الصفحة التالية

تفسير الميزان

السيد الطباطبائي

الجزء السادس عشر

[صفحة 1 ]

الميزان في تفسير القرآن 16

[صفحة 3 ]

تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره

[صفحة 4 ]

الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره الجزء السادس العشر منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[صفحة 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة القصص مكيه، وهى ثمان وثمانون آيه)

بسم الله الرحمن الرحيم.

طسم - 1. تلك آيات الكتاب المبين - 2. نتلوا عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يومنون - 3. ان فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفه منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم انه كان من المفسدين - 4. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - 5. ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون - 6. وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافى ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين - 7. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين - 8. وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون - 9. وأصبح

[صفحة 6 ]

فؤاد أم موسى فارغا ان كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين - 10. وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون - 11. وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون - 12. فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون - 13. ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين - 14. (بيان) غرض السوره الوعد الجميل للمؤمنين وهم بمكة قبل الهجرة شرذمة قليلون يستضعفهم فراعنة قريش وطغاتها واليوم يوم شدة وعسرة وفتنة بأن الله سيمن عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم ويرى طغاة قومهم منهم ما كانوا يحذرون يقص تعالى للمؤمنين من قصة موسى وفرعون أنه خلق موسى في حين كان فرعون في أوج قدرته يستضعف بنى اسرائيل يذبح ابناءهم ويستحيى نساءهم فرباه في حجر عدو، حتى إذا استوى وبلغ أشده نجاه وأخرجه من بينهم إلى مدين ثم رده إليهم رسولا منه بسلطان مبين حتى اذاأغرق فرعون وجنوده أجمعين وجعل بنى اسرائيل هم الوارثين وأنزل التوراة على موسى هدى وبصائر للمؤمنين. وعلى هذا المجرى يجرى حال المؤمنين وفيه وعد لهم بالملك والعزة والسلطان ووعد للنبى ص برده إلى معاد. وانتقل من القصة إلى بيان أن من الواجب في حكمة الله أن ينزل كتابا من عنده للدعوة الحقة ثم ذكر طعنهم في دعوة القرآن بقولهم: لولا أوتى مثل ما أوتى موسى

[صفحة 7 ]

والجواب عنه، وتعللهم عن الايمان بقولهم: ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا والجواب عنه وفيه التمثل بقصة قارون وخسفه. والسورة مكية كما يشهد بذلك سياق آياتها، وما أوردناه من الايات فصل من قصة موسى وفرعون من يوم ولد موسى إلى بلوغه أشده. قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب المبين) تقدم الكلام فيه في نظائره. قوله تعالى: (نتلوا عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) (من) للتبعيض و (بالحق) متعلق بقوله: (نتلو) أي نتلو تلاوة متلبسة بالحق فهو من عندنا وبوحى منا من غير أن يداخل في القائه الشياطين، ويمكن أن يكون متعلقا بنبأ أي حال كون النبأ الذى نتلوه عليك متلبسا بالحق لا مرية فيه. وقوله: (لقوم يؤمنون) اللام فيه للتعليل وهو متعلق بقوله: (نتلو) أي نتلو عليك من نبأهما لاجل قوم يؤمنون بآياتنا. ومحصل المعنى: نتلو عليك بعض نبا موسى وفرعون تلاوة بالحق لاجل أن يتدبر فيه هؤلاء الذين يؤمنون بآياتنا ممن اتبعوك وهم طائفة أذلاء مستضعفون في أيدى فراعنة قريش وطغاة قومهم فيتحققوا أن الله الذى آمنوا به وبرسوله وتحملوا كل أذى في سبيله هو الله الذى أنشأ موسى ع لاحياء الحق وانجاء بنى اسرائيل واعزازهم بعد ذلتهم هاتيك الذلة يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم وقد علا فرعون وأنشب فيهم مخالب قهره وأحاط بهم بجوره. أنشأه والجو ذلك الجو المظلم الذى لا مطمع فيه فرباه في حجر عدوه ثم أخرجه من مصر ثم أعاده إليهم بسلطان فأنجا به بنى اسرائيل وأفنى بيده فرعون وجنوده وجعلهم أحاديث وأحلاما. فهو الله جل شأنه يقص على نبيه قصتهم ويرمز له ولهم بقوله: (لقوم يؤمنون) أنه سيفعل بهؤلاء مثل ما فعل باولئك ويمن على هؤلاء المستضعفين ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين حذو ما صنع ببنى اسرائيل. قوله تعالى: (ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم) الخ، العلو في الارض كناية عن التجبر والاستكبار، والشيع جمع شيعة وهى

[صفحة 8 ]

الفرقة، قال في المجمع: الشيع: الفرق وكل فرقة شيعة وسموا بذلك لان بعضهم يتابع بعضا.

انتهى.

وكأن المراد بجعل أهل الارض - وكأنهم أهل مصر واللام للعهد - فرقا القاء الاختلاف بينهم لئلا يتفق كلمتهم فيثوروا عليه ويقلبوا عليه الامور على ما هو من دأب الملوك في بسط القدرة وتقوية السلطة، واستحياء النساء ابقاء حياتهن.

ومحصل المعنى: أن فرعون علا في الارض وتفوق فيها ببسط السلطة على الناس وانفاذ القدرة فيهم وجعل أهلها شيعا وفرقا مختلفة لا تجتمع كلمتهم على شئ وبذلك ضعف عامة قوتهم على المقاومة دون قوته والامتناع من نفوذ ارادته.

وهو يستضعف طائفه منهم وهم بنو اسرائيل وهم أولاد يعقوب (عليه السلام) وقد قطنوا بمصر منذ أحضريوسف (عليه السلام) أباه واخوته وأشخصهم هناك فسكنوها وتناسلوا بها حتى بلغوا الالوف.

وكان فرعون هذا وهو ملك مصر المعاصر لموسى (عليه السلام) يعاملهم معاملة الاسراء الارقاء ويزيد في تضعيفهم حتى بلغ من استضعافه لهم أن أمر بتذبيح أبنائهم واستبقاء نسائهم وكان فيه افناء رجالهم بقتل الابناء الذكور وفيه فناء القوم.

والسبب في ذلك أنه كان من المفسدين في الارض فان الخلقة العامة التى أوجدت الانسان لم يفرق في بسط الوجود بين شعب وشعب من الشعوب الانسانية ثم جهز الكل بما يهديهم إلى حياة اجتماعية بالتمتع من أمتعة الحياة الارضية ولكل ما يعادل قيمته في المجتمع وما يساوى زنته في التعاون.

هذا هو الاصلاح الذى يهتف به الصنع والايجاد، والتعدى عن ذلك بتحرير قوم وتعبيد آخرين وتمتيع شعب بما لا يستحقونه وتحريم غيرهم ما يصلحون له هو الافساد الذى يسوق الانسانية إلى البيد والهلاك.

وفى الاية تصوير الظرف الذى ولد فيه موسى (عليه السلام) وقد أحدقت الاسباب المبيدة لبنى اسرائيل على افنائه.

قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض إلى قوله - ما كانوا يحذرون) الاصل في معنى المن - على ما يستفاد من كلام الراغب - الثقل ومنه تسمية ما يوزن به منا، والمنة النعمة الثقيلة ومن عليه منا أي أثقله بالنعمة.

قال: ويقال

[صفحة 9 ]

ذلك على وجهين أحدهما بالفعل كقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا) أي نعطيهم من النعمة ما يثقلهم والثانى بالقول كقوله: (يمنون عليك أن أسلموا) وهو مستقبح الا عند كفران النعمة.

انتهى ملخصا.

وتمكينهم في الارض اعطاؤهم فيها مكانا يملكونه ويستقرون فيه، وعن الخليل أن المكان مفعل من الكون ولكثرته في الكلام أجرى مجرى فعال.

فقيل: تمكن وتمسكن نحو تمنزل انتهى.

وقوله: (ونريد ان نمن) الخ الانسب أن يكون حالا من (طائفة) والتقدير يستضعف طائفة منهم ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا الخ وقيل: معطوف على قوله: (ان فرعون علا في الارض) والاول أظهر، و (نريد) على أي حال لحكاية الحال الماضية.

وقوله: (ونجعلهم أئمة) عطف تفسير على قوله: (نمن) وكذا ما بعده من الجمل المتعاقبة.

والمعنى: أن الظرف كان ظرف علو فرعون، وتفريقه بين الناس واستضعافه لبنى اسرائيل استضعافا يبيدهم ويفنيهم والحال أنا نريد أن ننعم على هؤلاء الذين استضعفوا من كل وجه نعمة تثقلهم وذلك بأن نجعلهم أئمة يقتدى بهم فيكونوا متبوعين بعد ما كانوا تابعين، ونجعلهم الوارثين لها بعد ما كانت بيد غيرهم ونمكن لهم في الارض بأن نجعل لهم مكانا يستقرون فيه ويملكونه بعد ما لم يكن لهم من المكان الا ما أراد غيرهم أن يبوءهم فيه ويقرهم عليه، ونرى فرعون وهو ملك مصر وهامان وهو وزيره وجنودهما منهم أي من هؤلاء الذين استضعفوا ما كانوا يحذرون وهو أن يظهروا عليهم فيذهبوا بملكهم ومالهم وسنتهم كما قالوا في موسى وأخيه لما أرسلا إليهم: (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) طه: 63.

والاية تصور ما في باطن هذا الظرف الهائل الذى قضى على بنى اسرائيل أن لا يعيش منهم متنفس ولا يبقى منهم نافخ نار وقد أحاطت بهم قدرة فرعون الطاغية وملا أقطار وجودهم رعبه وهو يستضعفهم حتى يقضى عليهم بالبيد هذا ظاهر الامر وفى باطنه الارادة الالهية تعلقت بأن تنجيهم منهم وتحول ثقل النعمة من آل فرعون

[صفحة 10 ]

الاقوياء العالين إلى بنى اسرائيل الاذلاء المستضعفين وتبدل من الاسباب ما كان على بنى اسرائيل لهم وما كان لال فرعون عليهم والله يحكم لا معقب لحكمه.

قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم (إلى آخر الآية، الايحاء هو التكليم الخفى ويستعمل في القرآن في تكليمه تعالى بعض خلقه بنحو الالهام والالقاء في القلب كما في قوله: (بأن ربك أوحى لها) الزلزال: 5، وقوله: (وأوحى ربك إلى النحل) النحل: 68، وقوله في أم موسى:  (وأوحينا إلى أم موسى) الاية أو بنحو آخر كما في الانبياء والرسل، وفى غيره تعالى كما في قوله: (ان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) الانعام: 121، والالقاء الطرح، واليم البحر والنهر الكبير.

وقوله: (وأوحينا إلى أم موسى) في الكلام ايجاز بالحذف والتقدير وحبلت أم موسى به - والحال هذه الحال من الشدة والحدة - ووضعته وأوحينا إليها الخ.

والمعنى.

وقلنا بنوع من الالهام لام موسى لما وضعته: أرضعيه ما دمت لا تخافين عليه من قبل فرعون فإذا خفت عليه - أن يطلع عليه آل فرعون فيأخذوه ويقتلوه - فألقيه في البحر وهو النيل على ما وردت به الرواية ولا تخافى عليه القتل ولا تحزني لفقده ومفارقته اياك انا رادوه اليك بعد ذلك وجاعلوه من المرسلين فيكون رسولا إلى آل فرعون وبنى اسرائيل.

