حديث الثقلين
بحث
و تحقيق
|
|
ّّّ |
ّ |
مقدمة دار التقريب :الحمد لله رب العالمين ، حمد الشاكرين ، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين ، محمد النبي الأمين ، و على آله الطيبين الطاهرين و صحبه الهداة المهتدين ، و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فهذه رسالة موجزة في تحقيق " حديث الثقلين " ألفها العلامة الفاضل الشيخ محمد قوام الدين القمي الوشنوي . و هي على وجازتها قد استوعبت جميع روايات هذا الحديث و أسانيده و سلك فيها مؤلفها سبيل الحكمة و الإعتدال ، و أعرض عن مقام الشحناء و الجدال ، واستدل على ما قال بأدلة يرتضيها كل من الشيعة و السنة ، ذات أسانيد –كما ذكر في آخر البحث- " معنعنة متصلة موصولة بواسطة أحد مشايخه الأعاظم – أدام الله تعالى ظله- الراوي عن علماء الإسلام بفرقهم المتشعبة من الامامية و الحنفية و الشافعية و المالكية و الحنابلة و الزيدية " . و دار التقريب حين تنشر هذه الرسالة المهداة إليها ، إنما تنشرها لما يتجلى فيها من اتفاق بين هاتين الطائفتين العظيمتين من المؤمنين في أصول التشريع ، فإن السنة المطهرة من أثبت العمد التي يبنى عليها أهل الإسلام جميعاً ، و متى صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من أي طريق ، كان على المؤمنين أن يتقبلوها راضين ، و أن ينزلوا على حكم الله فيها ممتثلين " فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسِهم حرجا مما قضّيتّ و يُسَلموا تسليما " . دار التقريب رجب الفرد سنة 1374هجرية ( مارس 1955 ميلادية ) .
مقدمة المؤلف : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مظهر الحق و ناصره ، و خاذل الباطل و مبطله ، و الصلاة و السلام على خير من اصطفاهُ من خلقه ، محمد خاتم رسله ، و على آله سفن النجاة في أمته ، و على أصحابه الذين تمسكوا و أخذوا و اعتصموا بثقليه ، و هما " الكتاب " الذي فيه الهدى و النور ، و هو الثَّقل الأكبر ، و حبله الممدود من السماء إلى الأرض ، و " العترة " و هي الثقل الأصغر ، أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم الرجس . أما بعد فهذا بحث بمناسبة ما نشر في العدد الرابع من السنة الثانية لمجلة " رسالة الإسلام " أهديه إلى " دار التقريب بين المذاهب الإسلامية " التي هي مركز الاتصال بيت أهل العلم و الدين و الأمة ، و العاملة على توثيق الروابط بين سائر الطوائف الإسلامية في العالم ، يسرني أن يطلع عليه أهل العلم من إخواننا المسلمين في كل طائفة ، فما قصدت به إلا جلاء حقيقة قد تغيب عن بعض الأذهان ، في شأن حديث وردت به الأسانيد الصحيحة و الروايات المتعددة في مختلف الكتب و المسانيد ، و هو الحديث المعروف " حديث الثقلين " ، و أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث كاتبه ، و قارئه و مبلغه ، إنه سميع مجيب الدعاء .
