. فألقى الله عليه شبه عيسى " عليه السلام " لما دخل البيت، ورفع عيسى، فأخذ فقال: أنا الذي دللتكم عليه ! فلم يلتفتوا إلى قوله، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. فلما صلب شبه عيسى " عليه السلام " وأتى على ذلك سبعة أيام، قال الله عز وجل لعيسى: إهبط على مريم لتجمع لك الحواريين، وتبثهم في الأرض دعاة.

[ 305 ]

فهبط واشتعل الجبل نورا، فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله سبحانه. وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى. فلما أصبح الحواريون، حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى " عليه السلام " إليهم فذلك قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله) أي: أفضل المعاونين. وقيل: أنصف الماكرين وأعدلهم، لأن مكرهم ظلم، ومكره عدل وإنصاف. وإنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والثاني ليس باعتداء، وإنما هو جزاء. وهذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة، والمطابقة، والمقابلة. فالمجانسة كقوله: (تتقلب فيه القلوب والأبصار). والمطابقة كقوله: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) بالنصب على مطابقة السؤال. والمقابلة نحو قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة). (إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون [ 55 ]). الاعراب: العامل في (إذ) قوله (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) إذ قال. ويحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله، وتمثيله ذاك واقع إذ قال الله، ثم حذفت واقع، وهو العامل في (إذ) وأقيمت (إذ) مقامه. و (عيسى): في موضع الضم لأنه منادى مفرد، لكن لا يتبين فيه الإعراب، لأنه منقوص، وهو لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف. المعنى لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به وقتله، عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير، وحسن التقدير فقال: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك) وقيل في معناه أقوال أحدها: إن المراد به: إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت، عن الحسن وكعب وابن جريج وابن زيد والكلبي وغيرهم. وعلى هذا القول يكون للمتوفى تأويلان أحدهما: إني رافعك إلي وافيا، لم ينالوا منك شيئا. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي: أخذته تاما والآخر: إني

[ 306 ]

متسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا: أي تسلمته. وثانيها: إني متوفيك وفاة نوم، ورافعك إلي في النوم، عن الربيع قال: رفعه نائما. ويدل عليه قوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي يميتكم لأن النوم أخو الموت. وقال (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) الآية. وثالثها: إني متوفيك وفاة نوم، عن ابن عباس ووهب قالا: أماته الله ثلاث ساعات. فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير أي: إني رافعك ومتوفيك، لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) والنذر قبل العذاب بدلالة قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهذا مروي عن الضحاك، ويدل عليه ما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم " ؟ رواه البخاري وملم في الصحيح. فعلى هذا يكون تقديره: إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء. وقوله: (ورافعك إلي) فيه قولان أحدهما: إني رافعك إلى سمائي. وسمى رافعه إلى السماء رفعا إليه، تفخيما لامر السماء، يعني: رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري. والاخر: إن معناه رافعك إلى كرامتي، كما قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني) أي: إلى حيث أمرني ربي. سمى ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه. وقوله: (ومطهرك من الذين كفروا) وفيه قولان إحدهما: مطهرك باخراجك من بينهم، وإنجائك منهم، فإنهم أرجاس. جعل مقامه فيهم بينهم كملاقاة النجاسة من حيث كان يحتاج إلى مجارتهم والاخر: إن تطهيره منعهم من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به، لان ذلك رجس طهره الله منه، عن الجبائي. وقوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) معناه: وجاعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك وكذبوك في العز والغلبة والظفر والنصرة. وقيل: في البرهان والحجة، والمعني به النصارى. قال ابن زيد: ولهذا لا ترى اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى، ولهذا أزال الملك عنهم، وإن كان ثابتا في النصارى على بلاد الروم وغيرها، فهم أعز منهم، وفوقهم إلى يوم القيامة. وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة، كما

[ 307 ]

للروم. وقيل المعني به أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم، وإنما سماهم تبعا، وإن كانت لهم شريعة على حدة، لانه وجد فيهم التبعية صورة ومعنى. وأما صورة فإنه يقال: فلان يتبع فلانا إذا جاء بعده. وأما معنى فلان نبينا صلى الله عليه واله وسلم كان مصدقا بعيسى وبكتابه. ويقال لمن يصدق غيره: إنه يتبعه. على أن شريعة نبينا وسائر الانبياء متحدة في أبواب التوحيد. فعلى هذا هو متبع له، إذ كان معتقدا اعتقاده، وقائلا بقوله. وهذا القول أوجه لان فيه ترغيبا في الاسلام، ودلالة على أن أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم يكونون ظاهرين إلى يوم القيامة، ولان من دعاه إلها لا يكون في الحقيقة تابعا له. (ثم إلي مرجعكم) أي: مصيركم (فأحكم بينكم) فأقضي بينكم (فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر عيسى. (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والأخرة وما لهم من ناصرين [ 56 ] وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين [ 57 ] ذلك نتلوه عليك من الأيات والذكر الحكيم [ 58 ]). القراءة: قرأ حفص ورويس عن يعقوب: (فيوفيهم) بالياء. والباقون بالنون. الحجة: من قرأ بالنون فهو مثل (فأعذبهم) ويحسنه قوله: (ذلك نتلوه عليك من الآيات). ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم في قوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك) أو صار من لفظ الخطاب إلى الغيبة كقوله: (فأولئك هم المضعفون) بعد قوله: (وما آتيتم من زكاة). الاعراب: (نتلوه عليك): في موضع رفع بأنه خبر (ذلك). ويجوز أن يكون صلة لذلك. (ويكون ذلك) بمعنى الذي. فعلى هذا لا موضع لقوله (نتلوه) وتقديره: الذي نتلوه. وقوله: (من الآيات): في موضع رفع بأنه خبره، وأنشدوا في مثله: * عدس ! ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق (1) * تقديره: والذي تحملين طليق.

________________________________________

(1) الشعر في (جامع الشواهد) ومضى في هذا الجزء. (*)

[ 308 ]

(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة) عذابهم في الدنيا: إذلالهم بالقتل والأسر والسبي والخسف والجزية، وكل ما فعل على وجه الإستخفاف والإهانة. وفي الآخرة: عذاب الأبد في النار (وما لهم من ناصرين) أي: أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى. (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) أي: يوفر عليهم، ويتمم (أجورهم) أي: جزاء أعمالهم (والله لا يحب الظالمين) أي: لا يريد تعظيمهم وإثابتهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. وهذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفير الأجر، وهو الثواب. والتوفية منافية للإحباط (ذلك) إشارة إلى الإخبار عن عيسى وزكريا ويحيى وغيرهم (نتلوه عليك) نقرأه عليك، ونكلمك به. وقيل: نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك، عن الجبائي (من الآيات) أي: من جملة الآيات والحجج الدالة على صدق نبوتك، إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارئ كتاب، أو معلم، ولست بواحد منها، فلم يبق إلا أنك عرفته من طريق الحي (والذكر الحكيم) القرآن المحكم. وإنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه منالحكمة، كأنه ينطق بالحكمة، كما تسمى الدلالة دليلا، لأنها بما فيها من البيان، كأنها تنطق بالبيان والبرهان، وإن كان الدليل في الحقيقة هو الدال. (إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ 59 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين [ 60 ] فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكافرين [ 61 ]). اللغة: المثل: ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني، سبيل الأول. وتعالوا: أصله من العلو يقال: تعاليت أتعالى أي: جئت. وأصله: المجئ إلى ارتفاع، إلا أنه كثر في الإستعمال حتى صار بمعنى هلم. وقيل في الإبتهال قولان أحدهما: إنه بمعنى الإلتعان. وافتعلوا بمعنى تفاعلوا، كقولهم: اشتوروا بمعنى تشاوروا. بهله الله أي: لعنه الله. وعليه بهلة الله أي: لعنة الله والآخر: إنه بمعنى الدعاء بالهلاك. قال لبيد: " نظر الدهر إليهم فابتهل " أي دعا عليهم بالهلاك. فالبهل كاللعن وهو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته، ولذلك لا يجوز أن يلعن من

[ 309 ]

ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما. العراب: قوله (خلقه من تراب): لا موضع له من الإعراب، لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم، من حيث هو نكرة ولا يكون حالا له، لأنه ماض، فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الإتصال. فيكون الرفع على تقدير: فهو يكون. والحق: رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك. فحذف ذلك دلالة شاهد الحال عليه، كما يقال: الهلال والله أي: هذا الهلال. وقيل: الحق مبتدأ، وخبره قوله: (من ربك). النزول: قيل نزلت الآيات في وفد نجران: العاقب والسيد ومن معهما، قالوا لرسول الله: هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزل: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات. فقرأها عليهم، عن ابن عباس وقادة والحسن. فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة، استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك. فلما رجعوا إلى رجالهم، قال لهم الأسقف: انظروا محمدا في غد، فإن بولده وأهله، فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه، فإنه على غير شئ. فلما كان الغد جاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آخذا بيده علي بن أبي طالب " عليه السلام "، والحسن " عليه السلام "، والحسين " عليه السلام " بين يديه يمشيان، وفاطمة " عليها السلام " تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم. فلما رأى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه، وزوج ابنته، وأحب الخلق إليه. وهذان ابنا بنته من علي " عليه السلام ". وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع (1) ولم يقدم على المباهلة. فقال السيد: أدن يا أبا حارثة للمباهلة. فقال: لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل والله علينا الحول، وفي الدنيا نصراني يطعم الماء ! فقال الأسقف: يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به. فصالحهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على ألفي حلة من حلل الأواقي، قسمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص، فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا،. ثلاثين فرسا، إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتى

________________________________________

(1) كع كمد: ضعف وجبن. (*)

[ 310 ]

يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا. وروي أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. وقال النبي: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم ! قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي، وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين، وأسلما. المعنى: ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله، فقال: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي: مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب، كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب، ولا أم، فليس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك، فكيف أنكروا هذا وأقروا بذلك ؟ ثم بين سبحانه كيف خلقه، فقال: (خلقه) أي أنشأه (من تراب) وهذا إخبار عن آدم، ومعناه: خلق عيسى من الريح، ولم يخلق قبل أحدا من الريح، كما خلق آدم من التراب، ولم يخلق قبله أحدا من التراب (ثم قال له) أي: لآدم. وقيل: لعيسى (كن) أي: كن حيا بشرا سويا (فيكون) أي: فكان في الحال على ما أراد. وقد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا. وفي هذه الآية دلالة على صحة النظر والإستدلال، لأن الله احتج على النصارى، ودل على جواز خلق عيسى من غير أب، ولا أم. (الحق من ربك) أي: هذا هو الحق من ربك. أضاف إلى نفسه تأكيدا وتعليلا أي: هو الحق، لأنه من ربك (فلا تكن) أيها السامع (من الممترين) وقد مر تفسيره في سورة البقرة (فمن حاجك) معناه: فمن خاصمك وجادلك يا محمد (فيه) أي في قصة عيسى (من بعد ما جاءك من العلم) أي: من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي، عن قتادة في معناه. وقيل: فمن حاجك في الحق. والهاء في (فيه) عائدة إلى قوله (الحق من ربك) (فقل) يا محمد لهؤلاء النصارى (تعالوا) إلى كلمة أي: هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة، تميز الصادق من الكاذب. (ندع أبناءنا وأبناءكم): أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين. قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين إبنا رسول الله،

[ 311 ]

وأن ولد الإبنة ابن في الحقيقة. وقال ابن أبي علان، وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن الماهلة لا تجوز إلا مع البالغين. وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية. وقد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم. فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم، إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم. ومما يؤيده من الأخبار قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا ". (ونساءنا) اتفقوا على أن المراد به فاطمة " عليها السلام "، لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء. وهذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء، ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها " وقال: " إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضائها ". وقد صح عن حذيفة أنه قال: سمعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء أمتي " وعن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها فقال: " قال لي: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء المؤمنين " فضحكت لذلك. (ونساءكم) أي: من شئتم من نسائكم. (وأنفسنا) يعني عليا خاصة. ولا يجوز أن يدعوا الإنسان نفسه، وإنما يصح أن يدعوا غيره. وإذا كان قوله (وأنفسنا) لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول، وجب أن يكون إشارة إلى علي، لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي وزوجته وولديه في المباهلة. وهذا يدل على غاية الفضل، وعلو الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله نفس الرسول. وهذا ما لا يدانيه فيه أحد، ولا يقاربه. ومما يعضده من الروايات ما صح عن النبي أنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل: فعلي ؟ فقال: " ما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي " وقوله لبريدة الأسلمي: " يا بريدة ! لا تبغض عليا، فإنه مني وأنا منه. إن الناس خلقوا من شجر شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة " وقوله " عليه السلام " بأحد، وقد ظهرت كنايته في المشركين، ووقايته إياه بنفسه، حتى قال جبرائيل: إن هذا لهي المواساة ! فقال: يا

[ 312 ]

جبرائيل ! إنه مني. فقال جبرائيل: وأنا منكما (وانفسكم) يعني من شئتم من رجالكم. (ثم نبتهل) أي: نتضرع في الدعاء، عن ابن عباس. وقيل: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذب. (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) منا. وفي هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي، لأنهم امتنعوا عن المباهلة، وأقروا بالذل والخزي لقبول الجزية. فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه، فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال. ولو لم يكن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه، لما أدخل أولاده، وخواص أهله في ذلك، مع شدة إشفاقه عليهم. (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم [ 62 ] فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ 63 ]). اللغة: القصص: القصة. وفعل بمعنى مفعول. كالنقض والقبض. والقصص: جمع القصة. ويقال: اقتصصت الحديث، وقصصته قصا وقصصا: رويته على جهته، وهو من اقتصصت الأثر أي: اتبعته. ومنه اشتق القصاص. والقصص: الخبر الذي تتابع فيه المعاني. والتولي عن الحق: اعتقاد خلافه، لأنه كالإدبار عنه بعد الإقبال عليه. وأصل التولي: كون الشئ على خلاف ما توجبه الحكمة. والإصلاح: إيقاعه على ما توجبه الحكمة. والفرق بين الفساد والقبيح أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعوا إليه الحكمة، وليس كذلك القبيح، لأنه ليس فيه معنى المقدار، وإنما هو ما تزجر عنه الحكمة، كما أن الحسن ما تدعوا إليه الحكمة. الاعراب: (ما من إله إلا الله): دخول (من) فيه لعموم النفي لكل إله غير الله، وإنما أفادت (من) هذا المعنى لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها. وقوله (لهو) يجوز أن يكون هو فصلا، ويسميه الكوفيون عمادا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ويكون (القصص) خبر إن، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (القصص) خبره، والجملة خبر إن. المعنى: (إن هذا لهو القصص الحق) معناه: إن هذا الذي أوحينا إليك في أمر عيسى " عليه السلام " وغيره، لهو الحديث الصدق، فمن خالفك فيه مع وضوح الأمر،

[ 313 ]

فهو معاند (وما من إله إلا الله) أي: وما لكم أحد يستحق إطلاق اسم الإلهية، إلا الله، وإن عيسى ليس بإله كما زعموا، وإنما هو عبد الله، ورسوله. ولو قالوا: ما إله إلا الله بغير (من) لم يفد هذا المعنى. (وإن الله لهو العزيز) أي: القادر على الكمال (الحكيم) في الأقوال والأفعال والتدبير. (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك، وعما أتيت به من الدلالات والبينات (فإن الله عليم بالمفسدين) أي: بمن يفسد من خلقه، فيجازيهم على إفسادهم. وإنما ذكر ذلك على جهة الوعيد، وإلا فإنه تعالى عليم بالمفسد والمصلح جميعا، ونظيره قول القائل لغيره: أنا عالم بشرك وفسادك. وقيل: معناه إنه عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق، وبأنهم لا يقدمون على مباهلتك، لمعرفتهم بنبوتك. (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ 64 ]). اللغة: قال الزجاج: معنى كلمة كلام فيه شرح قصة وإن طال، ولذلك تقول العرب للقصيدة كلمة. يروى أن حسان بن ثابت كان إذا قيل له أنشدنا. قال: هل أنشد كلمة الحويدرة، يعني قصيدته التي أولها: " بكرت سمية غدوة فتمنع " ومعنى سواء أي: عدل وسوى بمعناه. قال زهير: * أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء * * فإن ترك السواء فليس بيني * وبينكم، بني حصن بقاء (1) وقيل: سواء مستو هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل، ومعناه: إلى كلمة مستوية، وهو عند الزجاج اسم ليس بصفة، وإنما جر بتقدير ذات سواء، وجوز نصبه على المصدر. الاعراب: موضع (أن لا نعبد) فيه وجهان أحدها: أن يكون في موضع جر

________________________________________

(1) الخطة: الحال والشأن. وقوله: بني حصن أي: يا بني حصن. (*)

[ 314 ]

على البدل من (كلمة) فكأنه قال: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله والآخر: أن يكون في موضع رفع على تقدير: هي أن لا نعبد إلا الله. ولو قرئ (أن لا نعبد) بالرفع كان (أن) هي المخففة من المثقلة، فكأنه قال: إنه لا نعبد إلا الله، كقوله: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) وعلى هذا يثبت النون في الخط، ويكون إن من العوامل في الأسماء. وعلى الأول يكون من العوامل في الأفعال. ولا يثبت في الخط لنون. ولو قرئ (أن لا نعبد إلا الله) بالإسكان، فأن مفسرة كالتي في قوله: (أن امشوا)، و (لا نعبد) نهي. النزول: قيل في سبب نزول الآية أقوال أحدها إنها نزلت في نصارى نجران، عن الحسن والسدي وابن زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير وثانيها: إنها نزلت في يهود المدينة، عن قتادة والربيع وابن جريج، وقد رواه أصحابنا أيضا وثالثها: إنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب على الظاهر، عن أبي علي الجبائي، وهذا أولى لعمومه. المعنى: لما تم الحجاج على القوم، دعاهم تعالى إلى التوحيد، وإلى الإقتداء بمن اتفقوا أنه كان على الحق، فقال: (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب تعالوا) أي: هلموا (إلى كلمة سواء) أي: عدل (بيننا وبينكم) أي: عادلة لا ميل لها، كما يقال: رجل عدل أي: عادل لا ميل فيه. وقيل: معناه كلمة مستوية بيننا وبينكم، فيها ترك العبادة لغير الله، وهي (إن لا نعبد إلا الله) لأن العبادة لا تحق إلا له (ولا نشرك به) في العبادة (شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) اختلف في معناه فقيل: معناه ولا يتخذ بعضنا عيسى ربا، فإنه كان بعض الناس. وقيل: معناه أن لا نتخذ الأحبار أربابا بأن نطيعهم طاعة الأرباب لقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). وروي عن أبي عبد الله أنه قال: ما عبدوهم من دون الله، ولكن حرموا لهم حلالا، وأحلوا لهم حراما، فكان ذلك اتخاذهم أربابا من دون الله. وقد روي أيضا: أنه لما نزلت هذه الآية، قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله ! فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " " أما كانوا يحلون لكم، ويحرمون، فتأخذون بقولهم ؟ فقال: نعم. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": هو ذاك ". (فإن تولوا) أي: أعرضوا عن الإقرار بالعبودية، وأن أحدا لا يستحق العبادة غيره (فقولوا) أنتم أيها المسلمون مقابلة لإعراضهم عن الحق، وتجديدا للإقرار،

[ 315 ]

ومخالفتهم (اشهدوا بأنا مسلمون) أي: مخلصون مقرون بالتوحيد. وقيل: مستسلمون منقادون لما أتى به النبي والأنبياء من الله. وقيل: مقيمون على الإسلام. وهذا تأديب من الله لعبده المؤمن، وتعليم له، كيف يفعل عند إعراض المخالف بعد ظهور الحجة، ليعلم المبطل أن مخالفته لا يؤثر في حقه، وليدل على أن الحق يجب اتباعه من غير اعتبار بالقلة والكثرة. (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون [ 65 ] ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 66 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (ها أنتم) بالمد والهمز. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير مد ولا همز إلا بقدر خروج الألف الساكنة. وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمزة والقصر من غير مد على وزن ها عنتم. وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز. الحجة: الكلام في المد والهمز كثير، والوجه أن من حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان ها وأنتم. ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال. اللغة: الفرق بين الحجاج والجدال: أن الحجاج يتضمن إما حجة، أو شبهة في صورة الحجة والجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة، أو شبهة أو إيهام في الحقيقة، لأن أصله من الجدل وهو شدة الفتل. والحجة في البيان الذي شهد بصحة المقال، وهو والدلالة بمعنى واحد. الاعراب: (ها أنتم): للتنبيه. وقد كثر التنبيه في هذا، ولم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر، والمعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له. فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك أنت، لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة. وإنما هو للمخاطب. وخبر (أنتم) يجوز أن يكون (حاججتم) على أن يكون (هؤلاء) عطف بيان. ويجوز أن يكون خبره (هؤلاء) على أن اولاء (1) بمعنى الذين. وما بعده صلة له. النزول: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إن أحبار اليهود، ونصارى نجران،