فقوله: (انا رادوه اليك) تعليل للنهى في قوله: (ولا تحزني) كما يشهد به أيضا قوله بعد: (فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن) والفرق بين الخوف والحزن بحسب المورد أن الخوف انما يكون في مكروه محتمل الوقوع والحزن في مكروه قطعي الوقوف.

قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) الالتقاط اصابة الشئ وأخذه من غير طلب، ومنه اللقطة واللام في قوله: (ليكون لهم عدوا وحزنا) للعاقبة - على ما قيل - والحزن بفتحتين والحزن بالضم فالسكون بمعنى واحد كالسقم والسقم، والمراد بالحزن سبب الحزن فاطلاق الحزن عليه مبالغة في سببيته لحزنهم.

[صفحة 11 ]

والخاطئين اسم فاعل من خطئ يخطأ خطأ كعلم يعلم علمأ كما أن المخطئ اسم فاعل من أخطأ يخطئ اخطاء، والفرق بين الخاطئ والمخطئ على ما ذكره الراغب أن الخاطئ يطلق على من أراد فعلا لا يحسنه ففعله قال تعالى: (ان قتلهم كان خطأ كبيرا)، وقال: (وان كنا لخاطئين)، والمخطئ يستعمل فيمن أراد فعلا يحسنه فوقع منه غيره واسم مصدره الخطأ بفتحتين، قال تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ) النساء: 92، والمعنى الجامع هو العدول عن الجهة.

انتهى ملخصا.

فقوله: (ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) أي فيما كانوا يفعلونه في أبناء بنى اسرائيل وموسى تحذرا من انهدام ملكهم وذهاب سلطانهم بيدهم ارادة لتغيير المقادير عن مجاريها فقتلوا الجم الغفير من الابناء ولا شأن لهم في ذلك وتركوا موسى حيث التقطوه وربورهم في حجورهم وكان هو الذى بيده انقراض دولتهم وزوال ملكهم.

والمعنى: فأصابه آل فرعون وأخذوه من اليم وكان غاية ذلك أن يكون لهم عدوا وسبب حزن ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين في قتل الابناء وترك موسى: أرادوا أن يقضوا على من سيقضى عليهم فعادوا يجتهدون في حفظه ويجدون في تربيته.

وبذلك يظهر أن تفسير بعضهم كونهم خاطئين بأنهم كانوا مذنبين فعاقبهم الله ان ربى عدوهم على أيديهم ليس بسديد.

قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (شفاعة من امرأة فرعون وقد كانت عنده حينما جاؤا إليه بموسى - وهو طفل ملتقط من اليم - تخاطب فرعون بقوله: (قرة عين لى ولك) أي هو قرة عين لنا (لا تقتلوه) وانما خاطب بالجمع لان شركاء القتل كانوا كثيرين من سبب ومباشر وآمر ومأمور.

وانما قالت ما قالت لان الله سبحانه ألقى محبة منه في قلبها فعادت لا تملك نفسها دون أن تدفع عنه القتل وتضمه إليها، قال تعالى فيما يمن به على موسى ع: (وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى) طه.

39.

[صفحة 12 ]

وقوله: (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) قالته لما رأت في وجهه من آثار الجلال وسيماء الجذبة الالهية، وفى قولها: (أو نتخذه ولدا) دلالة على أنهما كانا فاقدين للابن.

وقوله: (وهم لا يشعرون) جملة حالية أي قالت ما قالت وشفعت له وصرفت عنه القتل والقوم لا يشعرون ماذا يفعلون وما هي حقيقة الحال وما عاقبته؟ قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ان كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) الابداء بالشئ اظهاره، والربط على الشئ شده وهو كناية عن التثبيت.

والمراد بفراغ فؤاد أم موسى فراغه وخلوه من الخوف والحزن وكان لازم ذلك أن لا يتوارد عليه خواطر مشوشة وأوهام متضاربة يضطرب بها القلب فيأخذها الجزع فتبدى ما كان عليها أن تخفيه من أمر ولدها.

وذلك أن ظاهر السياق أن سبب عدم ابدائها له فراغ قلبها وسبب فراغ قلبها الربط على قلبها وسبب الربط هو قوله تعالى لها فيما أوحى إليها: (لا تخافى ولا تحزني انا رادوه اليك) الخ.

وقوله: (ان كادت لتبدى به لولا) الخ، (ان) مخففة من الثقيلة أي انها قربت من أن تظهر الامر وتفشى السر لولا أن ثبتنا قلبها بالربط عليه، وقوله: (لتكون من المؤمنين) أي الواثقين بالله في حفظه فتصبر ولا تجزع عليه فلا يبدو أمره.

والمجموع أعنى قوله: (ان كادت لتبدى به) إلى آخر الاية في مقام البيان لقوله: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) ومحصل معنى الاية وصار قلب أم موسى بسبب وحينا خاليا من الخوف والحزن المؤديين إلى اظهار الامر، لولا أن ثبتنا قلبها بسبب الوحى لتكون واثقة بحفظ الله له لقربت من أن تظهر أمره لهم بالجزع عليه.

وبما تقدم يظهر ضعف بعض ما قيل في تفسير جمل الاية كقول بعضهم في (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) أي صفرا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوع الطفل في يد فرعون، وقول آخرين: أي فارغا من الوحى الذى أوحى إليها

[صفحة 13 ]

بالنسيان، وما قيل: أي فارغا من كل شئ الا ذكر موسى أي صار فارغا له فانها جميعا وجوه لا يحتمل شيئا منها السياق.

ونظير ذلك في الضعف قولهم: ان جواب لولا محذوف والتقدير لولا أن ربطنا على قلبها لا بدته وأظهرته، والوجه في تقديرهم ذلك ما قيل: ان لولا شبيهة بأدوات الشرط فلها الصدر ولا يتقدم جوابها عليها.

وقد تقدمت المناقشة فيه في الكلام على قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) يوسف: 24.

قوله تعالى: (وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) قال في المجمع: القص اتباع الاثر ومنه القصص في الحديث لانه يتبع فيه الثاني الاول.

وقال: ومعنى بصرت به عن جنب أبصرته عن جنابة أي عن بعد.

انتهى.

والمعنى: وقالت أم موسى لاخته اتبعى أثرموسى حتى ترين إلى م يؤل أمره فرأته عن بعد وقد أخذه خدم فرعون وهم لا يشعرون بأنها تقصه وتراقبه.

قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) التحريم في الاية تكويني لا تشريعي ومعناه جعله بحيث لا يقبل ثدى مرضع ويمتنع من ارتضاعها.

وقوله: (من قبل) أي من قبل حضورها هناك ومجيئها إليهم والمراضع جمع مرضعة كما قيل.

وقوله: (فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون) تفريع على ما تقدمه غير أن السياق يدل على أن هناك حذفا كأنه قيل: وحرمنا عليه المراضع غير أمه من قبل أن تجئ اخته فكلما أتوا له بمرضع لترضعه لم يقبل ثديها فلما جاءت اخته ورأت الحال قالت عند ذلك لا فرعون: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لنفعكم وهم له ناصحون؟ قوله تعالى: (فرددناه إلى امه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) تفريع على ما تقدمه مع تقدير ما يدل عليه السياق، والمحصل أنها قالت: هل أدلكم على أهل بيت كذا فأنعموا لها بالقبول فدلتهم على امه فسلموه إليها فرددناه إلى امه بنظم هذه الاسباب.

[صفحة 14 ]

وقوله: (كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم) الخ، تعليل للرد والمراد بالعلم هو اليقين بالمشاهدة فانها كانت تعلم من قبل أن وعد الله حق وكانت مؤمنة وانما أريد بالرد أن توقن بالمشاهدة أن وعد الله حق.

والمراد بوعد الله مطلق الوعد الالهى بدليل قوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي لا يوقنون بذلك ويرتابون في مواعده تعالى ولا تطمئن إليها نفوسهم، ومحصله أن توقع بمشاهدة حقية هذا الذى وعدها الله به أن مطلق وعده تعالى حق.

وربما يقال: ان المراد بوعد الله خصوص الوعد المذكور في الاية السابقة: (انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين) ولا يلائمه قوله بعد: (ولكن) الخ على ما تقدم.

قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين) بلوغ الاشد أن يعمر الانسان ما تشتد عند ذلك قواه ويكون في الغالب في الثمان عشرة، والاستواء الاعتدال والاستقرار فالاستواء في الحياة استقرار الانسان في أمر حياته ويختلف في الافراد وهو على الاغلب بعد بلوغ الاشد، وقد تقدم الكلام في معنى الحكم والعلم وايتائهما ومعنى الاحسان في مواضع من الكتاب.

(بحث روائي) في الدر المنثور أخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبى حاتم عن على بن أبى طالب رضى الله عنه في قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) قال: يوسف وولده.

أقول: لعل المراد بنو اسرائيل، والا فظهور الاية في خلافه غير خفى.

وفى معاني الاخبار باسناده عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله ص نظر إلى على والحسن والحسين (عليهم السلام) فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدى.

قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك؟ قال: معناه أنكم الائمة بعدى ان الله عز وجل يقول: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) فهذه الاية جارية فينا إلى يوم القيامة.

[صفحة 15 ]

أقول: والروايات من طرق الشيعة في كون الاية في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة وبهذه الرواية يظهر أنها جميعا من قبيل الجرى والانطباق.

وفى نهج البلاغة: لتعطفن الدنيا عليا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها وتلا عقيب ذلك (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

وفى تفسير القمى في قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى) إلى آخر الاية حدثنى أبى عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر ع قال: انه لما حملت به أمه لم يظهر حملها الا عند وضعها له وكان فرعون قد وكل بنساء بنى اسرائيل نساء من القبط يحفظنهن وذلك أنه كان لما بلغه عن بنى اسرائيل أنهم يقولون: انه يولد فينا رجل يقال له: موسى بن عمران يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده فقال فرعون عند ذلك: لاقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء وحبس الرجال في المحابس.

فلما وضعت أم موسى بموسى نظرت إليه وحزنت عليه واغتمت وبكت وقالت: يذبح الساعة فعطف الله عز وجل قلب الموكلة بها عليه فقالت لام موسى: مالك قد اصفر لونك؟ فقالت أخاف أن يذبح ولدى فقالت: لا تخافى وكان موسى لا يراه أحد الا أحبه وهو قول الله: (وألقيت عليك محبة منى).

فأحبته القبطية الموكلة بها وأنزل الله على أم موسى التابوت، ونوديت ضعيه في التابوت فألقيه في اليم وهو البحر (ولا تخافى ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين) فوضعته في التابوت وأطبقته عليه وألقته في النيل.

وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه فنظر من قصره - ومعه آسية امرأته - إلى سواد في النيل ترفعه الامواج والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون فأمر فرعون بأخذه فاخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبيا فقال: هذا اسرائيلي فألقى الله في قلب فرعون محبة شديدة وكذلك في قلب آسية.

وأراد فرعون أن يقتله فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعناأو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون أنه موسى.