مصادر حديث الثقلين :
نص الحديث :" أيها الناس إنما أنا َبشرٌ أوشكُ ، أو يُوشكُ ، أو إنيّ لأظُن أنْ أُدعَى فأجيبَ ، أو أنْ يَأتٍيني ، أو يأتيَ رَسُولُ رَبّي ، فَأجيبَ ، أوْ فأجيبَهُ ، أو كأنّي قَدْ دُعيتُ فأَجبْتُ ، وَ إني ، أو أَنا تارِكٌ ، أو تركْت ، أو قدْ تركْتُ ، أو خَلَفْتُ ، أو مُخلفٌ فيكم ، الثَّقَلين ، أو ثَقَليْن ، أو أمْرَيْنِ ، أو الثَّقَليَنِ خَليِفَتَيْن ، أو اثْنَينِ ، أو مَا إنْ تمسّكْتُمْ بهِ ، أو ما إنْ أَخَذْتُمْ بهِ ، أو مَا إنْ اعْتَصَمَتُمْ بهِ ، لن تَضِلوا بَعْدي ، أو لنْ تَضلوا أبداً ، أو لنْ تَضِلوا ، إن اتّبعتُمُوهُما ، أو وإنَّكُم لنْ تَضِلوا بَعْدَهما ، و هُما كِتابُ الله ، و أهلُ بيْتي عِتْرتي ، أحدَهما أثقَلُ منَ الآخَرِ ، أو كتُاب الله ، حبلٌ ممدود ، أو كتابُ الله فيه الهُدَى و النُّورُ ، أو الصِّدقُ ، أو كِتابُ رَبّي وعِترتي أهلُ بيتي أو وعترتي و هم أهل بيتي أو و عِترتي أهلُ بَيتي و قرَابتي ، أو أهلُ بَيتي ، أو نَسَبي ، و إنّهُما لنْ يَتَفرْقا ، أو لنْ يَفْتَرقا ، أو أن لاّ يَفْترقا ، أو إنَّهُما لقَرينان لنْ يَفْتّرِقا ، حَتَّى يَرِدَا علىّ الحوضَ ، فانْظرُوا ، أو فاتَّقُوا الله ، و انظْرُوا كيف تخلفُوني ، أو تحْفَظوني فيهمَا ، أو فانْظرُوا كيفَ تَلحقُوا بي فيهمَا ، أو بم َ ، أو بما ، أو مَاذا ، أو ما تخْلفُوني فيهما ، أو إنّ اللطِيفَ الخبِيرَ أخبرني ، أو نَبّأنِي ، أو أَنْبأني ، أنهُما لنْ يَفْترَقا حتَّى يلَقيانِي ، سَألتُ ذَلكَ رَبّي فَأعْطاني ، فَلا تَسبقوهُم فَتهلِكوا ، وَ لا تُعَلموهم فإنَّهُمْ أعْلمُ مِنكم ْ ، أو فاسْتَمْسِكوا بِهِما وَ لا تَضِلوا ، أو إنّهما لنْ ينقَضيا حتى يَرِدا عليَّ الحوضَ ، أو سألتُهُما رَبي فَوَعَدَني أنْ يُوردَهُما علىّ الحوضَ ، أو سألتُه ذَلكَ لهُما و الحوض عرضه ما بين بُصرى إلى صنعاء ، فيه من الآنية عدد الكواكب ، أو إنّ اللطيفَ الخبيرَ عَهِد إلىّ أنّهَما لنْ يَفْترِقا حتّى يَرِدَا علىّ الحوضَ كهَاتَين ، و أشار بالسبابتين ، أو إني فرطكم ، و إنكم تبعي ، وتوشِكونَ أنْ تَرِدُوا علىّ الحوضَ ، و أسأَلكمْ ، أو سائِلكمْ ، حينَ تلقوْني عنْ ثَقَلّي ، أو إني سَائِلكمْ حينَ ترِدون علىّ عن الثقلينِ : كيفَ خَلَفْتُمونى فيهما ، أو وإنّ الله سائلي و سَائلكمْ فماذَا أنتُم قَائِلونَ ، أو إني لكم فَرط ، وَ إنكم وَارِدُونَ علىّ الحوضَ فانظرُوا كيفَ تخْلفوني في الثّقّلينِ ، قيل ، أو قلنا ، أو قالوا ، و ما الثّقَلانِ ؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم : كتَابُ الله طَرَفُهُ بيدِ الله ، وطَرَفُهُ بِأيدِكمْ ، أو قال ، الأكبرُ ، أو الثَّقَلُ الأكبرُ ، أو الأكبرُ منْهُما ، أو أوّلهُما ، أو أحدُهُما ، كتابُ الله ، و الأصغرُ ، أو الثقل الأصغرُ ، أو و الآخرُ عِترتي ، فمن اسْتقبلَ قِبلتي ، و أجابَ دَعْوتي . فليستَوصِ بِهما خَيراً ، أو أوصِيكمْ بكتَابِ الله و عِترَتي ، أو حَسْبُكم كتابُ الله و عِترتي ، أحدُهما أعظّمُ منَ الآخرِ ، أو قال إني