________________________________________

(1) [ هؤلاء ]. (*)

[ 316 ]

اجتمعوا عند رسول الله، فتنازعوا في إبراهيم (1)، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله هذه الأية. المعنى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) أي: لم تنازعون وتجادلون فيه، وتدعون أنه على دينكم. (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) أي: من بعد إبراهيم (أفلا تعقلون). أن الإقامة على الدعوى من غير برهان، غير جائزة في العقل، فكيف يجوز الإقامة على الدعوة بعد ما ظهر فسادها. فإن قيل: لو دل نزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية والنصرانية، لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام ؟ فالجواب: إن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام، غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية، والنصارى ادعوا أنه هو النصرانية. والتوراة والإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم، واسمه فيهما اسم الإسلام، وليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية والنصرانية. وأما القرآن وإن كان منزلا بعده، ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام، ونفي اليهودية والنصرانية عنه، ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما، وأن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم. وقد قيل: إن اليهود أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة، واعتقد شريعته، والنصارى اعتقدوا أن النصراني إسم لمن تمسك بالإنجيل، واعتقد شريعته، فرد الله تعالى دعوى الفريقين. وأخبر أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف يكون متمسكا بحكمهما. وأما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ الإسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة، فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به. فإن قيل: فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الإسلام كلها التي نحن عليها ؟ قلنا: إنه كان متمسكا بدين الإسلام، وببعض أحكام شريعة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة، ولم يكن ذلك في شريعته، وإنما قلنا: إنه مسلم، وإن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة، لأن أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في بدو الإسلام، كانوا مسلمين قبل استكمال الشرع، وقبل نزول تمام القرآن. والواحد منا مسلم على الحقيقة، وإن لم يعمل بجميع أحكام الشريعة.

________________________________________

(1) [ في إبراعيم ].

[ 317 ]

(ها أنتم هؤلاء) يا معشر اليهود والنصارى، وهو في الظاهر تنبيه على أنفسهم، والمراد به التنبيه على حالهم. إذ التنبيه إنما يكون فيما قد يغفل عنه الإنسان دون ما يعلمه (حاججتم) جادلتم وخاصمتم (فيما لكم به علم) معناه: حاججتم، ولكم به علم، لوجود اسمه في التوراة والإنجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) أي: فلم تحاجون في دينه وشرعه (1)، وليس لكم به علم ؟ لم ينكر الله تعالى عليهم محاجتهم فيما علموه، وإنما أنكر عليهم محاجتهم فيما لم يعلموا (والله يعلم) شأن إبراهيم ودينه، وكل ما ليس عليه دليل، لأنه العالم لجيمع المعلومات (وأنتم لا تعلمون) ذلك (2)، فلا تتكلموا فيه، ولا تضيفوا إليه ما لا تعلمونه، واطلبوا علم ذلك ممن يعلمه. (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين [ 67 ] إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولى المؤمنين [ 68 ]). اللغة: قد ذكرنا الأصل في اليهود والنصارى والحنيف في سورة البقرة. وأولى (3): الذي هو بمعنى أفعل من غيره. لا يثنى، ولا يجمع، لأنه يتضمن معنى الفعل والمصدر، على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه. ومعنى قولنا: هذا الفعل أولى من غيره أي: بأن يفعل. وقولنا: زيد أولى من غيره معناه: إنه على حال هو أحق بها من غيره. والإتباع: جريان الثاني على طريقة الاول من حيث هو عليه، كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق، أو في التصحيح، لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته، وكذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام. المعنى: ثم كذب الله اليهود والنصارى فقال: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) نزه إبراهيم وبرأه عن اليهودية والنصرانية، لأنهما صفتا ذم قد دل القران والإجماع على ذلك. وهذا يدل على أن موسى أيضا لم يكن يهوديا، ولم يكن عيسى نصرانيا. فإن الدين عند الله الإسلام. واليهودية ملة محرفة عن شرع موسى. والنصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى. فهما صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين.

________________________________________

(1) وفي بعض الخطبة " شأنه "، بدل " شرعه ". (2) [ في كتبكم ]. (3) [ ما فيها ]. (*)

[ 318 ]

(ولكن كان حنيفا) أي: مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقيل: معناه مستقيما في دينه (مسلما) أي: كائنا على دين الإسلام (وما كان من المشركين) قيل: إن هذا يتضمن كون اليهودية والنصرانية شركا. وقيل: إن معناه لم يكن مشركا على ما يدعيه مشركو العرب. (إن أولى الناس بإبراهيم) يعني: إن أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة (للذين اتبعوه) في وقته وزمانه، وتولوه بالنصرة على عدوه، حتى ظهر أمره، وعلت كلمته (وهذا النبي والذين آمنوا) يتولون نصرته بالحجة، لما كان عليه من الحق، وتبرئة كل عيب عنه أي: هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم، ولهم ولايته (والله ولي المؤمنين) لأنه يتولى نصرتهم، والمؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه. وقيل: لأنه يتولى نصرة ما أمر الله به من الدين. وإنما أفرد الله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالذكر، تعظيما لأمره، وإجلالا لقدره، كما أفرد جبرائيل وميكائيل. وقيل: ليدخل في الولاية وتعود إليه الكناية. فإن التقدير: والذين آمنوا به. وفي هذه الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنين: إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم (1) بما جاؤوا به، ثم تلا هذه الآية. وقال إن ولي محمد من أطاع الله، وإن بعدت لحمته. وإن عدو محمد من عصى الله، وإن قربت قربته. وروى عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله: هم والله من آل محمد. قلت: من أنفسهم جعلت فداك قال: نعم والله من أنفسهم. قالها ثلاثا. ثم نظر إلي ونظرت إليه، فقال: يا عمر ! إن الله يقول في كتابه: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) الآية رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس عنه. (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلآ أنفسهم وما يشعرون [ 69 ]). اللغة: ودت أي: تمنت. فلما كان بمعنى تمنى صلح للماضي والحال والإستقبال. فذلك جاز بلو. وليس كذلك المحبة والإرادة، لأنهما لا يتعلقان إلا

________________________________________

(1) وفي بعض النسخ: " أعملهم " بتقديم الميم على اللام، وهو الظاهر. (*)

[ 319 ]

بالمستقبل. فلا يجوز أن يقال: أرادوا لو يضلونكم، لان الإرادة يجري مجرى الإستدعاء إلى الفعل، أو مجرى العلة في ترتيب الفعل. فأما التمني فهو تقرير شئ في النفس يستمتع بتقريره. والفرق بين ود لو تضله وبين ود أن تضله أن أن للإستقبال، وليس كذلك لو. المعنى: ثم بين سبحانه أن هؤلاء كما ضلوا، دعوا إلى الضلال، فقال: (ودت) أي تمنت. وقيل: أرادت (طائفة) أي جماعة (1) (من أهل الكتاب) أي: من اليهود والنصارى. وقيل: من اليهود خاصة (لو يضلوكم) أي: يهلكونكم بإدخالكم في الضلال، ودعائكم إليه. ويستعمل الضلال بمعنى الهلاك نحو قوله: (أإذا أضللنا في الأرض) ومعناه: هلكنا وبطلت صورنا. (وما يضلون إلا أنفسهم) معناه: لا يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم، ولا يلحق ضررهم إلا بهم، فإن المسلمين لا يجيبونهم إلى ما يدعونهم إليه من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان، فيبقى عليهم إثم الكفر، ووبال الدعاء إلى الكفر. وقيل: معناه وما يهلكون إلا أنفسهم أي: لا يعتد بما يحصل لغيرهم من الهلاك، في جنب ما يحصل لهم (وما يشعرون) أي: وما يعلمون أن وبال ذلك يعود إليهم. وقيل: وما يشعرون أن الله تعالى يدل المؤمنين على ضلالهم وإضلالهم. وقيل: وما يشعرون أنهم ضلال لجهلهم، عن أبي الجبائي. (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون [ 70 ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [ 71 ]). الاعراب (لم): أصله لما حذفت الألف لاتصالها بالحرف الجار، مع وقوعها ضرفا. ولدلالة الفتحة عليها، وكذلك بم وعم. المعنى: ثم خاطب الله الفريقين، فقال: (يا أهل الكتاب لم تكفرون) (ب‍) ما يتلى عليكم من (آيات الله) يعني: القرآن (وأنتم تشهدون) أي: تعلمون وتشاهدون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، إذ فيهما ذكر النبي، والإخبار يصدق نبوته، وبيان صفته. وقيل: يعني بآيات الله ما في كتبهم من

________________________________________

(1) [ هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية ].