[صفحة 16 ]

وفى المجمع في قوله تعالى: (قرة عين لى ولك لا تقتلوه) الخ، عن النبي ص: والذى يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها ولكنه أبى للشقاء الذى كتبه الله عليه.

وفى المعاني باسناده عن محمد بن نعمان الاحول عن أبى عبد الله ع في قول الله عز وجل: (فلما بلغ أشده واستوى) قال: أشده ثمان عشرة سنة (واستوى) التحى.

* * *

 ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين - 15.

قال رب انى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له انه هو الغفور الرحيم - 16.

قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين - 17.

فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذى استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى انك لغوى مبين - 18.

فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ان تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين - 19.

وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى ان الملاء ياتمرون بك ليقتلوك فاخرج انى لك من الناصحين - 20.

[صفحة 17 ]

فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين - 21.

(بيان) فصل ثان من قصة موسى ع فيه ذكر بعض ما وقع بعد بلوغه أشده فادى إلى خروجه من مصر وقصده مدين.

قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) الخ، لا ريب أن المدينة التى دخلها على حين غفلة من أهلها هي مصر، وأنه كان يعيش عند فرعون، ويستفاد من ذلك أن القصر الملكى الذى كان يسكنه فرعون كان خارج المدينة وأنه خرج منه ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، ويؤيد ما ذكرنا ما سيأتي من قوله: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) على ما سيجئ من الاستظهار.

وحين الغفلة من أهل المدينة هو حين يدخل الناس بيوتهم فتتعطل الاسواق وتخلو الشوارع والازقة من المارة كالظهيرة وأواسط الليل.

وقوله: (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي يتنازعان ويتضاربان، وقوله: (هذا من شيعته وهذا من عدوه) حكاية حال تمثل به الواقعة، ومعناه: أن أحدهما كان اسرائيليا من متبعيه في دينه - فان بنى اسرائيل كانوا ينتسبون يومئذ إلى آبائهم ابراهيم واسحاق ويعقوب (عليهم السلام) في دينهم وان كان لم يبق لهم منه الا الاسم وكانوا يتظاهرون بعبادة فرعون - والاخر قبطيا عدوا له لان القبط كانوا أعداء بنى اسرائيل، ومن الشاهد أيضا على كون هذا الرجل قبطيا قوله في موضع آخر يخاطب ربه: (ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون) الشعراء: 14.

وقوله: (فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه) الاستغاثة: الاستنصار من الغوث بمعنى النصرة أي طلب الاسرائيلي من موسى أن ينصره على عدوه القبطى.

وقوله: (فوكزه موسى فقضى عليه) ضميرا (وكزه) و (عليه) للذى من عدوه والوكز - على ما ذكره الراغب وغيره - الطعن والدفع والضرب بجمع الكف،

[صفحة 18 ]

والقضاء هو الحكم والقضاء عليه كناية عن الفراغ من أمره بموته، والمعنى: فدفعه أو ضربه موسى بالوكز فمات، وكان قتل خطأ ولو لا ذلك لكان من حق الكلام أن يعبر بالقتل.

وقوله: (قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين) الاشارة بهذا إلى ما وقع بينهما من الاقتتال حتى أدى إلى موت القبطى وقد نسبه نوع نسبة إلى عمل الشيطان إذ قال: (هذا من عمل الشيطان) و (من) ابتدائية تفيد معنى الجنس أو نشوئية، والمعنى: هذا الذى وقع من المعاداة والاقتتال من جنس العمل المنسوب إلى الشيطان أو ناش من عمل الشيطان فانه هو الذى أوقع العداوة والبغضاء بينهما وأغرى على الاقتتال حتى أدى ذلك إلى مداخلة موسى وقتل القبطى بيده فأوقعه ذلك في خطر عظيم وقد كان يعلم أن الواقعة لا تبقى خفية مكتومة وأن القبط سيثورون عليه وأشرافهم وملاؤهم وعلى رأسهم فرعون سينتقمون منه ومن كل من تسبب إلى ذلك أشد الانتقام.

فعند ذلك تنبه (عليه السلام) أنه أخطأ فيما فعله من الوكز الذى أورده مورد الهلكة ولا ينسب الوقوع في الخطأ إلى الله سبحانه لانه لا يهدى الا إلى الحق والصواب فقضى أن ذلك منسوب إلى الشيطان.

وفعله ذاك وان لم يكن معصية منه لوقوعه خطأ وكون دفاعه عن الاسرائيلي دفعا لكافر ظالم، لكن الشيطان كما يوقع بوسوسته الانسان في الاثم والمعصية كذلك يوقعه في أي مخالفة للصواب يقع بها في الكلفة والمشقة كما أوقع آدم وزوجه فيما أوقع من أكل الشجرة المنهية فأدى ذلك إلى خروجهما من الجنة.

فقوله: (هذا من عمل الشيطان) انزجار منه عما وقع من الاقتتال المؤدى إلى قتل القبطى ووقوعه في عظيم الخطر وندم منه على ذلك، وقوله: (انه عدو مضل مبين) اشارة منه إلى أن فعله كان من الضلال المنسوب إلى الشيطان وان لم يكن من المعصية التى فيها اثم ومؤاخذة بل خطأ محضا لا ينسب إلى الله بل إلى الشيطان الذى هو عدو مضل مبين، فكان ذلك منه نوعا من سوء التدبير وضلال السعي يسوقه إلى عاقبة وخيمة ولذا لما اعترض عليه فرعون بقوله: (وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت

[صفحة 19 ]

من الكافرين) أجابه بقوله: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) الشعراء: 20.

قوله تعالى: (قال رب انى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له انه هو الغفور الرحيم) اعتراف منه عند ربه بظلمه نفسه حيث أوردها مورد الخطر وألقاها في التهلكة، ومنه يظهر أن المراد بالمغفرة المسؤولة في قوله: فاغفر لى) هو الغاء تبعة فعله وانجاؤه من الغم وتخليصه من شر فرعون وملاه، كما يظهر من قوله تعالى: (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم) طه: 40.

وهذا الاعتراف بالظلم وسؤال المغفرة نظير ما وقع من آدم وزوجه المحكى في قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، الاعراف: 23.

قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين) قيل: الباء في قوله: (بما أنعمت للسببية والمعنى رب بسبب ما أنعمت على، لك على أن لا أكون معينا للمجرمين فيكون عهدا منه لله تعالى وقيل: الباء للقسم والجواب محذوف والمعنى: أقسم بما أنعمت على لاتوبن أو لامتنعن فلن أكون ظهيرا للمجرمين، وقيل: القسم استعطافى وهو القسم الواقع في الانشاء كقولك بالله زرنى، والمعنى أقسمك أن تعطف على وتعصمني فلن أكون ظهيرا للمجرمين.

والوجه الاول هو الاوجه لان المراد بقوله: (بما أنعمت على) - على ما ذكروه - اما انعامه تعالى عليه إذ حفظه وخلصه من قتل فرعون ورده إلى أمه، واما انعامه عليه إذ قبل توبته من قتل القبطى وغفر له بناء على أنه علم مغفرته تعالى بالهام أو رؤيا أو نحوهما وكيف كان فهو اقسام بغيره تعالى، والمعنى أقسم بحفظك اياى أو أقسم بمغفرتك لى، ولم يعهد في كلامه تعالى حكايه قسم من غيره بغيره بهذا النحو.

وقوله: (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) قيل: المراد بالمجرم من أوقع غيره في الجرم أو من أدت اعانته إلى جرم كالاسرائيلى الذى خاصمه القبطى فأوقعت اعانته موسى في جرم القتل فيكون في لفظ المجرمين مجاز في النسبة من حيث تسمية السبب الموقع في الجرم مجرما.

وقيل: المراد بالمجرمين فرعون وقومه والمعنى: أقسم بانعامك على لاتوبن فلن

[صفحة 20 ]

أكون معينا لفرعون وقومه بصحبتهم وملازمتهم وتكثير سوادهم كما كنت أفعله إلى هذا اليوم.

ورد هذا الوجه الثاني بأنه لا يناسب المقام.

والحق أن قوله: (رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين) عهد من موسى (عليه السلام) أن لا يعين مجرما على اجرامه شكرا لله تعالى على ما أنعم عليه، والمراد بالنعمة وقد أطلقت اطلاقا الولاية الالهية على ما يشهد به قوله تعالى: (فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) النساء: 69.

وهؤلاء أهل الصراط المستقيم مأمونون من الضلال والغضب لقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) الفاتحة: 7، وترتب الامتناع عن اعانة المجرمين على الانعام بهذا المعنى ظاهر لاسترة عليه.

ومن هنا يظهر أن المراد بالمجرمين أمثال فرعون وقومه دون أمثال الاسرائيلي الذى أعانه فلم يكن في اعانته جرم ولا كان وكز القبطى جرما حتى يتوب (عليه السلام) منه كيف؟ وهو (عليه السلام) من أهل الصراط المستقيم الذين لا يضلون بمعصيته، وقد نص تعالى على كونه من المخلصين الذين لا سبيل للشيطان إليهم بالاغواء حيث قال: (انه كان مخلصا وكان رسولا نبيا) مريم: 51.

وقد نص تعالى أيضا آنفا بأنه آتاه حكما وعلما وأنه من المحسنين ومن المتقين من أمره أن لا تستخفه عصبية قومية أو غضب في غير ما ينبغى أو اعانة ونصرة لمجرم في اجرامه.

وقد كرر (قال) ثلاثا حيث قيل: (قال هذا من عمل الشيطان) (قال رب انى ظلمت نفسي) (قال رب بما أنعمت على) وذلك لاختلاف السياق في الجمل الثلاث فالجملة الاولى قضاء منه وحكم، والجملة الثانية استغفار ودعاء، والجملة الثالثة عهد والتزام.

قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فاذاالذى استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى انك لغوى مبين) تقييد (أصبح) بقوله: (في المدينة) دليل على أنه بقى في المدينة ولم يرجع إلى قصر فرعون، والاستصراخ الاستغاثة برفع الصوت من الصراخ بمعنى الصياح، والغواية اخطاء الصواب خلاف الرشد.

[صفحة 21 ]

والمعنى: فأصبح موسى في المدينة - ولم يرجع إلى بلاط فرعون - والحال أنه خائف من فرعون ينتظر الشر ففاجأه أن الاسرائيلي الذى استنصره على القبطى بالامس يستغيث به رافعا صوته على قبطى آخر قال موسى للاسرائيلي توبيخا وتأنيبا: انك لغوى مبين لا تسلك سبيل الرشد والصواب لانه كان يخاصم ويقتتل قوما ليس في مخاصمتهم والمقاومة عليهم الا الشر كل الشر.

قوله تعالى: (فلما أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) إلى آخر الاية، ذكر جل المفسرين أن ضمير (قال) للاسرائيلي الذى كان يستصرخه وذلك أنه ظن أن موسى انما يريد أن يبطش به لما سمعه يعاتبه قبل بقوله: (انك لغوى مبين) فهاله ما رأى من ارادته البطش فقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) الخ، فعلم القبطى عند ذلك أن موسى هو الذى قتل القبطى بالامس فرجع إلى فرعون فأخبره الخبر فائتمروا بموسى وعزموا على قتله.

وما ذكروه في محله لشهادة السياق بذلك فلا يعبأ بما قيل: ان القائل هو القبطى دون الاسرائيلي، هذا ومعنى باقى الاية ظاهر.