سَائِلكم عنِ اثنْين : عنِ القرآن و عن عِترتي ، أو إنّ الله سَائلكمْ كيفَ خَلفتُموني في كتابه و أهلِ بَيتي ، أو إني تارِكٌ فيِكمْ ما إنْ تمسكتُم بهِ لنْ تَضِلوا ، أو مَا إنْ أخَذتمْ بهِ لنْ تَضِلوا بَعْدى : أمرَيْنِ أحَدُهُما أكبرُ منَ الآخرِِ ، سُببٌ موصولٌ من السَّماء إلى الأرْضِ ، أو إني تاركٌ فيكم الثقلينِ خلفي : كتاب الله و عِترتي ، أو قدْ تركتُ فيكم مَا لم تَضِلوا بَعدَه ، أو إني تركتُ فيكم الثقلينِ ، الثقلَ الأكبرَ و الثقلَ الأصغر ، و أما الثقلُ الأكبرُ فبيد الله طَرَفُه و الطرفُ الآخرُ بأيدكم ، و هَو كتابُ الله ، إنْ تمسكتم بهِ لنْ تَضِلوا و لنْ تَذِلوا أبَداً ، أو فاسْتمْسِكوا بهِ فلا تضِلوا ، وَ لا تبدلوا ، أو فَتَمسّكوا بهِ لنْ تُزالوا و لنْ تَضِلوا ، و أمّا الثقلُ الأصغرُ فعِترتي أهلُ بيتي ، أو ألاَ و عِترتي ، أو أذَكرُكم اللهَ في أهل بيتي ، قالهَا مَرةً ، أو مَرّتين ، أو ثلاثَ مرات ، أو إنّ الله عزّ و جَلّ أوحى إلىّ أني مَقْبوض ، أقُولُ لكم قَوْلاً إنْ عملتُمْ بهِ نَجَوتُمْ ، و إن تركْتُموهُ هَلكْتُمْ ، إنّ أهلَ بْيْتي و عِترتي هُم خاصّتي و حامَتي ، و إنّكم مَسْؤلون عن الثقلينِ ، كتابِ الله و عِترتي ، إنْ تمَسّكْتْم بِهما لنْ تَضِلوا ، أو إنكم لنْ تَضٍِلوا إنْ اتّبعتُمْ و اسْتَمسكتمْ بِهما ، أو إني تَاركٌ فِيكمْ كتابَ الله و عِترتي أهْلَ بيتي ، فهُما خَليِفَتان بَعْدِى ، أحَدُهما أكبرُ من َ الآخرِ ، أو إني تَارك فيكم الثقلين : كلاَمَ اللهِ و عترتي ، ألاَ فَتَمسكوا بِهما فإنهُمَا حَبْلانِ لاَ يَنْقَطِعان إلى يَوم القِيامَة . و قال 1: " أيها النّاس يُوشِكُ أنْ أقْبَضَ قَبْضاً سرِيعاً فينْطلَقَ بي و قَد قَدمتُ إليكم القولَ مَعْذِرَةً إليكم ، ألاَ إني مُخْلفٌ فيكمْ كتابَ رَبي عز ّوَ جلّ و عِترتي أهلَ بَيتي ، ثم أخذ بيد عليْ فقال هذا عليَّ مع القرآن ، و القرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا علىّ الحوض ، فأسألهُما ما خلفتُ فيهما " . طرق الحديث : و الطرق المروية لهذا الحديث لعلها تبلغ ستين طريقاً أو أكثر ، و كلها متفقة على نقل لفظي الكتاب و العترة ، أو أهل بيتي ، أو هما معا ، و هو الأكثر ، و إن اختلفت في نقل سائر الألفاظ صدراً و ذيلاً كما أومأنا إليها قبلا . و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة : " ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابياً ، و في بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بعرفة ، و في آخر أنه قال بغدير خم ، وفي آخر أنه قال بالمدينة في مرضه ، و قد امتلأت الحجرة بأصحابه ، و في آخر أنه قال لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف ، و لا تنافي إذ لا مانع أنه كرر عليهم في تلك المواطن و غيرها ، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز و العترة الطاهرة . وقال أيضاً في ص 136 : " و لهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع و عشرين صحابياً لا حاجة لنا ببسطها " . و قال سليمان بن