[ 320 ]

البشارة بنبوته، وأنتم تشهدون الحجج الدالة على نبوته. وقيل: يعني بالآيات ما في كتبهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وأن الدين هو الإسلام، وأنتم تشاهدون ذلك، وقيل: يعني بها ما يتلى عليهم من غرائب أخبارهم التي علموا أنها في كتبهم، عن أبي مسلم. وقيل: يعني بالآيات الحجج الدالة على نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأنتم تشهدون أن الأول لمعجزة يدل على صدق الرسالة، وثبوت النبوة وقيل: وأنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) معناه: لم تخلطون الحق بالباطل، وفيه أقوال أحدها: إن المراد به تحريفهم التوراة والإنجيل، عن الحسن وابن زيد وثانيها: إن المراد به إظهارهم الإسلام، وإبطانهم النفاق، وفي قلوبهم من اليهودية والنصرانية، لأنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره تشكيكا للناس، عن ابن عباس وقتادة. وثالثها: إن المراد به الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد ورابعها: إن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من أن محمدا أحق بما يظهرونه من تكذيبه، عن الجبائي، وأبي مسلم (وتكتمون الحق) أي: نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به (وأنتم تعلمون) أنه حق. وإنما نزلت هذه في طائفة من علمائهم، لأن الكتمان إنما يجوز على الطائفة القليلة دون الكثيرة. وقيل: معناه وأنتم تعلمون الأمور التي تصح بها التكليف. والأول أصح لما في الآية من الذم على الكتمان. (وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ة اخره لعلهم يرجعون [ 72 ] ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم [ 73 ] يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم [ 74 ]). القراءة: قرأ ابن كثير: (أن يؤتى أحد) ممدودا. واباقون: (أن يؤتى) بغير مد واستفهام. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (أن يؤتى أحد): فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى

[ 321 ]

أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم. وقوله (قل إن الهدى هدى الله): إعترض بين المفعول وفعله. وإذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جرا وفي قول سيبويه نصبا. فأما اللام في قوله: (لمن تبع دينكم): فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا، وأنت قد أوصلته بحرف آخر جار، فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين، إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد. ألا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالهمز، وتضعيف العين. فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار. فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به، حملته على المعنى. والمعنى: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم، كما تقول: أقررت لزيدا بألف، فيكون اللام متعلقا بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) ولكن يتعلق بالإقرار، وإن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال: اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم، فيكون اللام على هذا زائدة. وقد تعدى (آمن) باللام في غير هذا، قال الله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذريته). وقال: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقال: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فتعدى مرة بالباء، ومرة باللام. ووجه قراءة ابن كثير (أن) في موضع رفع بالإبتداء، لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل، لقطع الإستفهام بينهما. وخبره تصدقون به، وتعترفون به، ونحو ذلك مما دل عليه قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا على قول من قال: أزيد ضربته. ومن قال: أزيدا ضربته، كان (أن) عنده في موضع نصب. ويجوز أن يكون موضع (أن) نصبا على معنى تذكرون أو يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو تشيعون. ويدل على ذلك قوله تعالى: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) فحديثهم بذلك إشاعة منهم وإفشاء، وبخ بعضهم بعضا بالحديث، لما علموه من أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعرفوه من وصفه. فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير، ولعله اعتبرها في قراءته. اللغة: الطائفة: الحماعة، وفي أصلها قولان أحدهما: إنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الإجتماع والآخر (1): إنها جماعة يستوي بها حلقة، يطاف حولها. ووجه النهار: أوله وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه، كما يقال لأول الثوب: وجه الثوب. وقيل: لأنه كالوجه في أنه

________________________________________

(1) [ على ]. (*)

[ 322 ]

أعلاه، وأشرف ما فيه. قال الربيع بن زياد: * من كان مسرورا بمقتل مالك، * فليأت نسوتنا بوجه نهار * النزول: قال الحسن والسدي: تواطأ إثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار بالسان دون الإعتقاد، واكفروا به آخر النهار. وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه: وقالوا: إنهم أهل الكتاب، وهم أعلم به منا. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم. وقال مجاهد ومقاتل الكلبي: كان هذا في شأن القبلة، لما حولت إلى الكعبة، شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالله وبما أنزل على محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره، لعلهم يشكون. المعنى: لما ذكر تعالى صدرا من كياد القوم، عقبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال: (وقالت طائفة) أي: جماعة (من أهل الكتاب) أي: بعضهم لبعض (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا) يعنون النبي وأصحابه (وجه النهار واكفروا آخره) واختلف في معناه على أقوال أحدها: أظهروا الإيمان لهم أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم في آخره، فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم، عن الحسن وجماعة. وثانيها: آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار، واكفروا آخره، ليرجعوا بذلك عن دينهم، عن مجاهد. وثالثها: أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، ثم ارجعوا في آخره، لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته. (لعلهم يرجعون) عن دينهم الإسلام، عن ابن عباس وجماعة (ولا تؤمنوا) أي: ولا تصدقوا (إلا لمن تبع دينكم) اليهودية، وقام بشرائعكم، وهو عطف على ما مضى. واختلف في معنى الآية على أقوال أحدها: إن معناه ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة، والبيان والحجة، ولا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب. وقيل: إنما قال ذلك يهود خيبر، ليهود المدينة، لئلا يعترفوا به، فيلومونهم (1) به، لإقرارهم بصحته. وقيل: معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع

________________________________________

(1) وفي نسخة مخطوطة: " فيلزمهم العمل به " بدل " فيلومونهم به ". (*)

[ 323 ]

دينكم. وقوله: - أو يحاجوكم عند ربكم) لأنكم أصح دينا منهم، فلا تكون لهم الحجة عليكم عند الله، فيكون هذا كله من كلام اليهود. وقوله: (قل إن الهدى هدى الله)، و (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) كلام الله جوابا لليهود، وردا عليهم أي: قل يا محمد ! إن الهدى هدى الله، وقل: إن الفضل بيد الله، فلا ينبغي لهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا، وهذا معنى الحسن (1)، وأبي علي الفارسي. وثانيها: أن يكون قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) كلام اليهود وما بعده من الله، ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون، كقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) أي: أن لا تضلوا وان لا يحاجوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم. ويكون (هدى الله) بدلا من الهدى. والخبر: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهذا قول السدي، وابن جريج. وقال أبو العباس المبرد: إن (لا) ليست مما تحذف هاهنا، ولكن الإضافة هنا معلومة، فحذفت الأول، وأقيمت الثانية مقامه. والمعنى: (قل إن الهدى هدى الله) كراهة (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) أي: مما خالف دين الله، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. فهدى الله بعيد من غير الؤمنين، وكذلك تقدير قوله يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وقال قوم: إن تقديره قل يا محمد إن الهدى إلى الخير هدى الله، فلا تجحدوا أيها اليهود، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة (أو) أن (يحاجوكم) بذلك (عند ربكم) إن لم تقبلوا ذلك منهم، عن قتادة والربيع والجبائي. وقيل: إن الهدى هدى الله معناه: إن الحق ما أمر الله به، ثم فسر الهدى فقال: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم). فالمؤتى هو الشرع، وما يحاج به هو العقل. وتقدير الكلام: إن هدى الله ما شرع، أو ما عهد به في العقل. فهذه أربعة أقوال. وثالثها: أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها لله تعالى، وتقديره ولا تؤمنوا

________________________________________

(1) [ عطف على أن يؤتى أي: ولا تصدقوا بأن يحاجوكم ]. (*)

[ 324 ]

أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الاسلام، ولا تصدقوا بان يؤتى أحد مثل ما اوتيتم من الدين، فلا نبي بعد نبيكم، ولا شريعة بعد شريعتكم، الى يوم القيامة، ولا تصدقوا بان يكون لاحد حجة عليكم عند ربكم، لان دينكم خير الاديان، وان الهدى هدى الله، وان الفضل بيد الله، فتكون الاية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى عند تلبس اليهود عليهم، لئلا يزلوا. ويدل عليه ما قاله الضحاك: ان اليهود قالوا: إنا نجاح عند ربنا من خالفنا في ديننا. فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلبون، وان المؤمنين هم الغالبون. وقوله (قل إن الفضل بيد الله) قيل: يريد به النبوة. وقيل: الحجج التي اوتيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. وقيل: نعم الدين والدنيا. وقوله: بيد الله أي في ملكه، وهو القادر عليه، العالم بمحله. (يؤتيه من يشاء) وفي هذه دلالة على ان النبوة ليست بمستحقة وكذلك الامامة، لان الله سبحانه علقه بالمشية. (والله واسع) الرحمة جواد. وقيل: واسع المقدور، يفعل ما يشاء (عليم) بمصالح الخلق. وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته. (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) مر تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة. وفي هذه الايات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها اخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام العيوب. وفيها دفع لمكائدهم، ولطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم. (ومن اهل الكتاب من إن تامة بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تامة بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهو يعلمون. بلى من اوفي بعهده واتقي فإن الله يحب المتقين. القراءة: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: (يؤده) بسكون الهاء وروي نحوه عن ابي عمرو. وقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهاء مع الاختلاس، وهو الصحيح من مذهب ابي عمرو. والباقون بالكسر والاشباع. الحجة. اما سكون الهاء فان أگثر النحويين على انه لا يجوز. وغلط الزجاج

[ 325 ]

الراوي فيه أبي عمروا قال: وحكى سيبويه عنه، وهو ضابط لمثل هذا أنه كان يكسر كسرا خفيفا. وقال الفراء: هذا مذهب لبعض العرب، يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم. وأما الإختلاس فإنه للإكتفاء بالكسرة على الياء. وأما الإشباع فعلى الأصل. اللغة القنطار: قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة. والدينار: أصله دنر بنونين، فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الإستعمال، طلبا للخفة، وجمعه دنانير. ودمت ودمت لغتان، مثل مت ومت. ولكن من كسر الدال والميم قال في المضارع تمات وتدام، وهي لغة أزاد السراة. ووفى وأوفى لغتان. وأهل الحجاز يقولون: أوفيت. وأهل نجد يقولون: وفيت. الاعراب: الفرق بين أن تقول: (تأمنه بقنطار)، وبين أن تقول (على قنطار): أن معنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى (على) إستعلاء الأمانة، وهما يتعاقبان في هذا الموضع، لتقارب المعنى كما تقول: مررت به، ومررت عليه. وبلى: يحتمل معنيين أحدهما: الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول، وعلى هذا الوجه يكون (من أوفى بعهده) مكتفية، نحو قولك: ما قدم زيد (1) فيقال بلى أي: بلى قد قدم زيد. قال الزجاج: هاهنا وقف تام، ثم استأنف (من أوفى) إلى الآخرة لأنهم لما قالوا: (ليس علينا في الأميين سبيل) قيل: بلى (2) عليهم في سبيل الثاني: الإضراب عن الأول، والإعتماد على البيان الثاني. وعلى هذا الوجه لا تكون مكتفية. والفرق بين بلى ونعم أن بلى: جواب النفي. ونعم: جواب الإثبات. إنما جاز إمالة (بلى) لمشابهتها الإسم من وجهين: أحدهما: إنه توقف عليها كما توقف على الإسم. والآخر: إنها على ثلاثة أحرف ولذلك خالفت (لا) في الإمالة. النزول: عن ابن عباس قال: يعني بقوله (من ان تأمنه بقنطار يؤده إليك) عبد الله بن سلام، أودعه رجلا ألفا ومائتي أوقية من ذهب، فأداه إليه، فمدحه الله سبحانه، ويعني بقوله: (من ان تأمنه بدينار لا يؤده (3) إليك) فنحاص بن عازوراء، وذلك أن رجلا من قريش استودعه دينارا، فخانه. وفي بعض التفاسير: إن الذي يؤدي الأمانة النصارى، والذين لا يؤدونه اليهود.