وفى قوله: (أن يبطش بالذى هو عدو لهما) تعريض للتوراة الحاضرة حيث تذكر أن المتقاتلين هذين كانا جميعا اسرائيليين، وفيه أيضا تأييد أن القائل: (يا موسى أتريد) الخ، الاسرائيلي دون القبطى لان سياقه سياق اللوم والشكوى.

قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك) الخ، الائتمار المشاورة، والنصيحة خلاف الخيانة.

والظاهر كون قوله: (من أقصى المدينة (قيدا لقوله: (جاء) فسياق القصة يعطى أن الائتمار كان عند فرعون وبأمر منه، وأن هذا الرجل جاء من هناك وقد كان قصر فرعون في أقصى المدينة وخارجها فأخبر موسى بما قصدوه من قتله وأشار عليه بالخروج من المدينة.

وهذا الاستئناس من الكلام يؤيد ما تقدم أن قصرفرعون الذى كان يسكنه كان خارج المدينة، ومعنى الاية ظاهر.

[صفحة 22 ]

قوله تعالى: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين) فيه تأييد أنه ما كان يرى قتله القبطى خطأ جرما لنفسه.

(بحث روائي) في تفسير القمى قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى (عليه السلام) من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده ودخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان أحدهما يقول بقول موسى والاخر يقول بقول فرعون فاستغاثه الذى من شيعته فجاء موسى فوكز صاحب فرعون فقضى عليه وتوارى في المدينة.

فلما كان الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذى يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه إلى موسى قال له: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس؟ فخلى عن صاحبه وهرب.

وفى العيون باسناده إلى على بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا (عليه السلام) فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك: ان الانبياء معصومون؟ قال: بلى.

قال: فأخبرني عن قول الله: (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) قال الرضا (عليه السلام): ان موسى (عليه السلام) دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فقضى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات، قال: هذا من عمل الشيطان يعنى الاقتتال الذى وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى (عليه السلام) من قتله (انه) يعنى الشيطان (عدو مضل مبين).

قال المأمون: فما معنى قول موسى: رب انى ظلمت نفسي فاغفر لى)؟ قال: يقول: وضعت نفسي غير موضعها بدخول هذه المدينة فاغفر لى أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بى فيقتلوني فغفر له انه هو الغفور الرحيم.

قال موسى: رب بما أنعمت على من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة فلن أكون ظهيرا للمجرمين بل اجاهدهم بهذه القوة حتى ترضى.

[صفحة 23 ]

فأصبح موسى (عليه السلام) في المدينة خائفا يترقب فاذاالذى استنصره بالامس يستصرخه على آخر قال له موسى انك لغوى مبين قاتلت رجلا بالامس وتقاتل هذا اليوم لاؤدبنك وأراد أن يبطش به فلما أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما وهو من شيعته قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس؟ ان تريد الا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين.

قال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن.

* * *

 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل - 22.

ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير - 23.

فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير - 24.

فجاءته احداهما تمشى على استحياء قالت ان أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين - 25.

قالت احداهما يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوى الامين - 26.

قال انى أريد أن أنكحك احدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني ان شاء الله من الصالحين - 27.

[صفحة 24 ]

قال ذلك بينى وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل - 28.

(بيان) فصل ثالث من قصته (عليه السلام) يذكر فيه خروجه من مصر إلى مدين عقيب قتله القبطى خوفا من فرعون وتزوجه هناك بابنة شيخ كبير لم يسم في القرآن لكن تذكر روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبعض روايات أهل السنة أنه هو شعيب النبي المبعوث إلى مدين.

قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) قال في المجمع: تلقاء الشئ حذاؤه، ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذاء داعى نفسه.

وقال: سواء السبيل وسط الطريق انتهى.

ومدين - على ما في مراصد الاطلاع - مدينة قوم شعيب وهى تجاه تبوك على بحر القلزم بينهما ست مراحل وهى أكبر من تبوك وبها البئر التى استقى منها موسى لغنم شعيب (عليهما السلام) انتهى، ويقال: انه كان بينهما وبين مصر مسيرة ثمان وكانت خارجة من سلطان فرعون ولذا توجه إليها.

والمعنى: ولما صرف وجهه بعد الخروج من مصر حذاء مدين قال: أرجو من ربى أن يهدينى وسط الطريق فلا أضل بالعدول عنه والخروج منه إلى غيره.

والسياق - كما ترى - يعطى أنه (عليه السلام) كان قاصدا لمدين وهو لا يعرف الطريق الموصلة إليها فترجى أن يهديه ربه.

قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) الخ الذود الحبس والمنع، والمراد بقوله: (تذودان) أنهما يحبسان أغنامهما من أن ترد الماء أو تختلط بأغنام القوم كما أن المراد بقوله: (يسقون) سقيهم أغنامهم ومواشيهم، والرعاء جمع الراعى وهو الذى يرعى الغنم.

[صفحة 25 ]

والمعنى: ولما ورد موسى ماء مدين وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أغنامهم ووجد بالقرب منهم مما يليه امرأتين تحبسان أغنامهما وتمنعانها أن ترد المورد قال موسى مستفسرا عنهما - حيث وجدهما تذودان الغنم وليس على غنمهما رجل -: ما شأنكما؟ قالتا لا نسقى غنمنا أي عادتنا ذلك حتى يصدر الراعون ويخرجوا أغنامهم وأبونا شيخ كبير - لا يقدر أن يتصدى بنفسه أمر السقى ولذا تصدينا الامر.

قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير) فهم (عليه السلام) من كلامهما أن تأخرهما في السقى نوع تعفف وتحجب منهما وتعد من الناس عليهما فبادر إلى ذلك وسقى لهما.

وقوله: (ثم تولى إلى الظل وقال رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير) أي انصرف إلى الظل ليستريح فيه والحر شديد وقال ما قال، وقد حمل الا كثرون قوله: (رب انى لما أنزلت) الخ على سؤال طعام يسد به الجوع، وعليه فالاولى أن يكون المراد بقوله (ما أنزلت إلى) القوة البدنية التى كان يعمل بها الاعمال الصالحة التى فيها رضى الله كالدفاع عن الاسرائيلي والهرب من فرعون بقصد مدين وسقى غنم شعيب واللام في (لما أنزلت) بمعنى إلى واظهار الفقر إلى هذه القوة التى أنزلها الله إليه من عنده بالافاضة كناية عن اظهار الفقر إلى شئ من الطعام تستبقي به هذه القوة النازلة الموهوبة.

ويظهر منه أنه (عليه السلام) كان ذا مراقبة شديدة في أعماله فلا يأتي بعمل ولا يريده وان كان مما يقتضيه طبعه البشرى الا ابتغاء مرضاة ربه وجهادافيه، وهذا ظاهر بالتدبر في القصة فهو القائل لما وكز القبطى: رب بما أنعمت على فلن اكون ظهيرا للمجرمين ثم القائل لما خرج من مصرخائفا يترقب: (رب نجنى من القوم الظالمين) ثم القائل لما أخذ في السلوك: (عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) ثم القائل لما سقى وتولى إلى الظل: (رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير) ثم القائل لما آجر نفسه شعيبا وعقد على بنته: (والله على ما نقول وكيل).

وما نقل عن بعضهم ان اللام في (لما أنزلت) للتعليل، وكذا قول بعضهم ان المراد بالخير خير الدين وهو النجاة من الظالمين بعيد مما يعطيه السياق.

[صفحة 26 ]

قوله تعالى: (فجاءته احداهما تمشى على استحياء) إلى آخر الاية.

ضمير احداهما للمرأتين، وتنكير الاستحياء للتفخيم والمراد بكون مشيها على استحياء ظهور التعفف من مشيتها، وقوله: (ليجزيك أجر ما سقيت لنا) ما مصدرية أي ليعطيك جزاء سقيك لنا، وقوله: (فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف) الخ يلوح إلى ان شعيبا استفسره حاله فقص عليه قصته فطيب نفسه بأنه نجى منهم إذ لا سلطان لهم على مدين.

وعند ذلك تمت استجابته تعالى لموسى (عليه السلام) أدعيته الثلاثة فقد كان سأل الله تعالى عند خروجه من مصر أن ينجيه من القوم الظالمين فأخبره شعيب (عليه السلام) بالنجاة وترجى أن يهديه سواء السبيل وهو في معنى الدعاء فورد مدين، وسأله الرزق فدعاه شعيب ليجزيه أجر ما سقى وزاد تعالى فكفاه رزق عشر سنين ووهب له زوجا يسكن إليها.

قوله تعالى: (قالت احداهما يا أبت استأجره ان خيرمن استأجرت القوى الامين) اطلاق الاستيجار يفيد أن المراد استخدامه لمطلق حوائجه التى تستدعى من يقوم مقامه وان كانت العهدة باقتضاء المقام رعى الغنم.

وقوله: (ان خير من استأجرت) الخ، في مقام التعليل لقوله: (استأجره) وهو من وضع السبب موضع المسبب والتقدير استأجره لانه قوى أمين وخير من استأجرت هو القوى الامين.

وفى حكمها بأنه قوى أمين دلالة على أنها شاهدت من نحو عمله في سقى الاغنام ما استدلت به على قوته وكذا من ظهور عفته في تكليمهما وسقى أغنامهما ثم في صحبته لها عند ما انطلق إلى شعيب حتى أتاه ما استدلت به على أمانته.

ومن هنا يظهر أن هذه القائلة: (يا أبت استأجره) الخ، هي التى جاءته وأخبرته بدعوة أبيها له كما وردت به روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وذهب إليه جمع من المفسرين.

قوله تعالى: (قال انى أريد أن أنكحك احدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) الخ، عرض من شعيب لموسى (عليه السلام) أن يأجره نفسه ثمانى سنين أو عشرا

[صفحة 27 ]

قبال تزويجه احدى ابنتيه وليس بعقد قاطع ومن الدليل عدم تعين المعقودة في كلامه (عليه السلام).

فقوله: (احدى ابنتى هاتين) دليل على حضورهما إذ ذاك، وقوله: (على أن تأجرني ثمانى حجج) أي على أن تأجرني نفسك أي تكون أجيرا لى ثمانى حجج، والحجج جمع حجة والمراد بها السنة بعناية أن كل سنة فيها حجة للبيت الحرام، وبه يظهر أن حج البيت - وهو من شريعة ابراهيم (عليه السلام) - كان معمولا به عندهم.

وقوله: (فان أتممت عشرا فمن عندك) أي فان أتممته عشر سنين فهو من عندك وباختيار منك من غير أن تكون ملزما من عندي.

وقوله: (وما أريد أن أشق عليك) اخبار عن نحو ما يريده منه من الخدمة وأنه عمل غير موصوف بالمشقة وأنه مخدوم صالح.

وقوله: (ستجدني ان شاء الله من الصالحين) أي انى من الصالحين وستجدنى منهم ان شاء الله فالاستثناء متعلق بوجدان موسى اياه منهم لا بكونه في نفسه منهم.

قوله تعالى: (قال ذلك بينى وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل) الضمير لموسى (عليه السلام).