إبراهيم البلخي الحنفي في ينابيع المودة نقلا عن الشريف السمهودي المصري في جواهر العقدين ، قال بعد إيراد طرق عدة لهذا الحديث : " و في الباب زيادة على عشرين من الصحابة ، و رواه شمس الدين السخاوي في الاستجلاب عن أبي سعيد الخدري و زيد بن أرقم ، ثم قال : " و في الباب عن جابر و حذيفة بن أسيد ، و خزيمة بن ثابت ، و سهل بن سعد ، و ضُميرة ، و عامر بن ليلى ، و عبد الرحمن بن عوف ، و عبد الله بن عباس ، و عبد الله بن عمر ، و عدى بن حاتم ، و عقبة بن عامر ، و علي بن أبي طالب ، و أبي ذر ، و أبي رافع ، و أبي شريح الخزاعي ، و أبي قدامة الأنصاري ، و أبي هريرة ، و أبي الهيثم بن التيهان ، و رجال من قريش ، و أم سلمه ، و أم هانية بنت أبي طالب ، رضوان الله عليهم ، انتهى كلام شمس الدين السخاوي 1على ما حكاه عنه السيد مير حامد حسين الهندي صاحب العبقات ، في الجزء الثاني من حديث الثقلين . و قال صاحب العبقات : " و رواه علي بن أبي طالب عليه السلام ، و حسن بن علي المجتبى عليه السلام ، و سلمان الفارسي ، و أبو ذر الغفاري ، و ابن عباس ، و أبو سعيد ، و جابر بن عبد الله الأنصاري ، و أبو الهيثم بن التيهان ، و حذيفة بن اليمان ، و أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، و حذيفة بن أسيد الغفاري ، وخزيمة بن ثابت ، ذو الشهادتين ، و زيد بن ثابت ، و أبو هريرة ، و عبد الله بن حنطب ، و جبير ابن مطعم ، و البراء بن عازب ، و أنس بن مالك ، و طلحة بن عبيد الله التميمي ، و عبد الرحمن بن عوف ، و سعد بن أبي وقاص ، و عمرو بن العاص ، و سهل بن سعد و عدى بن حاتم ، و عقبة بن عامر ، و أبو أيوب الأنصاري ، و أبو شريح الخزاعي ، و أبو قدامة الأنصاري ، و أبو ليلى الأنصاري ، و ضميرة الأسلمي ، و عامر بن ليلى بن ضمرة ، و المعصومة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام ، و أم سلمة ، و أم هاني ، و مدرك رواية هؤلاء الصحابة و الصحابيات ، مضافاً إلى ما تقدم .
عبر العصور :ما رواه صاحب العبقات في الجزء الأول من حديث الثقلين عن جماعة كثيرة من أكابر علماء المذاهب في كل عصر ومائة .
فالمائة الأولى :
المائة الثالثة : منهم :
إلى أن عد خمسة و ثلاثين من أكابر العلماء في تلك المائة .
المائة الرابعة : منهم :
إلى أن عد واحداً و عشرين من أكابر تلك المائة .
المائة الخامسة : منهم :
إلى أن عد ثلاثة عشر من أكابرهم في تلك المائة .
المائة السادسة : منهم :
إلى أن عد ثلاثة عشر من أكابر تلك المائة .
المائة السابعة : منهم :
إلى أن عد ستة عشر من أكابرهم في تلك المائة .
المائة الثامنة : منهم :
المائة التاسعة : منهم :
إلى أن عد خمسة من أكابرهم في تلك المائة .
المائة العاشرة : منهم : جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 . نور الدين علي بن عبد الله السمهودي 911 .
إلى أن عد سبعة عشر من أكابرهم في تلك المائة .
المائة الحادية عشرة : منهم :
إلى أن عد أحد عشر من أكابرهم في تلك المائة .
المائة الثانية عشرة : منهم :
إلى أن عد ثلاثة عشر من أكابرهم في تلك المائة .