________________________________________

(1) [ القنطار ]. (1) [ أي: بلى ]. (3) [ أي يرده ]. (*)

[ 326 ]

المعنى: ثم ذكر سبحانه معائب القوم، وأن فيهم من تحرج عن العيب، فقال: (ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار) أي: تجعله أمينا على قنطار أي: مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة (يؤده إليك) عند المطالبة، ولا يخون فيه. (ومنهم من إن تأمنه بدينار) أي: على ثمن دينار. والمراد: تجعله أمينا على قليل من المال، (لا يؤده إليك) عند المطالبة، وهم كفار اليهود بالإجماع (إلا ما دمت عليه قائما) معناه: إلا أن تلازمه وتتقاضاه، عن الحسن وابن زيد. قيل: إلا أن تدوم قائما بالتقاضي والمطالبة، عن قتادة ومجاهد. وقيل: إلا ما دمت عليه قائما بالإجتماع معه والملازمة، عن السدي قال: مادمت عليه قائما أي: ملحا عن ابن عباس (ذلك) أي: ذلك الإستحلال والخيانة. (بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) هذا بيان العلة التي كانوا لأجلها لا يؤدون الأمانة، ويميلون إلى الخيانة أي: قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل، لأنهم مشركون، عن قتادة والسدي. وقيل: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وذلك أنهم عاملوا جماعة منهم، ثم أسلم من له الحق، وامتنع من عليه الحق، من أداء الحق. وقالوا: إنما عاملناكم، وأنتم على ديننا، فإذا فارقتموه سقط حقكم. وادعوا أن ذلك في كتبهم فأكذبهم الله في ذلك بقوله ويقول على الله الكذب وهم يعلمون) أنهم يكذبون، لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا، عن الحسن وابن جريج. وإنما سموهم (أميين) لعدم كونهم من أهل الكتاب، أو لكونهم من مكة، وهي أم القرى. ثم الله تعالى رد عليهم قولهم فقال: (بلى) وفيه نفي لما قبله، وإثبات لما بعده، كأنه قال: ما أمر الله بذلك، ولا أحبه، ولا أراده، بل أوجب الوفاء بالعهد، وأداء الأمانة (من أوفى بعهده) يحتمل أن يك. ن الهاء في بعده، عائدة على اسم الله في قوله (ويقولون على الله الكذب) فيكون معناه بعهد الله، وعهد الله إلى عباده: أمره ونهيه. ويحتمل أن يكون عائدة إلى (من) ومعناه: من أوفى بعهد نفسه، لأن العهد تارة إلى العاهد، وتارة إلى المعهود له (واتقى) الخيانة، ونقض العهد (فإن الله يحب المتقين) معناه: فإن الله يحبه، إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبين الصفة التي يجب بها محبة الله، وهذه صفة المومن، فكأنه قال: والله يحب

[ 327 ]

المؤمنين، ولا يحب اليهود. وروي عن النبي أنه قال، لما قرأ هذه الآية قال: " كذب أعداء الله ! ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ". وعنه قال: " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء. (إن الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الأخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ 77 ]). النزول: نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع، وكنانة بت أبي الحقيق، وحيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، كتموا ما في التوراة من أمر محمد، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرياسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة. وقيل: نزلت في اللاشعث بن قيس، وخصم له في أرض، قام ليحلف عند رسول الله. فلما نزلت الأية نكل الآشعث، واعترف بالحق، ورد الأرض عن ابن جريج. وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة، في تنفيق سلعة، عن مجاهد والشعبي. المعنى: ثم ذكر تعالى الوعيد لهم على أفعالهم الخبيثة، فقال: (إن الذين يشترون بعهد الله) أي: يستبدلون (بعهد الله) أي: بأمر الله، وما يلزمهم الوفاء به. وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله، ونقضه (وأيمانهم) أي: وبالايمان الكاذبة (ثمنا قليلا) أي: عوضا نزرا، وسماه (قليلا) لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب. وقيل: العهد ما أوجبه الله على الإنسان من الطاعة، والكف عن المعصية. وقيل: هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل، والإنقياد للحق. (أولئك لا خلاق لهم) أي: لا نصيب وافر لهم (في) نعيم (الآخرة) (ولا يكلمهم الله) فيه قولان أحدهما: إنه لا يكلمهم بما يسرهم، بل بما يسوءهم وقت

[ 328 ]

الحساب لهم، عن الجبائي. والآخر: إنه لا يكلمهم أصلا، وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم، بأمر الله إياهم، استهانة بهم (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) معناه: لا يعطف عليهم ولا يرحمهم، كما يقول القائل للغير: انظر إلي يريد: إرحمني. وفي هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف (إلى) لا يفيد الرؤية، لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف. (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم. وقيل ك لا ينزلهم منزلة الأزكياء، عن الجبائي. وقيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم. وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء، ولا يسميهم بذلك، بل يحكم بأنهم كفرة فجرة، عن القاضي (ولهم عذاب أليم) مؤلم موجع. وفي تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: " من حلف على يمين كاذبة، ليقطع بها مال أخيه المسلم، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، وتلا هذه الآية. وروى مسلم بن الحجاج في الصحيح بإسناده من عدة طرق، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة. والمنفق سلعته بالحلف الفاجر. والمسبل إزاره ". وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو غضبان ". أورده مسلم أيضا فط الصحيح. (وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ 78 ]). اللغة: أصل اللي: القتل من قولك: لويت يده: إذا فتلتها. ومنه لويت الغريم لويا وليانا: إذا مطلته حقه، قال الشاعر: * تطيلين لياني، وأنت ملية، * وأحسن، يا ذات الوشاح، التقاضيا * ومنه الحديث: " لي الواجد ظلم ". والألسنة: جمع اللسان على التذكير، كحمار وأحمرة. ويقال: ألسن على التأنيث، كعناق وأعنق. والفرق بين حسبت

[ 329 ]

وزعمت: أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا وظنا. وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا. الاعراب: (لفريقا): نصب بأنه اسم (أن). واللام: للتأكيد على اسم (أن) إذا كان مؤخرا، ولا يجوز: إن لزيدا في الدار، لئلا يجتمع حرفا تأكيد. كما لا يجوز دخول التعريف على التعريف. فأما قولهم: جاءني القوم كلهم أجمعون. فكلهم: تأكيد للقوم. وأجمعون: تأكيد للكل. النزول: قيل: نزلت في جماعة من أحبار اليهود، كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله، من نعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وغيره وأضافوه إلى كتاب الله. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حرفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، عن ابن عباس. المعنى: (وإن منهم) أي: من أهل الكتاب، وهو عطف على قوله: (وإن من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار). (لفريقا) أي: طائفة (يلوون ألسنتهم بالكتاب) معناه: يحرفون الكتاب عن جهته، ويعدلون به عن القصد بألسنتهم. فجعل الله تحريف الكتاب عن الجهة ليا باللسان، وهذا قول مجاهد وقتادة وابن جريج والربيع. وقيل: يفسرونه بخلاف الحق. (لتحسبوه من الكتاب) أي: لتظنوه أيها المسلمون من كتاب الله تعالى، (وما هو من الكتاب) المنزل على موسى، ولكنهم يخترعونه ويبتدعونه، (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) وفي هذا دليل على أن المعاصي ليست من عند الله، ولا من فعله، لأنها لو كانت من فعله، لكانت من عنده، على آكد الوجوه. فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله. وكما لا يجوز أن يكون من الكتاب على وجه من الوجوه لإطلاق النفي بأنه ليس من الكتاب كله، لا يجوز أن يكون من عند الله، لإطلاق النفي بأنه ليس من عند الله. (ويقولون على الله الكذب) في نسبتهم ذلك إلى الكتاب. (وهم يعلمون) أن ذلك كذب. وقيل: وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب. 0 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون [ 79 ] ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم

[ 330 ]

بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ 80 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: (تعلمون) بالتشديد. والباقون (تعلمون). وقرء عاصم غير الأعشى والبرجمي (1) وحمزة وابن عامر ويعقوب: (ولا يأمركم) بنصب الراء. والباقون بالرفع. الحجة: حجة من قال (تعلمون) بالتشديد أن التعليم أبلغ في هذا الموضع، لأنه إذا علم الناس، ولم يعمل بعمله، كان مع استحقاق الذم بترك عمله داخلا في جملة من وبخ بقوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم). وحجة من قرأ (تعلمون) أن العالم الدارس قد يدرك بعلمه ودرسه مما يكون داعيا إلى التمسك بعلمه، والعمل به ما لا يدركه العالم المعلم في تدريسه. ومن قرأ (يأمركم) فعلى القطع من الأول، ولا يأمركم الله. ومن نصبه فعلى قوله: (وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا). ومما يقوي الرفع ما روي في حرف ابن مسعود (يأمركم). فهذا يدل على الإنقطاع من الأول. ومما يقوي النصب ما جاء في السير أن اليهود قالوا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا محمد ! أتريد أن نتخذك ربا ؟ فقال الله عز وجل: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب): ولا أن يأمركم. اللغة: البشر يقع على القليل والكثير، فهو بمنزلة المصدر مثل الخلق، تقول: هذا بشر، وهؤلاء بشر. كما تقول: هذا خلق، وهؤلاء خلق. وإنما وقع المصدر على القليل والكثير، لأنه جنس الفعل، فصار كأسماء الأجناس، مثل الماء والتراب ونحوه. والرباني: هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره وإصلاحه إياه. يقال: رب فلان أمره ربابة، وهوربان: إذا دبره وأصلحه. ونظيره نعس وينعس وهو نعسان. وأكثر ما يجئ فعلان من فعل يفعل، فيكون العالم ربانيا، لأنه بالعلم يرب الأمر ويصلحه. وقيل: إنه مضاف إلى علم الرب، وهو علم الدين الذي يأمره به، إلا أنه غير في الإضافة، ليدل على المعنى، كما قيل في الإضافة إلى البحرين: بحراني، وكما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، وللعظيم اللحية: لحياني فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب: رباني. النزول: قيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود، ورئيس وفد نجران قالا: يا

________________________________________

(1) أي: من جميع طرقه إلا من طريق هذين. (*)

[ 331 ]