وقوله: (ذلك بينى وبينك) أي ذلك الذى ذكرته وقررته من المشارطة والمعاهدة وعرضته على ثابت بيننا ليس لى ولا لك أن نخالف ما شارطناه، وقوله: (أيما الاجلين قضيت فلا عدوان على) بيان للاجل المردد المضروب في كلام شعيب (عليه السلام) وهو قوله: (ثمانى حجج وان أتممت عشرا فمن عندك) أي لى أن أختار أي الاجلين شئت فان اخترت الثمانى سنين فليس لك أن تعدو على وتلزمني بالزيادة وان اخترت الزيادة وخدمتك عشرا فليس لك أن تعدو على بالمنع من الزيادة.

وقوله: (والله على ما نقول وكيل) توكيل له تعالى فيما يشارطان يتضمن اشهاده تعالى على ما يقولان وارجاع الحكم والقضاء بينهما إليه لو اختلفا، ولذا اختار التوكيل على الاشهاد لان الشهادة والقضاء كليهما إليه تعالى، وهذا كقول يعقوب (عليه السلام) حين أخذ الموثق من بنيه أن يردوا إليه ابنه فيما يحكيه الله: (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل) يوسف: 66.

[صفحة 28 ]

(بحث روائي) في كتاب كمال الدين باسناده إلى سدير الصيرفى عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا موسى ان الملاء يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج انى لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب من مصر بغير ظهر ولا دابة ولا خادم تخفضه أرض وترفعه أخرى حتى انتهى إلى أرض مدين.

فانتهى إلى أصل شجرة فنزل فإذا تحتها بئر وإذا عندها أمة من الناس يسقون وإذا جاريتان ضعيفتان وإذا معهما غنيمة لهما قال ما خطبكما قالتا أبونا شيخ كبير ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال فإذا سقى الناس سقينا فرحمهما فأخذ دلوهما فقال لهما: قدما غنمكما فسقى لهما ثم رجعتا بكرة قبل الناس.

ثم تولى موسى إلى الشجرة فجلس تحتها وقال: (رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير) فروى أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شق تمرة فلما رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا.

فقال لاحداهما اذهبي فادعيه لى فجاءته احداهما تمشى على استحياء قالت: ان أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.

فروى أن موسى (عليه السلام) قال لها: وجهنى إلى الطريق وامشي خلفي فانا بنى يعقوب لا ننظر في أعجاز النساء، فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين.

قال: انى أريد أن أنكحك احدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فان أتممت عشرا فمن عندك فروى أنه قضى أتمهما لان الانبياء (عليهم السلام) لا تأخذ الا بالفضل والتمام.

أقول: وروى ما في معناه القمى في تفسيره.

وفى الكافي عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عمن ذكره عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل حكاية عن موسى (عليه السلام): (رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير) قال: سأل الطعام.

أقول: وروى العياشي عن حفص عنه (عليه السلام) مثله، ولفظه انما عنى الطعام

[صفحة 29 ]

وأيضا عن ليث عن أبى جعفر (عليه السلام) مثله، وفى نهج البلاغه مثله ولفظه والله ما سأله الا خبزأ يأكله.

وفى الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لما سقى موسى للجاريتين ثم تولى إلى الظل فقال: رب انى لما أنزلت إلى من خير فقير قال: انه يومئذ فقير إلى كف من تمر.

وفى تفسير القمى قال: قالت احدى بنات شعيب: يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوى الامين، فقال لها شعيب (عليه السلام): أما قوته فقد عرفتنيه أنه يستقى الدلو وحده فبم عرفت أمانته؟ فقالت: انه لما قال لى: تأخري عنى ودليني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء عرفت أنه ليس من الذين ينظرون أعجاز النساء فهذه أمانته.

أقول: وروى مثله في المجمع عن على (عليه السلام).

وفى المجمع وروى الحسن بن سعيد عن صفوان عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: رسائل أيتهما التى قالت: ان أبى يدعوك؟ قال: التى تزوج بها.

قيل: فأى الاجلين قضى؟ قال: أوفاهما وأبعدهما عشر سنين.

قيل: فدخل بها قبل أن يمضى الشرط أو بعد انقضائه؟ قال: قبل أن ينقضى.

قيل له: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لابيها اجارة شهرين أيجوز ذلك؟ قال: ان موسى علم أنه سيتم له شرطه.

قيل: كيف؟ قال: علم أنه سيبقى حتى يفى.

أقول: وروى قضاء عشر سنين في الدر المنثورعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدة طرق.

وفى تفسير العياشي وقال الحلبي: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن البيت أكان يحج قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: نعم وتصديقه في القرآن قول شعيب حين قال لموسى (عليهما السلام) حيث تزوج: (على أن تأجرني ثمانى حجج) ولم يقل ثمانى سنين.

* * *

 فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور

[صفحة 30 ]

نارا قال لاهله امكثوا انى آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون - 29.

فلما أتاها نودى من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى انى أنا الله رب العالمين - 30.

وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف انك من الامنين - 31.

أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم اليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه انهم كانوا قوما فاسقين - 32.

قال رب انى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون - 33.

وأخى هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني انى أخاف أن يكذبون - 34.

قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون - 35.

فلما جاءهم موسى باياتنا بينات قالوا ما هذا الا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين - 36.

وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار انه لا يفلح الظالمون - 37.

وقال فرعون يا أيها الملؤ ما علمت لكم من اله غيرى فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحالعلى أطلع إلى اله موسى وانى

[صفحة 31 ]

لاظنه من الكاذبين - 38.

واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم الينا لا يرجعون - 39.

فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين - 40.

وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون - 41.

وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين - 42.

(بيان) فصل آخر من قصة موسى (عليه السلام) وقد أودع فيه اجمال قصته من حين سار بأهله من مدين قاصدا لمصر وبعثته بالرسالة إلى فرعون وملئه لانجاء بنى اسرائيل وتكذيبهم له إلى أن أغرقهم الله في اليم وتنتهى القصة إلى ايتائه الكتاب وكأنه هو العمدة في سرد القصة.

قوله تعالى: (فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا) الخ، المراد بقضائه الاجل اتمامه مدة خدمته لشعيب (عليه السلام) والمروى أنه قضى أطول الاجلين، والايناس الابصار والرؤية، والجذوة من النار القطعة منها، والاصطلاء الاستدفاء.

والسياق يشهد أن الامر كان بالليل وكانت ليلة شديدة البرد وقد ضلوا الطريق فرأى من جانب الطور وقد أشرفوا عليه نارا فأمر أهله أن يمكثوا ليذهب إلى ما آنسه لعله يجد هناك من يخبره بالطريق أو يأخذ قطعة من النار فيصطلوا بها، وقد وقع في القصة من سورة طه موضع قوله: (لعلى آتيكم منها بخبر) الخ قوله: (لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) طه: 10، وهو أدل على كونهم ضلوا الطريق.

وكذا في قوله خطابا لاهله: (امكثوا) الخ، شهادة على أنه كان معها من يصح

[صفحة 32 ]

معه خطاب (1) الجمع.

قوله تعالى: (فلما أتاها نودى من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة) الخ قال في المفردات: شاطئ الوادي جانبه، وقال: أصل الوادي الموضع الذى يسيل منه الماء ومنه سمى المنفرج بين الجبلين واديا وجمعه أوديه انتهى والبقعة القطعة من الارض على غير هيئة التى إلى جنبها.

والمراد بالايمن الجانب الايمن مقابل الايسر وهو صفة الشاطئ ولا يعبؤ بما قاله بعضهم: ان الايمن من اليمين مقابل الا شأم من الشؤم.

والبقعة المباركة قطعة خاصة من الشاطئ الايمن في الوادي كانت فيه الشجرة التى نودى منها، ومباركتها لتشرفها بالتقريب والتكليم الالهى وقد أمر بخلع نعليه فيها لتقدسها كما قال تعالى في القصة من سورة طه: (فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى) طه: 12.

ولا ريب في دلالة الاية على أن الشجرة كانت مبدء للنداء والتكليم بوجه غير أن الكلام وهو كلام الله سبحانه لم يكن قائما بها كقيام الكلام بالمتكلم منا فلم تكن الا حجابا احتجب سبحانه به فكلمه من ورائه بما يليق بساحة قدسه من معنى الاحتجاب وهو على كل شئ محيط، قال تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى باذنه ما يشاء) الشورى: 51.

ومن هنا يظهر ضعف ما قيل: ان الشجرة كانت محل الكلام لان الكلام عرض يحتاج إلى محل يقوم به.

وكذا ما قيل: ان هذا التكليم أعلى منازل الانبياء (عليهم السلام) أن يسمعوا كلام الله سبحانه من غير واسطة ومبلغ.

وذلك أنه كان كلاما من وراء حجاب والحجاب واسطة وظاهر آية الشورى المذكورة آنفا أن أعلى التكليم هو الوحى من غير واسطة حجاب أو رسول مبلغ.

* (هامش) *

(1) وفى التوراة الحاضرة أنه حمل معه إلى مصر امرأته وبنيه (سفر الخروج الاصحاح الرابع آية 20).

(*)

[صفحة 33 ]

وقوله: (أن يا موسى انى أنا الله رب العالمين) أن فيه تفسيرية، وفيه انباء عن الذات المتعالية المسماة باسم الجلالة الموصوفة بوحدانية الربوبية النافية لمطلق الشرك إذ كونه ربا للعالمين جميعا - والرب هو المالك المدبر لملكه الذى يستحق العبادة من مملوكيه - لا يدع شيئا من العالمين يكون مربوبا لغيره حتى يكون هناك رب غيره واله معبود سواه.

ففى الاية اجمال ما فصله في سورة طه في هذا الفصل من النداء من الاشارة إلى الاصول الثلاثة أعنى التوحيد والنبوة والمعاد إذ قال: (اننى أنا الله لا اله الا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى ان الساعة آتية) الايات طه: 14 - 16.

قوله تعالى: (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) تقدم تفسيره في سورة النمل.

قوله تعالى: (يا موسى أقبل ولا تخف انك من الامنين) بتقدير القول أي قيل له: أقبل ولا تخف انك من الامنين، وفى هذا الخطاب تأمين له، وبه يظهر معنى قوله في هذا الموضع من القصة في سورة النمل: (يا موسى لا تخف انى لا يخاف لدى المرسلون) النمل: 10 وأنه تأمين معناه انك مرسل والمرسلون آمنون لدى وليس من العتاب والتوبيخ في شئ.

قوله تعالى: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) المراد بسلوك يده في جيبه ادخاله فيه، والمراد بالسوء - على ما قيل - البرص.

والظاهر أن في هذا التقييد تعريضا لما في التوراة الحاضرة في هذا (1) الموضع من القصة: ثم قال له الرب أيضا: ادخل يدك في عبك فادخل يده في عبه ثم أخرجها وإذا يده برصاء مثل الثلج.

قوله تعالى: (واضمم اليك جناحك من الرهب) إلى آخر الاية، الرهب بالفتح فالسكون وبفتحتين وبالضم فالسكون الخوف، والجناح قيل: المراد به اليد وقيل: العضد.

* (هامش) *

(1) سفر الخروج الاصحاح الرابع آية 6.