المائة الثالثة عشرة : منهم :
إلى أن عد عشرة من أكابرهم في تلك المائة ، ورواه في الجزء الثاني من حديث الثقلين عن أكثر من مائة من علماء المذاهب ، من المائة الثانية إلى المائة الثانية عشرة عن زيد بن أرقم بطرق متعددة و عبارات شتى . و أما ما رواه بعض الأعلام في تفسير آية الإعتصام1 فإن كان المراد منه ، ما روي عن الإمام مالك في الموطأ2 بلاغاً ، و عن الطبراني في الكبير ، وابن هشام في السيرة ، و ابن حجر في الصواعق مرسلا ، فقد ظهر مما قدمناه أنه عير حديث الثقلين قطعاً ، و كذا يظهر مما ذكره ابن حجر و كمال الدين الجهرمي و صاحب المرقاة في الصواعق و المنح المكية ، و البراهين القاطعة و المرقاة . قال ابن حجر في مواضع من الصواعق ، منها بعد قوله : " و في رواية كتاب الله و سنتي ، قال : و هي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب ، لأن السنة مبينة له . فأغنى ذكره عن ذكرها و منها قوله : " إذ لا مانع من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كرر عليهم ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة " . و منها قوله : تنبيه – سَمىَّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم القرآن و عترته – و هي بالمثناة الفوقية الأهل و النسل و الرهط الأدنون – ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون ، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن للعلوم الدينية و الأسرار و الأحكام الشرعية ، لذا حث صلى الله عليه و آله و سلم على الإقتداء بهم و التعلم منهم ، و قال الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت ، إلى أن قال : و يؤيده الخبر السابق " و لا تُعلموهم فإنهم أعلم منكم ، و تميزوا بذلك عن بقية العلماء لأن الله أذهب عنهم الرجس ، و طهرهم تطهيراً ، و شرفهم بالكرامات الباهرة ، و المزايا المتكاثرة ، و قد مر بعضها و سيأتي الخبر الذي في قريش و تعلموا منهم فإنهم أعلم منكم ، فإذا ثبت هذا العموم لقريش ، فأهل البيت أولى منهم لأنهم امتازوا عنهم لخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش ، و في أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، و لهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي ، و يشهد لذلك الخبر السابق " في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي " إلى آخره ثم أحق مَن يُتَمسك به منهم : إمامهم و عالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجه ، لما قدمناه من مزيد علمه و دقائق مستنبطاته و من ثم قال أبو بكر : عليّ عترة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أي الذين حث على التمسك بهم . فخصه لما قلناه ، كذلك خصه صلى الله و آله و سلم بما مر يوم غدير خُم ، و منها بعد قوله صلى الله عليه و آله و سلم لا تَقدموهما فتهلكوا ، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ، قال : و قوله دليلٌ على أن من تأهل منهم للمراتب العلية و الوظائف الدينية كان مقدماً على غيره ، ومنها قوله في المنح المكية في شرح قصيدة الهمزية : آل بيت النبي إن فؤادي * ليس يسليه عنكم التأساءُ 1 قال و في الحديث أيضا ً : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله و عترتي . فليُتأمل أنه صلى الله عليه و آله و سلم قرنهم بالقرآن في أن التمسك بهما يمنع الضلال و يوجب الكمال . و قال صاحب كتاب المرقاة –على القاري- في شرح المشكاة في مواضع منه ، منها بعد ذكر الكتاب : " ومن جملة كتاب الله العمل بأحاديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لقوله سبحانه " و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا " . و قال الطيبي : و قوله صلى الله عليه و آله و سلم " إني تارك فيكم " إشارة إلى أنهما بمنزلة التوأمين الخلفين عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أنه يوصي الأمة بحسن المعاشرة معهما ، و إيثار حقهما على أنفسهم ، كما يوصي الأب المشفق لأولاده ، و يعضده الحديث السابق في الفصل الأول " أذكركم الله في أهل بيتي " كما يقول الأب المشفق " الله الله في حق أولادي " . ثم قال : أقول الأظهر هو أن أهل البيت غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت و أحواله ، فالمراد بهم أهل العلم منهم ، المطلعون على سيرته ، الواقفون على طريقته ، العارفون بحكمه و حكمته ، و بهذا يصلح أن يكونوا مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال " و يعلمهم الكتاب و الحكمة " و يؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب عن حميد بن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ذكر عنده قضاء علي بن أبي طالب عليه السلام فأعجبه و قال " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " انتهى . و قال المناوي في فيض القدير : " إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله ، حبل ممدود ما بين السماء و الأرض ، و عترتي أهل بيتي ، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض-أي الكوثر- يوم القيامة " . و زاد في رواية " كهاتين " و أشار بأصبعيه ، و في هذا مع قوله أولا " إني تارك فيكم " تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما و وصى أمته بحسن معاملتهما ، و إيثار حقهما على أنفسهم ، و الاستمساك بهما في الدين ، أما الكتاب فلأنه معدن للعلوم الدينية ، و الحكم الشرعية ، و كنوز الحقائق ، وخفايا الدقائق ، و أما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين ، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق ، و حسنها يؤدي إلى صفاء القلب و نزاهته وطهارته . قال الحكيم " و المراد بعترته هنا العلماء العاملون منهم إذ هم الذين لا يفارقون القرآن ، ثم قال : تنبيه – قال الشريف السمهودي- : " و هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسك من أهل البيت و العترة الطاهرة في كل زمان إلى قيام الساعة ، حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به كما أن الكتاب كذلك ، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض . انتهى ما حكاه عنه صاحب العبقات في الجزء الأول من حديث الثقلين ، و رواه صاحب العبقات في الجزء الثاني من حديث الثقلين عن جماعة أخرجوه بلفظ( الأخذ ) منهم :
و رواه في الجزء الأول من حديث الثقلين بلفظ ( الثقلين ) عن جماعة من أعاظم العلماء في كل عصر و مائة منهم :
تنبيهات :وينبغي التنبيه على أمور :
الأول : إنا لا ننكر ورود النص في التمسك بالسنة المحمدية ، ( في مثل : كتاب الله و سنتي ) بل المراد أن تلك النصوص غير حديث الثقلين المتفق عليه بين فرق الإسلام .
الثاني : ما أوردته في طي هذه الأوراق يعلم الله جل جلاله أني لم أرد به الجدال والشحناء بل ذكرته إيقاظاً للبصائر و الأبصار ، فإن المؤمن مرآة المؤمن و المسلمون يد واحدة على من سواهم ، عصمنا الله من الزلل في القول و العمل .
الثالث : ما أودعته في هذه الرسالة من كلمات فطاحل إخواننا أهل السنة نقلته عن كتبهم ، و أسانيدى إلى أرباب تلك الكتب معنعنة متصلة موصولة ، بواسطة أحد مشايخي الأعاظم أدام الله تعالى ظله –يعني الآية العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي ، النزيل بقم - الراوي عن علماء الإسلام بفرقهم المتشعبة من الإمامية و الحنفية و الشافعية و المالكية و الحنابلة و الزيدية . و قد وقع الفراغ من هذه الرسالة في اليوم الخامس و العشرين من شهر شعبان المعظم سنة 1370 ، و ألفها أقل خدمة أهل العلم : محمد قوام الدين القمي الوشنوي .
و الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيد المرسلين و آله الطيبين الطاهرين .