محمد ! أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها ؟ فقال: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غير الله ! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله الآية، عن ابن عباس وعطاء. وقيل: نزلت في نصارى نجران، عن الضحاك ومقاتل. وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله ! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك ؟ قال: " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله ". فأنزل الله الآية. المعنى: لما تقدم ذكر أهل الكتاب، وأنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء، نزههم الله عن ذلك، فقال: (ما كان لبشر) يعني: ما ينبغي لبشر كقوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا). و (ما كان لنا أن نتكلم بهذا) أي: لا ينبغي. وقيل: لا يجوز معناه لبشر، ولا يحل له (أن يؤتيه الله) أن: يعطيه الله (الكتاب والحكمة والنبوة) أي: العلم أو الرسالة إلى الخلق. (ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) أي: اعبدوني من دونه، أو اعبدوني معه، عن الجبائي. وقيل: معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته، واجتباهم لنبوته، وأنزل عليهم كتبه، وجعلهم حكماء علماء، أن يدعوا الناس إلى عبادتهم. وإنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن مثل هذا القول، لا على وجه النهي. وقوله: (عبادا) هو من العبادة، قال القاضي: وعبيد بخلافه، لأنه بمعنى العبودية. ولا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره. (ولكن كونوا ربانيين) فيه حذف أي: لا ينبغي لهذا القول أن يقول للناس اعبدوني، ولكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين. وفيه أقوال أحدها: إن معناه كونوا علماء فقهاء، عن علي وابن عباس والحسن. وثانيها: كونوا علماء حكماء، عن قتادة والسدي وابن أبي رزين. وثالثها: كونوا حكماء أتقياء، عن سعيد بن جبير ورابعها: كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح، عن ابن زيد وخامسها: كونوا معلمين للناس من علمكم، كما يقال: أنفق بمالك أي: أنفق من مالك، عن الزجاج. وروي عن النبي أنه قال: " ما من مؤمن، ولا مؤمنة، ولا حر، ولا مملوك، إلا ولله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم، ويتفقه فيه ". وقال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالما يقول: الرباني العالم بالحلال الحرام، والأمر والنهي، وما كان وما يكون. وقال أبو عبيدة: لم تعرف العرب الرباني. وهذا فاسد، لأن القرآن نزل

[ 332 ]

بلغتهم. وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال يوم مات ابن عباس: مات رباني هذه الأمة. وقد ذكرنا اشتقاقه قبل. (بما كنتم تعلمون الكتاب) أي: القرآن (وبما كنتم تدرسون) أي: الفقه. ومن قرأ بالتشديد أراد: تعلمونه لسواكم. فيفيد أنهم يعلمون ويعلمون غيرهم. والتخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين. ودخلت الباء في قوله (بما كنتم تعلمون) لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يريد كونوا معلمي الناس بعلمكم، كما يقال: أنفقوهم بمالكم، أو يريد: كونوا ربانيين في علمكم ودراستكم. ووقعت الباء موقع في. أو يريد كونوا ممن يستحق أن يطلق له صفة عالم بعلمه على جهة المدح، بأن تعملوا بما علمتم، وذلك أن الإنسان إنما يستحق الوصف لأنه عالم، إذا عمل بعلمه. ويدل عليه قوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء). (ولا يأمركم) أي: ولا يأمركم الله، عن الزجاج. وقيل: ولا يأمركم محمد، عن ابن جريج. وقيل: ولا يأمركم عيسى. ومن نصب الراء عطفه على أن يؤتيه الله فمعناه: ولا كان لهذا النبي أن يأمركم (أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) أي: آلهة، كما فعله الصابئون والنصارى (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ألف إنكار أصله الإستفهام، وإنما استعمل في الإنكار لأنه مما لو أقر به المخاطب، لظهرت فضيحته. فلذلك جاء على السؤال، وإن لم يكن الغرض تعرف الجواب ومعناه: إن الله تعالى إنما يبعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليدعوا الناس إلى الإيمان، فلا يبعث من يدعو المسلمين إلى الكفر. (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [ 81 ] فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [ 82 ]). القراءة: قرأ حمزة وحده: (لما آتيتكم) بكسر اللام. والباقون بفتحها. وقرأ نافع: (آتيناكم) على الجمع. والباقون: (آتيتكم) على التوحيد. الحجة: الوجه في قراءة حمزة (لما آتيتكم) بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ،

[ 333 ]

كأن المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا. ويكون (ما) على هذا موصولة. والعائد إلى الموصول من الجملة المعطوفة على صلته، وهي قوله: (جاءكم رسول مصدق لما معكم) مظهر بمنزلة المضمر، وهي قوله: (ما معكم)، لأنه بمنزلة ما أوتوه من الكتاب والحكمة. فهذا يكون مثل قوله: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) لأنه في معنى لا يضيع أجرهم. ويجوز أن يكون (ما) على هذه القراءة حرفا، فيكون بمعنى المصدر. قال أبو علي: ومن فتح اللام فقال: (لما آتيتكم) فإن (ما) فيه يحتمل تأويلين أحدهما: أن يكون موصولة والآخر: أن يكون للجزاء. فمن قدر (ما) موصولة فالقول فيما يقتضيه قوله: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) من الراجع إلى الموصول، ما تقدم ذكره في قراءة حمزة. وأما الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى، فالضمير المحذوف من الصلة، تقديره: لما آتيتكموه. واللام في (لما) فيمن قدر (ما) موصولة: لام ابتداء، وهي المتلقية لما أجري مجرى القسم من قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) وموضع (ما) رفع بالإبتداء. والخبر (لتؤمنن به) ولتؤمنن: متعلق بقسم محذوف. والمعنى: والله لتؤمنن به. والذكر الذي في (به) يعود إلى الذي آتيتكموه الذي هو المبتدأ، ونحوه قولك: لعبد الله، والله لتأتينه. والذكر الذي في (لتنصرنه) يعود إلى رسول الله المتقدم ذكره. وإذا قدرت (ما) للجزاء كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم. وآتيتكم في موضع جزم بالشرط. وجاءكم في موضع جزم بالعطف، على (آتيتكم). واللام الداخلة على (ما) لا يكون المتلقية للقسم، ولكن يكون بمنزلة اللام في لئن لم ينته المنافقون. والمتلقية قوله: (لتؤمنن به) كما أنها في قوله: (لئن لم ينته المنافقون) قوله: (لنغرينك بهم). وهذه اللام الداخلة على (أن) لا يعتمد القسم عليه، فلذلك جاز حذفها تارة، وإثباتها تارة كما قال: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا) فيلحق هذه اللام إن مرة، ولا تلحق أخرى، كما أن (ان) كذلك في قوله: والله إن لو فعلت لفعلت، ووالله لو فعلت لفعلت. المعنى: لما تقدم ذكر النبيين، عقبه سبحانه بذكر نبينا، وما أخذ من عهده عليه أجمعين، فقال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) العامل في (إذ) محذوف، وتقديره واذكر إذ أخذ الله. وقيل: هو عطف على ما تقدم من قوله: (وإذ قالت

[ 334 ]

الملائكة) وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وقتادة أن الله أخذ ميثاق على الأنبياء قبل نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشرهم به، ويأمرهم بتصديقه. وقال طاووس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء " عليهم السلام على الأول والآخر، فأخذ الله ميثاق الأول لتؤمنن بما جاء به الآخر. وقال الصادق: تقديره وإذ أخذ الله ميثلق أمم النبيين، بتصديق نبيها، والعمل بما جاءهم به، وأنهم خالفوهم فيما بعد، وما وفوا به، وتركوا كثيرا من شريعته، وحرفوا كثيرا منها. وقوله: (لما آتيتكم) بفتح اللام إذا كانت (ما) موصولة فتقديره للذي آتيتكموه أي: أعطيتكموه (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول) أي: نبي. وقيل: يعني محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (مصدق لما معكم) أي: لما آتيتكم من الكتب. (لتؤمنن به) أي: لتؤمنن بالرسول ولتنصره، أو يريد: لتؤمنن بالذي آتيتكموه، ولتنصرن الرسول. وعلى هذا يكون المعنى أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء، ليصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، ويكون النصرة بالتصديق والحجة، وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وطاووس. وإذا كانت (ما) للجزاء فتقديره: أي شئ آتيتكم، ومهما آتيتكم من كتاب، لتؤمنن. فالشرط: إيتاؤه إياهم الكتاب والحمة، ومجئ الرسول. والجزاء: القسم والمقسم عليه، وهو قوله (لتؤمنن به) فأغنى جواب القسم عن الجزاء، كقوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك). وقوله (من كتاب) (من) هذه لتبيين لما نحو قولك: ما عندك من ورق وعين، وهذا خاتم من فضة. ويكون على هذا تقديره: إن الله تعالى قال لهم: مهما أوتيم كتابا وحكمة، ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب والحكمة، والله لتؤمنن به، ولتنصرنه. فأقروا بذلك، وأعطوا عليه مواثيقهم. وهذا أشبه بما ذكر أن الميثاق أخذ على الأنبياء ليأخذوا على أممهم بتصديق محمد إذا بعث، ويأمروهم بنصرته على أعدائه، إن أدركوه، وهو المروي عن علي وابن عباس وقتادة واسدي واختار أبوا علي الجبائي، وأبوا مسلم، ويكون معنى قوله: (جاءكم) جاء أممكم وأتباعكم. وإنما خرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم. ومن قرأ (لما آتيتكم) بكسر اللام. فالمعنى أخذ الله ميثاقهم لما أتوه أي: لأجل ما أوتوه من الكتاب والحكمة، ولأنهم الأفاضل، وخيار الناس. ويكون اللام للتعليل، فيقضي أن يكون الإيتاء سابقا لأخذ

[ 335 ]