(*)

[صفحة 34 ]

قيل: المراد بضم الجناح إليه من الرهب أن يجمع يديه على صدره إذا عرضه الخوف عند مشاهدة انقلاب العصا حية ليذهب ما في قلبه من الخوف.

وقيل: انه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يديه كالمتقي وهما جناحاه فقيل له: اضمم اليك جناحك أي لا تبسط يديك خوف الحية فانك آمن من ضررها.

والوجهان - كما ترى - مبنيان على كون الجملة أعنى قوله: (واضمم) الخ، من تتمة قوله: (أقبل ولا تخف انك من الامنين) وهذا لا يلائم تخلل قوله: (اسلك يدك في جيبك) الخ، بين الجملتين بالفصل من غير عطف.

وقيل: الجملة كناية عن الامر بالعزم على ما أراده الله سبحانه منه والحث على الجد في أمر الرسالة لئلا يمنعه ما يغشاه من الخوف في بعض الاحوال.

ولا يبعد أن يكون المراد بالجملة الامر بأن يأخذ لنفسه سيماء الخاشع المتواضع فان من دأب المتكبر المعجب بنفسه أن يفرج بين عضديه وجنبيه كالمتمطى في مشيته فيكون في معنى ما أمر الله به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من التواضع للمؤمنين بقوله: (واخفض جناحك للمؤمنين) الحجر: 88 على بعض المعاني.

قوله تعالى: (قال رب انى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) اشارة إلى قتله القبطى بالوكز وكان يخاف أن يقتلوه قصاصا.

قوله تعالى: (وأخى هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني انى أخاف أن يكذبون) قال في المجمع: يقال: فلان ردء لفلان إذا كان ينصره ويشد ظهره.

انتهى.

وقوله: (انى أخاف أن يكذبون) تعليل لسؤاله ارسال هارون معه، والسياق يدل على أنه كان يخاف أن يكذبوه فيغضب ولا يستطيع بيان حجته للكنة كانت في لسانه لا أنه سأل ارساله لئلا يكذبوه فان من يكذبه لا يبالى أن يكذب هارون معه ومن الدليل على ذلك ما وقع في سورة الشعراء في هذا الموضع من القصة من قوله: (قال رب انى أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون) الشعراء: 13.

فمحصل المعنى: أن أخى هارون هوأفصح منى لسانا فأرسله معينا لى يبين

[صفحة 35 ]

صدقي في دعواى إذا خاصمونى انى أخاف أن يكذبونى فلا أستطيع بيان صدق دعواى.

قوله تعالى: (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) شد عضده بأخيه كناية عن تقويته به، وعدم الوصول اليهما كناية عن عدم التسلط عليهما بالقتل ونحوه كأن الطائفتين يتسابقان واحداهما متقدمة دائما والاخرى لا تدركهم بالوصول إليهم فضلا أن يسبقوهم.

والمعنى: قال سنقويك ونعينك بأخيك هارون ونجعل لكما سلطة وغلبة عليهم فلا يتسلطون عليكما بسبب آياتنا التى نظهر كما بها.

ثم قال: (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وهو بيان لقوله: (ونجعل لكما سلطانا) الخ، يوضح أن هذا السلطان يشملهما ومن اتبعهما من الناس.

وقد ظهر بذلك أن السلطان بمعنى القهر والغلبة وقيل: هو بمعنى الحجة والاولى حينئذ أن يكون قوله: (بآياتنا) متعلقا بقوله: (الغالبون) لا بقوله:: (فلا يصلون اليكما) وقد ذكروا في الاية وجوها أخر لا جدوى في التعرض لها.

قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا قالوا ما هذا الا سحر مفترى) الخ، أي سحر موصوف بأنه مفترى والمفترى اسم مفعول بمعنى المختلق أو مصدر ميمى وصف به السحر مبالغة.

والاشارة في قوله: (ما هذا الا سحر مفترى) إلى ما جاء به من الايات أي ليس ما جاء به من الخوارق الا سحرا مختلقا افتعله فنسبه إلى الله كذبا.

والاشارة في قوله: (وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) إلى ما جاء به من الدعوة وأقام عليها حجة الايات، وأما احتمال أن يراد بها الاشارة إلى الايات فلا يلائمه تكرار اسم الاشارة على أنهم كانوا يدعون أنهم سيأتون بمثلها كما حكى الله عن فرعون في قوله: (فلنأتينك بسحر مثله) طه: 58، على أن عدم معهودية السحر وعدم مسبوقيته بالمثل لا ينفعهم شيئا حتى يدعوه.

فالمعنى: أن ما جاء به موسى دين مبتدع لم ينقل عن آبائنا الاولين أنهم اتخذوه في وقت من الاوقات، ويناسبه ما حكى في الاية التالية من قول موسى: (ربى أعلم بمن جاء بالهدى) الخ.

[صفحة 36 ]

قوله تعالى: (وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار) الخ، مقتضى السياق كونه جوابا من موسى عن قولهم: (وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) في رد دعوى موسى، وهو جواب مبنى على التحدي كأنه يقول: ان ربى - وهو رب العالمين له الخلق والامر - هو أعلم منكم بمن جاء بالهدى ومن تكون له عاقبة الدار وهو الذى أرسلني رسولا جائيا بالهدى - وهو دين التوحيد - ووعدني أن من أخذ بدينى فله عاقبة الدار، والحجة على ذلك الايات البينات التى آتانيها من عنده.

فقوله: (ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) يريد به نفسه والمراد بالهدى الدعوة الدينية التى جاء بها.

وقوله: (ومن تكون له عاقبة الدار) المراد بعاقبة الدار اما الجنة التى هي الدار الاخرة التى يسكنها السعداء كما قال تعالى حكاية عنهم: (وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) الزمر: 74، واما عاقبة الدار الدنيا كما في قوله: (قال موسى لقومه استعينوا الله واصبرواان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) الاعراف: 128، واما الاعم الشامل للدنيا والاخرة، والثالث أحسن الوجوه ثم الثاني كما يؤيده تعليله بقوله: (انه لا يفلح الظالمون).

وفى قوله: (انه لا يفلح الظالمون) تعريض لفرعون وقومه وفيه نفى أن تكون لهم عاقبة الدار فانهم بنوا سنة الحياة على الظلم وفيه انحراف عن العدالة الاجتماعية التى تهدى إليها فطرة الانسان الموافقة للنظام الكونى.

قال بعض المفسرين: والوجه في عطف قوله: (وقال موسى ربى أعلم) الخ، على قولهم: (ما هذا الا سحر مفترى) الخ حكاية القولين ليوازن السامع بينهما ليميز صحيحهما من الفاسد.

انتهى.

وما قدمناه من كون قول موسى (عليه السلام) مسوقا لرد قولهم أوفق للسياق.

قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من اله غيرى) إلى آخر الاية، فيه تعريض لموسى بما جاء به من الدعوة الحقة المؤيدة بالايات المعجزة يريد أنه لم يتبين له حقية ما يدعو إليه موسى ولا كون ما أتى به من الخوارق آيات معجزة من

[صفحة 37 ]

عند الله وأنه ما علم لهم من اله غيره.

فقوله: (ما علمت لكم من اله رغيرى) سوق للكلام في صورة الانصاف ليقع في قلوب الملا موقع القبول كما هو ظاهر قوله المحكى في موضع آخر: (ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد المؤمن: 29.

فمحصل المعنى: أنه ظهر للملا أنه لم يتضح له من دعوة موسى وآياته أن هناك الها هو رب العالمين ولا حصل له علم بأن هناك الها غيره ثم أمر هامان أن يبنى له صرحا لعله يطلع إلى اله موسى.

وبذلك يظهر أن قوله: (ما علمت لكم من اله غيرى) من قبيل قصر القلب فقد كان موسى (عليه السلام) يثبت الالوهية لله سبحانه وينفيها عن غيره وهو ينفيها عنه تعالى ويثبتها لنفسه، وأما سائر الالهة التى كان يعبدها هو وقومه فلا تعرض لها.

وقوله: (فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا) المراد بالايقاد على الطين تأجيج النار عليه لصنعة الاجر المستعمل في الابنية، والصرح البناء العالي المكشوف من صرح الشئ إذا ظهر ففى الجملة أمر باتخاذ الاجر وبناء قصر عال منه.

وقوله: (لعلى أطلع إلى اله موسى) نسب الاله إلى موسى بعناية أنه هو الذى يدعو إليه، والكلام من وضع النتيجة موضع المقدمة والتقدير: اجعل لى صرحا أصعد إلى أعلى درجاته فأنظر إلى السماء لعلى أطلع إلى اله موسى كأنه كان يرى أنه تعالى جسم ساكن في بعض طبقات الجو أو الافلاك فكان يرجو إذا نظر من أعلى الصرح أن يطلع إليه أو كان هذا القول من قبيل التعمية على الناس واضلالهم.

ويمكن أن يكون المراد أن يبنى له رصدا يترصد الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول أو حقية ما يصفه موسى (عليه السلام)، ويؤيد هذا قوله على ما حكى في موضع آخر: (يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب أسباب السماوات فأطلع إلى اله موسى وانى لاظنه كاذبا) المؤمن: 37.

وقوله: (وانى لاظنه من الكاذبين) ترق منه من الجهل الذى يدل عليه قوله: (ما علمت لكم من اله غيرى) إلى الظن بعدم الوجود وقد كان كاذبا في قوله هذا ولا يقوله الا تمويها وتعمية على الناس وقد خاطبه موسى بقوله: (لقد علمت ما أنزل

[صفحة 38 ]

هؤلاء الا رب السماوات والارض) أسرى: 102.

وذكر بعضهم أن قوله: (ما علمت لكم من اله غيرى) من قبيل نفى المعلوم بنفى العلم فيما لو كان لبان فيكون نظير قوله: (قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات والارض) يونس: 18، وأنت خبير بأنه لا يلائم ذيل الاية.

قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده في الارض وظنوا أنهم الينا لا يرجعون) أي كانت حالهم حال من يترجح عنده عدم الرجوع وذلك أنهم كانوا موقنين في أنفسهم كما قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا).

قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده) الخ النبذ الطرح، واليم البحر والباقى ظاهر.

وفى الاية من الاستهانة بأمرهم وتهويل العذاب الواقع بهم ما لا يخفى.

قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) الدعوة إلى النار هي الدعوة إلى ما يستوجب النار من الكفر والمعاصي لكونها هي التى تتصور لهم يوم القيامة نارا يعذبون فيها أو المراد بالنار ما يستوجبها مجازا من باب اطلاق المسبب وارادة سببه.

ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار، تصييرهم سابقين في الضلال يقتدى بهم اللاحقون ولا ضير فيه لكونه بعنوان المجازاة على سبقهم في الكفر والجحود وليس من الاضلال الابتدائي في شئ.

وقيل: المراد بجعلهم أئمة يدعون إلى النار تسميتهم بذلك على حد قوله: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا) الزخرف: 19.

وفيه أن الاية التالية على ما سيجئ من معناها لا تلائمه.

على أن كون الجعل في الاية المستشهد بها بمعنى التسمية غير مسلم.

وقوله: (ويوم القيامة لا ينصرون) أي لا تنالهم شفاعة من ناصر.

قوله تعالى: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) بيان للازم ما وصفهم به في الاية السابقة فهم لكونهم أئمة يقتدى بهم من خلفهم في الكفر والمعاصي لا يزال يتبعهم ضلال الكفر والمعاصي من مقتديهم ومتبعيهم وعليهم من الاوزار مثل ما للمتبعين فيتبعهم لعن مستمر باستمرار الكفر والمعاصي بعدهم.

[صفحة 39 ]

فالاية في معنى قوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) العنكبوت: 13 وقوله: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) يس: 12، وتنكير اللعنة للدلالة على تفخيمها واستمرارها.

وكذا لما لم ينلهم يوم القيامة نصر ناصر كانوا بحيث يتنفر ويشمئز عنهم النفوس ويفر منهم الناس ولا يدنو منهم أحد وهو معنى القبح وقد وصف الله تعالى من قبح منظرهم شيئا كثيرا في كلامه.

(بحث روائي) في المجمع روى الواحدى بالاسناد عن ابن عباس قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الاجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبطأهما.

أقول: وروى ما في معناه بالاسناد عن أبى ذر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفى الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما فقلت له: أي الاجلين قضى موسى؟ الاول أو الاخر؟ قال: الاخر.

وفى المجمع روى أبو بصير عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: لما قضى موسى الاجل وسار بأهله نحو البيت أخطأ الطريق فرأى نارا (قال لاهله امكثواانى آنست نارا).

وعن كتاب طب الائمة باسناده عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: وقال الله عز وجل في قصة موسى (عليه السلام): (وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) يعنى من غير برص.

وفى تفسير القمى في قوله تعالى: (وأخى هارون هوأفصح منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقني) قال الراوى: فقلت لابي جعفر (عليه السلام): فكم مكث موسى (عليه السلام) غائبا عن أمه حتى رده الله عز وجل عليها؟ قال: ثلاثة أيام.

قال: فقلت: فكان هارون أخا موسى (عليهما السلام) لابيه وأمه؟ قال: نعم أما تسمع الله عز وجل يقول: (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي)؟ فقلت:

[صفحة 40]

فأيهما كان أكثر سنا؟ قال: هارون.

قلت: فكان الوحى ينزل عليهما جميعا؟ قال: كان الوحى ينزل على موسى وموسى يوحيه إلى هارون.

فقلت له: أخبرني عن الاحكام والقضاء والامر والنهى كان ذلك اليهما؟ قال: كان موسى الذى يناجى ربه ويكتب العلم ويقضى بين بنى اسرائيل وهارون يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة قلت: فأيهما مات قبل صاحبه؟ قال: مات هارون قبل موسى وماتا جميعا في التيه.

قلت: فكان لموسى ولد؟ قال: لا كان الولد لهارون والذرية له.

أقول: وآخر الرواية لا يوافق روايات أخر تدل على أنه كان له ولد، وفى التوراة الحاضرة أيضا دلالة على ذلك.

في جوامع الجامع في قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده) قال (عليه السلام) فيما حكاه عن ربه عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة ازارى فمن نازعنى واحدا منهما ألقيته في النار.

وفى الكافي باسناده عن طلحة بن زيد عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال: ان الائمة في كتاب الله عز وجل امامان قال الله تبارك وتعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم.

قال: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عز وجل.

(كلام حول قصص موسى وهارون (عليهما السلام)) في فصول 1 - منزلة موسى عند الله وموقفه العبود: كان (عليه السلام) أحد الخمسة أولى العزم الذين هم سادة الانبياء ولهم كتاب وشريعة كما خصهم الله تعالى بالذكر في قوله: (واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) الاحزاب: 7، وقال: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى) الشورى: 13.

[صفحة 41]

ولقد امتن الله سبحانه عليه وعلى أخيه في قوله: (ولقد مننا على موسى وهارون) الصافات: 114 وسلم عليهما في قوله: (سلام على موسى وهارون) الصافات: 120.

وأثنى على موسى (عليه السلام) بأجمل الثناء في قوله: (واذكر في الكتاب موسى انه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا) مريم: 52، وقال: (وكان عند الله وجيها) الاحزاب: 69، وقال: (وكلم الله موسى تكليما) النساء: 164.

وذكره في جملة من ذكرهم من الانبياء في سورة الانعام الاية 84 - 88 فأخبر أنهم كانوا محسنين صالحين وأنه فضلهم على العالمين واجتباهم وهداهم الى صراط مستقيم.

وذكره في جملة الانبياء في سورة مريم ثم ذكر في الاية 58 منها أنهم الذين أنعم الله عليهم.

فاجتمع بذلك له (عليه السلام) معنى الا خلاص والتقريب والوجاهة والاحسان والصلاح والتفضيل والاجتباء والهداية والانعام وقد مر البحث عن معاني هذه الصفات في مواضع تناسبها من هذا الكتاب وكذا البحث عن معنى النبوة والرسالة والتكليم.

وذكر الكتاب النازل عليه وهو التوراة فوصفها بأنها امام ورحمة (سورة الاحقاف: 12) وبأنها فرقان وضياء وذكر (الانبياء: 48) وبأن فيها هدى ونور (المائدة: 44) وقال: (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ) الاعراف: 145.

غير أنه تعالى ذكر في مواضع من كلامه أنهم حرفوها واختلفوا فيها.

وقصة بختنصر وفتحه فلسطين ثانيا وهدمه الهيكل واحراقه التوراة وحشره اليهود إلى بابل سنة خمسمائة وثمان وثمانين قبل المسيح ثم فتح كورش الملك بابل سنة خمسمائة وثمان وثلاثين قبل المسيح واذنه لليهود أن يرجعوا إلى فلسطين ثانيا وكتابة عزراء الكاهن التوراة لهم معروف في التواريخ وقد تقدمت الاشارة إليه في الجزء الثالث من الكتاب في قصص المسيح (عليه السلام).

2 - قصص موسى (عليه السلام) في القرآن: هو (عليه السلام) أكثر الانبياء ذكرا في

[صفحة 42 ]

القرآن الكريم فقد ذكر اسمه - على ما عدوه - مائة وستة وستين موضعا من كلامه تعالى، وأشير إلى قصته اجمالا أو تفصيلا في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، وقد اختص من بين الانبياء بكثرة المعجزات، وقد ذكر في القرآن شئ كثير من معجزاته الباهرة كصيرورة عصاه ثعبانا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وفلق البحر، وانزال المن والسلوى، وانبجاس العيون من الحجر بضرب العصا، واحياء الموتى، ورفع الطور فوق القوم وغير ذلك.

وقد ورد في كلامه تعالى طرف من قصصه (عليه السلام) من دون استيفائها في كل ما دق وجل بل بالاقتصار على فصول منها يهم ذكرها لغرض الهداية والارشاد على ما هو دأب القرآن الكريم في الاشارة إلى قصص الانبياء وأممهم.

وهذه الفصول التى فيها كليات قصصه هي: أنه تولد بمصرفى بيت اسرائيلي حينما كانوا يذبحون المواليد الذكور من بنى اسرائيل بأمرفرعون وجعلت أمه اياه في تابوت وألقته في البحر وأخذ فرعون اياه ثم رده إلى أمه للارضاع والتربية ونشأ في بيت فرعون.

ثم بلغ أشده وقتل القبطى وهرب من مصر إلى مدين خوفا من فرعون وملئه أن يقتلوه قصاصا.

ثم مكث في مدين عند شعيب النبي (عليه السلام) وتزوج احدى بنتيه.

ثم لما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا وقد ضلوا الطريق في ليلة شاتية فأوقفهم مكانهم وذهب إلى النار ليأتيهم بقبس أو يجد على النار هدى فلما أتاها ناداه الله من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة وكلمه واجتباه وآتاه معجزة العصا واليد البيضاء في تسع آيات واختاره للرسالة إلى فرعون وملئه وانجاء بنى اسرائيل وأمره بالذهاب إليه.

فأتى فرعون ودعاه إلى كلمة الحق وأن يرسل معه بنى اسرائيل ولا يعذبهم وأراه آية العصا واليد البيضاء فأبى وعارضه بسحر السحرة وقد جاؤا بسحر عظيم من ثعابين وحيأت فألقى عصاه فاذاهى تلقف ما يأفكون فالقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وأصر فرعون على جحوده وهدد السحرة ولم يؤمن.

[صفحة 43 ]

فلم يزل موسى (عليه السلام) يدعوه وملاه ويريهم الاية بعد الاية كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وهم يصرون على استكبارهم، وكلما وقع عليهم الرجز قالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى اسرائيل فلما كشف الله عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.

فأمره الله أن يسرى بنى اسرائيل ليلا فساروا حتى بلغوا ساحل البحر فعقبهم فرعون بجنوده فلما تراءى الفريقان قال أصحاب موسى أنا لمدركون قال كلا ان معى ربى سيهدين فامر بأن يضرب بعصاه البحر فانفلق الماء فجاوزوا البحر وأتبعهم فرعون وجنوده حتى إذا ادار كوا فيها جميعا أطبق الله عليهم الماء فأغرقهم عن آخرهم.

ولما أنجاهم الله من فرعون وجنوده وأخرجهم إلى البر ولا ماء فيه ولا كلاء أكرمهم الله فأنزل عليهم المن والسلوى وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم فشربوا منها وأكلوا منهما وظللهم الغمام.

ثم واعد الله موسى أربعين ليلة لنزول التوراة بجبل الطور فاختار قومه سبعين رجلا ليسمعوا تكليمه تعالى اياه فسمعوا ثم قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ثم أحياهم الله بدعوة موسى، ولما تم الميقات أنزل الله عليه التوراة وأخبره أن السامري قد أضل قومه بعده فعبدوا العجل.

فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا فأحرق العجل ونسفه في اليم وطرد السامري وقال له: اذهب فان لك في الحياة أن تقول لا مساس وأما القوم فامروا أن يتوبوا ويقتلوا أنفسهم فتيب عليهم بعد ذلك ثم استكبروا عن قبول شريعة التوراة حتى رفع الله الطور فوقهم.

ثم انهم ملوا المن والسلوى وقالوا لن نصبر على طعام واحد وسألوه أن يدعو ربه أن يخرج لهم مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فامروا أن يدخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لهم فأبوا فحرمها الله عليهم وابتلاهم بالتيه يتيهون في الارض أربعين سنه.

ومن قصص موسى (عليه السلام) ما ذكره الله في سورة الكهف من مضيه مع فتاه إلى

[صفحة 44]

مجمع البحرين للقاء العبد الصالح وصحبته حتى فارقه.

3 - منزلة هارون ع عند الله وموقفه العبودي: أشركه الله تعالى مع موسى (عليهما السلام) في سورة الصافات في المن وايتاء الكتاب والهداية إلى الصراط المستقيم وفى التسليم وأنه من المحسنين ومن عباده المؤمنين (الصافات: 114 - 122) وعده مرسلا (طه: 47) ونبيا (مريم: 53) وأنه ممن أنعم عليهم (مريم: 58) وأشركه مع من عدهم من الانبياء في سورة الانعام في صفاتهم الجميلة من الاحسان والصلاح والفضل والاجتباء والهداية (الانعام: 84 - 88).

وفى دعاء موسى ليلة الطور: (واجعل لى وزيرا من أهلى هارون أخى أشدد به أزرى وأشركه في أمرى كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا) طه: 35.