الميثاق. وقوله (لتؤمنن): متعلق بأخذ الميثاق، وهو في الحاصل راجع إلى معنى الشرط والجزاء. وقوله: (ولتنصرنه) أي: البشارة للأمم به قال، أي: قال الله لأنبيائه: (أأقررتم) به وصدقتموه (وأخذتم على ذلك إصري) معناه: وقبلتم على ذلك عهدي، ونظيره: (فإن أوتيتم هذا فخذوه). وقيل: معناه وأخذتم العهد بذلك على أممكم (قالوا) أي: قال الأنبياء وأممهم (أقررنا) بما أمرتنا بالإقرار به (قال) الله (فاشهدوا) بذلك على أممكم (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم، وعلى أممكم، عن علي. وقيل: فاشهدوا أي: فاعلموا ذلك أنا معكم أعلم، عن ابن عباس. وقيل: معناه ليشهد بعضكم على بعض. وقيل: قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم. فيكون ذلك كناية عن غير مذكور، عن سعيد بن المسيب. وهذه الآية من مشكلات آيات القرآن، وقد غاص النحويون في وجوه إعرابها وتحقيقها، وشقوا الشعر في تدقيقها، ولا تراها في موضع أوجز لفظا، وأكثر فائدة، وأشد تهذيبا مما ذكرته هنا، وبالله التوفيق. (فمن تولى بعد ذلك) أي: فمن أعرض عن الإيمان بمحمد بعد هذه الدلالات والحجج، وبعد أخذ الميثاق على النبيين الذين سبق ذكرهم، والمقصود بهذه الأمم دون النبيين، لأنه قد مضى أزمانهم، وجاز ذلك، لأن أخذ الميثاق على النبيين يتضمن الأخذ على أممهم. وقد روي عن علي " عليه السلام " أنه قال: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمدا وهو حي، ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه. (فأولئك هم الفاسقون) ولم يقل الكافرون، لأن المراد الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتب الكفر، بتمردهم، وذلك أن أصل الفسق: الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه. وفي الكفر ما هو أكبر، وما هو أصغر بالإضافة إليه. (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون [ 83 ] قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتى

[ 336 ]

موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ 84 ] ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين [ 85 ]). القراءة: قرأ أبوا عمرو: (يبغون) بالياء، (وإليه ترجعون) بالتاء مضمومة. وقرأ بالياء فيهما ابن عباس وحفص ويعقوب وسهل. والباقون بالتاء فيهما جميعا. الحجة: من قرأ بالتاء فيهما فلأن أول الآية خطاب للنبي. ومن قرأ بالياء فعلى تقدير: قل لهم أفغير دين الله يبغون. فجاء على لفظ الغيبة، لأنهم غيب. وقد تقدم القول في يرجعون وترجعون. الاعراب: (أفغير دين الله يبغون): عطف جملة على جملة، كما لو قيل: أو غير دين الله يبغون، إلا أن الفاء رتبت، فكأنه قيل: أبعد تلك الآيات غير دين الله يبغون. و (طوعا وكرها): مصدران وقعا مصدر الحال، وتقديره: طائعين وكارهين، كما يقال: أتاني ركضا أي: راكضا. ولا يجوز أن تقول: أتاني كلاما أي: متكلما، لأن الكلام ليس بضرب من الإتيان. والركض: ضرب منه. النزول: عن ابن عباس قال: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه، فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم ! فغضبوا وقالوا: والله مانرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله (أفغير دين الله يبغون). المعنى: لما بين سبحانه بطلان اليهودية، وسائر الملل غير الإسلام، بين عقيبه أن من يبتغي غير دينه فهو ضال، لا يجوز القبول منه فقال: (أفغير دين الله يبغون) أي: أفبعد هذه الآيات والحجج، يطلبون دينا غير دين الله (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) قيل فيه أقوال: أحدها: إن معناه أسلم من في السماوات والأرض بحاله الناطقة عنه، الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليه، عن ابن عباس وثانيها: أسلم أي: أقر بالعبودية، وإن كان فيهم من أشرك بالعبادة، كقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ومعناه: ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الإقرار له بالربوبية ليتنبهوا على

[ 337 ]

ما فيه من الدلالة، عن مجاهد، وأبي العالية وثالثها: أسلم المؤمن طوعا وكرها، والكافر كرها عند موته، كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) عن قتادة، واختاره البلخي، ومعناه التخفيف لهم من التأخير عما هذه سبيله ورابعها: إن معناه استسلم له بالإنقياد والذكر (1) كقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا، عن الشعبي والجبائي والزجاج. وخامسها: إن معناه أكرم أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين، عن الحسن، وهو المروي عن أبي عبد الله، قال: كرها أي: فرقا من السيف. وقال الحسن والمفضل: الطوع لأهل السماوات خاصة. وأما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا، ومنهم من أسلم كرها. (وليه ترجعون) أي: إلى جزائه تصيرون، فبادروا إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام. (قل آمنا بالله) خطاب للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمر له بأن يقول عن نفسه، وعن أمته: آمنا بالله. (وما أنزل علينا) الآية. كما يخاي ب رئيس قوم بأن يقول عن نفسه، وعن رعيته. وقد سبق معنى الآية في سورة البقرة. فإن قيل: ما معنى قوله (ونحن له مسلمون) بعد ما سبق من الإقرار بالإيمان على التفصيل ؟ قلنا: معناه ونحن له مسلمون بالطاعة والإنقياد في جميع ما أمر به، ونهى عنه. وأيضا فإن أهل الملل المخالفة للإسلام، كانوا يقرون كلهم بالإيمان، ولكن لم يقروا بلفظ الإسلام. فلهذا قال: (ونحن له مسلمون). (ومن يبتغ غير الإسلام) أي: يطلب (دينا) يدين به (فلن يقبل منه) بل يعاقب عليه. ويدل عليه قوله: (وهو في الآخرة من الخاسرين) أي: من الهلكين، لأن الخسران ذهاب رأس المال. وفي هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا، يقبل منه. فدل ذلك على أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وهي عبارات من معبر واحد. (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين [ 86 ] أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [ 87 ] خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون [ 88 ] إلا من بعد ذلك وأصلحوا

________________________________________

(1) وفي بعض النسخ الخطية: " المذلة " بدل " الذكر "، وهو الظاهر، وفي التبيان: " الذلة ". (*)

[ 338 ]

فإن الله غفور رحيم [ 89 ]). اللغة: الخلود في اللغة: طول المكث، ولذلك يقال: خلد فلان في السجن. وقيل للأثافي خوالد ما دامت في مواضعها. وإذا زالت لا يسمى خوالد. والفرق بين الخلود والدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك: خلد فلان في الحبس، ولا يقتضي ذلك الدوام. ولذلك وصف سبحانه بالدوام دون الخلود، إلا أن خلود الكفار المراد به التأييد، بلا خلاف بين الأمة. والإنطار: التأخير للعبد لينظر في أمره. والفرق بينه وبين الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. الاعراب: (كيف) أصله الإستفهام، والمراد به هنا الإنكار، لأنه لا تقع هذه الهداية من الله أي: لا يهديهم الله كقوله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) أي: لا يكون، قال الشاعر: * كيف نوما على الفراش، ولما * يشمل الشام غارة شعواء (1) * وإنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الإستفهام، لأن المسؤول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز إقامة البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار. وإنما عطف قوله (شهدوا) وهو فعل على إيمانهم، وهواسم، لأن الإيمان مصدر، والمراد به الفعل. والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. و (أجمعين): تأكيد للناس. ودخلت الفاء في قوله: (فإن الله غفور رحيم) لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن اللهيغفر لهم. ولا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين، لأن (الذين) في موضع نصب بالإستثناء من الجملة التي هي قوله (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله). ولا يحمل على المنقطع مع حسن الإتصال، لأنه الأصل في الكلام، والأسبق إلى الأفهام. النزول: قيل: نزلت الآيات في رجل من الأنصار، يقال له: حارث بن سويد بن الصامت. وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": هل

________________________________________

(1) غارة شعواء: متفرقة ممتدة. (*)

[ 339 ]

لي من توبة ؟ فسألوا. فنزلت الآية إلى قوله (إلا الذين تابوا) فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إني لأعلم أنك لصدوق، ورسول الله أصدق منك، وأن الله أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة، وتاب، وحسن إسلامه، عن مجاهد والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه، ثم كفروا بعد البعثة، حسدا وبغيا، عن الحسن والجبائي وأبي مسلم. المعنى: لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة، بين حال من خالفه فقال: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) فيه وجوه أحدها: إن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم، والثناء عليهم، وقد كفروا بعد إيمانهم. وثانيها: إنه على طريق التبعيد، كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته ؟ أي: لا طريق يهديهم به إلى الإيمان، إلا من الوجه الذي هداهم به، وقد تركوه، ولا طريق غيره. وثالثها: إن المراد: كيف يهديهم الله إلى الجنة، ويثيبهم والحال هذه. وقوله: (وشهدوا أن الرسول حق) عطف على قوله (بعد إيمانهم) دون قوله (كفروا)، وتقديره بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول حق. (وجاءهم البينات) أي: البراهين والحجج. وقيل: القرآن. وقيل: جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي: لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك النهتدين، ولا يثيبهم، ولا يهديهم إلى طريق الجنة، لأن المراد الهداية المختصة بالمهتدين، دون الهداية العامة المرادة في قوله (وأما ثمود فهديناهم). والمراد بالإيمان هاهنا: إظهار الإيمان دون الإيمان الذي يستحق به الثواب، وليس في الآية ما يدل على أنهم قد كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين الثواب، فزال ذلك بالكفر. فلا متعلق للمخالف به (أولئك جزاؤهم) على أعمالهم (أن عليهم لعنة الله) وهي: إبعاده إياهم من رحمته ومغفرته (والملائكة والناس أجمعين) وهي: دعاؤهم عليهم باللعنة، وبأن يبعدهم الله من رحمته (خالدين فيها) أي: في اللعنة لخلودهم فيما استحقوا باللعنة، وهو العذاب (لا يخفف عنهم العذاب) ولا يسهل عليهم (ولا هم ينظرون) أي ولا يمهلون للتوبة ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر، ونما نفى إنظارهم للتوبة والإنابة، لما علم من حالهم، أنهم لا ينيبون ولا يتوبون،

[ 340 ]

كما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) على أن التبقية ليست بواجبة، وإن علم أنه لو أبقاه لتاب وأناب عند أكثر المتكلمين. (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) أي: تابوا من الكفر، ورجعوا إلى الإيمان، وأصلحوا ضمائرهم، وعزموا على أن يثبتوا على الإسلام. وهذا أحسن من قول من قال وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة، وصلوا وصاموا، فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة. إذ لو مات قبل فعل الصالحات، مات مؤمنا بالإجماع (فإن الله غفور) يغفر ذنوبهم (رحيم) يوجب الجنة لهم. وذكر المغفرة دليل على أن إسقاط العقاب بالتوبة تفضل منه سبحانه، وأن ما لا يجوز تعليقه بالمغفرة، وأن ما يعلق بالمغفرة، ما يكون له المؤاخذة به. (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون [ 90 ]). النزول: قيل: نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، عن الحسن. وقيل: نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد والقرآن، عن قتادة وعطاء. وقيل: نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع الحرث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحرث. فلما افتتح رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة، دخل في الإسلام من دخل منهم، فقبلت توبته، فنزل في من مات منهم كافرا: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) الآية. المعنى: لما تقدم ذكر التوبة المقبولة، عقبه الله بما لا يقبل منها، فقال: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا) قد ذكرنا الإختلاف في سبب نزوله، وعلى ذلك يدور معناه. وقيل: كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا إلى كفرهم (لن تقبل توبتهم) لأنها لم تقع على وجه الإخلاص، ويدل عليه قوله (وأولئك هم الضالون). ولو حققوا في التوبة لكانوا مهتدين. وقيل: لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس، لأنها تكون في حال الإلجاء، ومعناه: إنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة، عن الحسن وقتادة والجبائي. وقيل: لأنها أظهرت الإسلام تورية، فأطلع