وكان (عليه السلام) ملازما لاخيه في جميع مواقفه يشاركه في عامة أمره ويعينه على جميع مقاصده.

ولم يرد في القرآن الكريم ممايختص به من القصص الا خلافته لاخيه حين غاب عن القوم للميقات وقال لاخيه هارون اخلفنى في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وقد عبدوا العجل ألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بى الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لى ولاخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.

4 - قصة موسى (عليه السلام) في التوراة الحاضرة: قصصه (عليه السلام) موضوعة فيما عدا السفر الاول من أسفار التوراة الخمسة وهى: سفر الخروج وسفر اللاويين وسفر العدد وسفر التثنية تذكر فيها تفاصيل قصصه (عليه السلام) من حين ولادته إلى حين وفاته وما أوحى إليه من الشرائع والاحكام.

غير أن فيها اختلافات في سرد القصة مع القرآن في أمور غير يسير ة.

ومن أهمها أنها تذكر أن نداء موسى وتكليمه من الشجرة كان في أرض مدين

[صفحة 45 ]

قبل أن يسير بأهله وذلك حين كان يرعى غنم يثرون (1) حمية كاهن مديان فساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة فناداه الله وكلمه بما كلمه وأرسله إلى فرعون لانجاء بنى اسرائيل (2).

ومنها ما ذكرت أن فرعون الذى أرسل إليه موسى غير فرعون الذى أخذ موسى ورباه ثم هرب منه موسى لما قتل القبطى خوفا من القصاص (3).

ومنها أنها لم تذكر ايمان السحرة لما ألقوا عصيهم فصارت حيات فتلقفتها عصا موسى بل تذكر أنهم كانوا عند فرعون وعارضوا موسى في آيتى الدم والضفادع فأتوا بسحرهم مثل ما أتى به موسى (عليه السلام) معجزة (4).

ومنها أنها تذكر أن الذى صنع لهم العجل فعبدوه هو هارون النبي أخو موسى (عليهما السلام) وذلك أنه لما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لان هذا (موسى) الرجل الذى أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه؟ فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الشعب التى في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها.

فنزع كل الشعب أقراط الذهب التى في آذانهم وأتوا بها إلى هارون فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالازميل فصبغه عجلا مسبوكا فقالوا أهذه آلهتك يا اسرائيل التى أصعدتك من أرض مصر (5).

وفى الايات القرآنية تعريضات للتوراة في هذه المواضع من قصصه (عليه السلام) غير خفية على المتدبر فيها.

وهناك اختلافات جزئية كثيرة كما وقع في التوراة في قصة قتل القبطى أن

* (هامش) *

(1) تسمى التوراة أبا زوجة موسى يثرون كأهن مديان.

(2) الاصحاح الثالثة من سفر الخروج.

(3) سفر الخروج، الاصحاح الثاني.

الاية 23.

(4) الاصحاح السابع والثامن من سفر الخروج.

(5) الاصحاح الثاني والثلائون من سفر الخروج.

(*)

[صفحة 46 ]

المتضاربين ثانيا كانا جميعا اسرائيليين (1) وأيضا وقع فيها أن الذى ألقى العصا فتلقفت حيات السحرة هو هارون ألقاها بأمر موسى (2).

وأيضا لم تذكر فيها قصة انتخاب السبعين رجلا للميقات ونزول الصاعقة عليهم واحياءهم بعده.

وأيضا فيها أن الالواح التى كانت مع موسى لما نزل من الجبل وألقاها كانت لوحين من حجر وهما لوحا الشهادة (3).

إلى غير ذلك من الاختلافات.

* * *

 ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون - 43.

وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين - 44.

ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين - 45.

وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون - 46.

ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت الينا رسولا

* (هامش) *

(1) الاصحاح الثاني من سفر الخروج.

(2) الاصحاح السابع من سفر الخروج.

(3) الاصحاح الثاني والثلاثون من سفر الخروج.

(*)

[صفحة 47 ]

فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين - 47.

فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا انا بكل كافرون - 48.

قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ان كنتم صادقين - 49.

فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدى القوم الظالمين - 50.

ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون - 51).

الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يومنون - 52.

وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين - 53.

أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون - 54.

وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين - 55.

انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين - 56.

(بيان) سياق الايات يشهد أن المشركين من قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راجعوا بعض أهل الكتاب واستفتوهم في أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه وهو

[صفحة 48 ]

مصدق للتوراة فأجابوا بتصديقه والايمان بما يتضمنه القرآن من المعارف الحقة وأنهم كانوا يعرفونه بأوصافه قبل أن يبعث كما قال تعالى: (واذايتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين).

فساء المشركين ذلك وشاجروهم وأغلظوا عليهم في القول وقالوا: ان القرآن سحر والتوراة سحر مثله (سحران تظاهرا) (وانا بكل كافرون) فأعرض الكتابيون عنهم وقالوا: سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين.

هذا ما يلوح إليه الايات الكريمة بسياقها، وهو سبحانه لما ساق قصة موسى (عليه السلام) وأنبأ أنه كيف أظهر قوما مستضعفين معبدين معذبين يذبح أبناؤهم وتستحيى نساؤهم على قوم عالين مستكبرين طغاة مفسدين بوليد منهم رباه في حجر عدوه الذى يذبح بأمره الالوف من أبنائهم ثم أخرجه لما نشأ من بينهم ثم بعثه ورده إليهم وأظهره عليهم حتى أغرقهم أجمعين وأنجا شعب اسرائيل فكانوا هم الوارثين.

عطف القول على الكتاب السماوي الذى هو المتضمن للدعوة وبه تتم الحجة وهو الحامل للتذكرة فذكر أنه أنزل التوراة على موسى (عليه السلام) فيه بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون فينتهون عن معصية الله بعد ما أهلك القرون الاولى بمعاصيهم.

وكذاأنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن وقص عليه قصص موسى (عليه السلام) ولم يكن هو شاهدا لنزول التوراة عليه ولا حاضرا في الطور لما ناداه وكلمه، وقص عليه ما جرى بين موسى وشعيب (عليهما السلام) ولم يكن هو ثاويا في مدين يتلو عليهم آياته ولكن أنزله وقص عليه ما قصه رحمة منه لينذر به قوما ما أتاهم من نذير من قبله لانهم بسبب كفرهم وفسوقهم في معرض نزول العذاب واصابة المصيبة فلو لم ينزل الكتاب ولم يبلغ الدعوة لقالوا: ربنا لو لا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك وكانت الحجة لهم على الله سبحانه.

فلما جاءهم الحق من عنده ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن قالوا: لو لا أوتى مثل ما أوتى موسى أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل حين راجعوا أهل الكتاب في أمره فصدقوه فقال المشركون: سحران تظاهرا يعنون التوراة والقرآن، وقالوا انا بكل كافرون.

[صفحة 49 ]

ثم لقن سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة عليهم بقوله: (قل فأتوا بكتاب من عند الله  هوأهدى منهما أتبعه ان كنتم صادقين) أي ان من الواجب في حكمة الله أن يكون هناك كتاب نازل من عند الله يهدى إلى الحق وتتم به الحجة على الناس وهم يعرفون فان لم تكن التوراة والقرآن كتابي هدى وكافيين لهداية الناس فهناك كتاب هو أهدى منهما وليس كذلك إذ ما في الكتابين من المعارف الحقة مؤيدة بالاعجاز وبدلالة البراهين العقلية.

على أنه ليس هناك كتاب سماوي هو أهدى منهما فالكتابان كتابا هدى والقوم في الاعراض عنهما متبعون للهوى ضالون عن الصراط المستقيم وهو قوله: (فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) الخ.

ثم مدح سبحانه قوما من أهل الكتاب راجعهم المشركون في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن فأظهروا لهم الايمان والتصديق وأعرضوا عن لغو القول الذى جبهوهم به.

قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى بصائر للناس) الخ، اللام للقسم أي اقسم لقد أعطينا موسى الكتاب وهو التوراة بوحيه إليه.

وقوله: (من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) أي الاجيال السابقة على نزول التوراة كقوم نوح ومن بعدهم من الامم الهالكة ولعل منهم قوم فرعون، وفى هذا التقييد اشارة إلى مسيس الحاجة حينئذ إلى نزول الكتاب لا ندراس معالم الدين الالهى بمضي الماضين وليشار في الكتاب الالهى إلى قصصهم وحلول العذاب الالهى بهم بسبب تكذيبهم لايات الله ليعتبر به المعتبرون ويتذكربه المتذكرون.

وقوله: (بصائر للناس) جمع بصيرة بمعنى ما يبصر به وكأن المراد بها الحجج البينة التى يبصر بهاالحق ويميز بها بينه وبين الباطل، وهى حال من الكتاب وقيل: مفعول له.

وقوله: (وهدى) بمعنى الهادى أو ما يهتدى به وكذا قوله: (ورحمة) بمعنى ما يرحم به وهما حالان من الكتاب كبصائر، وقيل: كل منهما مفعول له.

والمعنى: وأقسم لقد أعطينا موسى الكتاب وهو التوراة من بعد ما أهلكنا

[صفحة 50 ]

الاجيال الاولى فاقتضت الحكمة تجديد الدعوة والانذار حال كون الكتاب حججا بينة يبصر بها الناس المعارف الحقة وهدى يهتدون به إليها ورحمة يرحمون بسبب العمل بشرائعه وأحكامه لعلهم يتذكرون فيفقهون ما يجب عليهم من الاعتقاد والعمل.

قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين) الخطاب للنبى (صلى الله عليه وآله وسلم)، والغربي صفة محذوفة الموصوف والمراد جانب الوادي الغربي أو جانب الجبل الغربي.

وقوله: (إذ قضينا إلى موسى الامر) كأن القضاء مضمن معنى العهد، والمراد بعهد الامر إليه - على ما قيل - احكام أمر نبوته بانزال التوراة إليه وأما العهد إليه بأصل الرسالة فيدل عليه قوله بعد: (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) وقوله: (وما كنت من الشاهدين) تأكيد لسابقه.

والمعنى: وما كنت حاضرا وشاهدا حين أنزلنا التوراة على موسى في الجانب الغربي من الوادي أو الجبل.

قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر) تطاول العمر تمادى الامد والجملة استدراك عن النفى في قوله: (وما كنت بجانب الغربي)، والمعنى: ما كنت حاضرا هناك شاهدا لما جرى فيه ولكنا أوجدنا أجيالا بعده فتمادى بهم الامد ثم أنزلنا عليك قصته وخبر نزول الكتاب عليه ففى الكلام ايجاز بالحذف لدلالة المقام عليه.

قوله تعالى: (وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) الثاوى المقيم يقال: ثوى في المكان إذا أقام فيه، والضمير في (عليهم) لمشركي مكة الذين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلو عليهم آيات الله التى تقص ما جرى على موسى (عليه السلام) في مدين زمن كونه فيه.

وقوله: (ولكنا كنا مرسلين) استدراك من النفى في صدر الاية.

والمعنى: وما كنت مقيما في أهل مدين - وهم شعيب وقومه - مشاهدا لما جرى على موسى هناك تتلو على المشركين آياتنا القاصة لخبره هناك ولكنا كنا مرسلين لك إلى قومك موحين بهذه الايات اليك لتتلوها عليهم.

  الصفحة التالية