[ 341 ]

الله تعالى رسوله على سرائرهم، عن ابن عباس. وقد دل السمع على وجوب قبول التوبة إذا حصلت شرائطها، عليه إجماع الإمة (وأولئك هم الضالون) عن الحق والصواب. وقيل: الهالكون المعذبون. (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 91 ]). اللغة: المل ء: أصله الملأ، وهو تطفيح الإناء. ومنه الملأ: الأشراف، لأنهم يملأون العين هيبة وجلالة. ومنه رجل ملئ بالأمر، وهو أملأ به من غيره. فالمل ء: اسم للمقدر الذي يملأ. والملؤ: المصدر. والفدية: البدل من الشئ في إزالة الأذية، ومنه فداء الأسير، لأنه بدل في إزالة القتل، والأسر عنه. إذا كسر مد، وإذا فتح قصر، تقول: فدى لك، أو فداء لك. ويجوز قصر هذا الممدود للضرورة. والإفتداء: افتعال من الفدية. الاعراب: (ذهبا): منصوب على التمييز، وإنما استحق النصب لاشتغال العامل بالإضافة، أو ما عاقبها من النون الزائدة، فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل. وقوله (ولو افتدى به) قال الفراء: هذه الواو زائدة، وغلطه الزجاج، لأن الكلام إذا أمكن حمله على فائدة، يحمل عليها، ولا يحمل على الزيادة. وقال: إذا دخلت الواو في مثل هذا كان أبلغ في التأكيد، كقولك: لا آتيك وإن أعطيتني، لأنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الإجمال. ولو جعلنا الواو زائدة، لأوهم ذلك أنه لا يقبل منه مل ء الأرض ذهبا في الإفتداء، ويقبل في غيره. المعنى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) أي: على كفرهم (فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا) أي: مقدار ما يملأ الأرض من الذهب (ولو افتدى به) بذله عوضا. ومعناه: إن الكافر الذي يعتقد الكفر، وإن أظهر الإيمان، لا ينفعه الإنفاق بمعنى أنه لا يوجب له الثواب. وقيل: معناه انه لا يقبل منه في الآخرة لو وجد إليه السبيل. قال قتادة: يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك مل ء الأرض ذهبا، لكنت تفتدي به ؟ فيقول: نعم. فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك فلم تفعل ! ورواه أيضا أنس عن النبي (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من

[ 342 ]

ناصرين) قد ذكرنا معناه. (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم [ 92 ]). اللغة: البر: أصله من السعة. ومنه البر: خلاف البحر. والفرق بين البر والخير: أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك. والخير يكون خيرا، وإن وقع عن سهو. وضد البر: العقوق. وضد الخير: الشر. المعنى: (لن تنالوا البر) أي: لن تدركوا بر الله تعالى بأهل طاعته. واختلف في البر هنا فقيل: هو الجنة، عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: هو الطاعة والتقوى، عن مقاتل وعطاء. وقيل: معناه لن تكونوا أبرارا أي: صالحين أتقياء، عن الحسن (حتى تنفقوا مما تحبون) أي: حتى تنفقوا المال. وإنما كني بهذا اللفظ عن المال، لأن جميع الناس يحبون المال. وقيل: معناه ما تحبون من نفائس أموالكم، دون أرذالها. كقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وقيل: هو الزكاة الواجبة، وما فرضه الله في الأموال، عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات، عن مجاهد وجماعة. وقد روي عن أبي الطفيل قال: اشترى علي " عليه السلام " ثوبا فأعجبه، فتصدق به، وقال: سمعت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنة (1)، ومن أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم القيامة: قد كان العباد يكافؤون فيما بينهم بالمعروف، وأنا أكافيك اليوم بالجنة ". وروي أن أبا طلحة قسم حائطا له في أقاربه عند نزول هذه الآية، وكان أحب أمواله إليه، فقال له رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " بخ بخ ذلك مال رابح لك ". وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أسامة بن زيد، فكأن زيدا وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدق به ! فقال رسول الله: أما إن الله قد قبلها منك. وأعتق ابن عمر جارية كان يحبها، وتلا هذه الآية، وقال: لولا أني لا أعود في شئ جعلته لله تعالى لنكحتها.

________________________________________

(1) [ وقيل: هو الثواب في الجنة ]. (*)

[ 343 ]

وأضاف أبو ذر الغفاري ضيفا، فقال للضيف: إني مشغول، وإن لي إبلا، فاخرج وأتني بخيرها. فذهب فجاء بناقة مهزولة، فقال له أبو ذر: خنتني بهذه. فقال: وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه. فقال أبو ذر: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وقال أبو ذر: في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمرك (1) أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت. والوارث ينتظرك أن تضع رأسك، ثم يستاقها، وأنت ذميم. وأنت الثالث: فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن، إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وإن هذا الجمل كان مما أحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي. وقال بعضهم: دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال: (لن تنالوا البر) أي: بري بكم، إلا ببركم بإخوانكم، والإنفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون، فإذا فعلتم ذلك، نالكم بري وعطفي. (وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم) جاء بالفاء على جواب الشرط، وإن كان الله يعلم ذلك على كل حال. وفيه وجهان أحدها: إن تقديره: وما تنفقوا من شئ فإن الله يجازيكم به، قل أو كثر، لأنه عليم لا يخفى عليه شئ منه. والآخر: إن تقديره: فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها. فإن قيل: كيف قال سبحانه (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) والفقير ينال الجنة، وإن لم ينفق ؟ قيل: الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق، وهو مقيد بالإمكان. وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب. والأولى أن يكون المراد: لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه، حتى تنفقوا مما تحبون. وروي عن ابن عمر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سئل عن هذه الآية فقال: " هو أن ينفق العبد المال وهو شحيح يأمل الدنيا، ويخاف الفقر ". النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى (لن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا) وصل ذلك بقوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا) لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة، وما جرى مجراها من وجوه الطاعة.

________________________________________

(1) أي: لا يستشيرك. (*)

[ 344 ]

(كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [ 93 ] فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون [ 94 ]). اللغة: الإفتراء: اقتراف الكذب، وأصله قطع ما قدر من الأديم (1) يفريه فريا: إذا قطعه. وعلى: للإستعلاء ومعناه هنا: إضافة الكذب إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من جهة أنه أمر بما لم يأمر به الله، وأوجب ما لم يوجبه الله. وفرق بين من كذب عليه، وكذب له، لأن من كذب عليه يفيد أنه ككذب فيما يكرهه، وكذب له يجوز أن يكون فيما يريده. النزول: أنكر اليهود تحليل النبي لحوم الإبل، فقال: كل ذلك كان حلا لإبراهيم. فقالت اليهود: كل شي تحرمه فإنه محرم على نوح وإبراهيم وهلم جرا، حتى انتهى إلينا. فنزلت الآية، عن الكلبي وأبي روق. المعنى: (كل الطعام) أي: كل المأكولات (كان حلا) أي: كان حلالا (لبني إسرائيل) وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (إلا ما حرم إسرائيل) أي: يعقوب (على نفسه) اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: إن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق، ولحوم الإبل، وهو أحب الطعام إليه، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. وقيل: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى، وسأل الله أن يجيز له. فحرم الله ذلك على ولده، عن الحسن. وقيل، حرم زائدتي الكبد، والكليتين، والشحوم، إلا ما حملته الظهور، عن عكرمة. واختلف في أنه كيف حرمه على نفسه فقيل: بالإجتهاد. وقيل: بالنذر. وقيل: بنص ورد عليه. وقيل: حرمه كما يحرمه المستظهر في دينه من الزهاد، اللذة على نفسه (من قبل أن تنزل التوراة) معناه: إن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل، قبل أن تنزل التوراة على موسى، فإنها تضمنت تحريم بعض ما كان حلالا لبني إسرائيل. واختلفوا فيما حرم عليهم، وحالها بعد نزول التوراة، فقيل: إنه حرم

________________________________________

(1) [ يقال فرى الأديم ]. (*)

[ 345 ]

عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب " عليه السلام " عن السدي. وقيل: لم يحرم الله عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا، وصب عليهم رجزا من الموت، وذلك قوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) عن الكلبي. وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة، وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله تعالى، عن الضحاك. فكذبهم الله وقال (قل) يا محمد: (فأتوا بالتوراة فاتلوها) حتى يتبين أنه كما قلت، لا كما قلتم (إن كنتم صادقين) في دعواكم. فاحتج عليهم بالتوراة، وأمرهم بالإتيان بها، وإن لم يقرأوا ما فيها. فإن كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء وإنما حرمها إسرائيل، فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وبكذبهم. وكان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير تعلم التوراة وقراءتها. (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك) أي: فمن افترى الكذب على الله تعالى من بعد قيام الحجة، وظهور البينة. (فأولئك) هم المفترون على الله الكذب، و (هم الظالمون) لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم. وإنما قال (من بعد ذلك)، مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله على كل حال، لأنه أراد بيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه، من كذب فيما ليس بمحجوج فيه، جرى مجرى الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه. النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها تفصيل للجملة المتقدمة، فإنه ذكر الترغيب في الإنفاق من المحبوب والطعام مما يجب، فرغب فيه، وذكر حكمه، عن علي بن عيسى. وقيل: إنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم، وكان فيما أنكروا على نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " تحليل لحم الجزور، وادعوا تحريمه على إبراهيم " عليه السلام "، وأن ذلك مذكور في التوراة، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم.. (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [ 95 ]). اللغة: الإتباع: لحاق الثاني بالأول لما به من التعلق فالقوة للأول، والثاني يستمد منه. والتابع: ثان متدبر بتدبير الأول، متصرف بتصرفه في نفسه. وأصل

الصفحة السابقة الصفحة التالية