تنبيهات :1 قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات في شرح المشكاة : سمي ( صلى الله عليه وآله ) الكتاب و العترة الثقلين ، لأنه يستصلح الدين بهما و يعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين ، إلى أن قال و الظاهر أن المراد بأهل البيت هاهنا أخص من أولاد الجد القريب و هم بنو هاشم ، بل أولاده و ذريته ، و العترة أعم من ذلك فافهم .(العبقات) . 1 رواه الدارقطني و محمد بن جعفر البزار ، ابن عقدة و الشريف السمهودي ، و أحمد بن الفضل باكثير المكي و محمود الشيخاني و شيخ بن عبد الله العيدروس اليمني حكاه عنهم صاحب العبقات و رواه أيضاً ابن حجر في الصواعق ص 75 و سليمان بن إبراهيم الحنفي في ينابيع المودة .ص 33 . 1 وقال السخاوي بعد نقل الحديث عن الترمذي و أحمد و الطبراني و أبو يعلى الموصلي : أخرجه مسلم أيضاً و كذا النسائي باللفظ الأول و أحمد الدرامي في مسنديهما و ابن خزيمة في صحيحه و آخرون كلهم من حديث أبي حيان التيمي يحيي بن سعيد بن حيان عن يزيد بن حيان و أخرجه الحاكم من حديث الأعمش ( العبقات ) . 1 قال محمد بن عبد الباقي الأزهري الزرقاني المالكي في السراج المنير في شرح الجامع الصغير : أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً قال الحكيم الترمذي : حض على التمسك بهم لأن الأمر هم معاينة فهم أبعد عن المحنة ، و هذا عام أريد به الخاص و هم العلماء العاملون منهم خرج الجاهل و الفاسق إلى أن قال : قال فخر الدين الرازي جعل الله أهل بيته مشاركين له (ص) في خمسة أشياء في المحبة و تحريم الصدقة و الطهارة و السلام و الصلاة لم يقع ذلك لغيرهم ، و قال أيضاً في الكتاب المذكور : زاد في رواية كهاتين و أشار بأصبعيه و في هذا مع قوله أولا إني تارك فيكم تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما و وصى أمته بحسن معاملتهما ، الخ . و قد مر نظير هذا الكلام قبلا رويناه عن المناوي في فيض القدير فراجع . و قال محمد بن إسماعيل الأمير اليماني في الروضة في شرح التحفة و حديث الثقلين قد أخرجه أئمة المسانيد عن أكثر من عشرة أو عشرين من الصحابة . 1 السنة الثالثة في العدد الأول من رسالة الإسلام . 2 الموطأ في هامش مصابيح السنة في الجزء الثاني ص 197 حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله و سنة نبيه . 1 وقال بدر الدين الروى في تاج الدرة في شرح إيماناً لقوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .و تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم تركت فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي ، و في رواية تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله و عترتي و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، و هذا نص في المقصود فمن تمسك بكتاب الله تمسك بهم و من عدل عنهم عدل عن كتاب الله من حيث لا يدري و هو يقول آمنت بكل ما ثبت مجيئ رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم به من عند الله " فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " الخ و هذا هو الإيمان الكامل . 1 و قال أبو نصر العتبى في تاريخه المعروف بتاريخ اليمني ، فاستخلف في أمته الثقلين اللذين يحميان الأقدام من أن تزل و الأحلام أن تضل و القلوب أن تمرض و الشكوك أن تعرض فمن تمسك بهما فقد سلك الخيار و أمن من العثار و ربح اليسار و من صدف عنهما فقد أساء الاختيار و ركب الخسار و ارتدف الأدبار أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين فصلى الله عليه وعلى آله ، الخ ( العبقات ) . 1 قال الشيخاني القادري في الصراط السوي و في الحديث المرفوع " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " أخرجه أحمد في المناقب إلى أن قال و لا خفاء في أن أهل البيت النبوي عليهم السلام من خلاصة قريش الخ . و قال السيد محمد البخاري المعروف بماه عالم في تذكرة الأبرار و الصلاة والسلام على النبي صلى الله وسلم الأمي الذي ذكر أولاده لعلوهم في الشأن مساويا إياهم بالقرآن حيث قال إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ( العبقات ) . 1 وقال المقبلي الصنعاني إنما أراد أن يجيبوه صلى الله عليه وسلم حين قال : إني تارك فيكم الثقلين ، إن ما تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، و رواياته مع شواهده متواترة معنىً ، فأجاب هؤلاء نخلفك " بهما شر خلافة ، من قدر على السيف فيستقد ، ومن لم يقدر فبلسانه و قلبه و من تأخر زمانه كتاريخنا تناول بعداوته الأولين و الآخرين فكان أعمهم جناية و الله المستعان . 2 قال أحمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي في ذخيرة المال : تعلموا منهم و قدموهم ، تجاوزوا عنهم و عظموهم أما التعلم منهم فقد صح أنهم معادن الحكمة وصح حديث الثقلين فلا تقدموها فتهلكوا و لا تعلموهما فانهما أعلم منكم و أما التقديم فهم أولى بذلك و أحق في مواضع كثيرة منها الإمامة الكبرى و تقديمهم في الدخول و الخروج و المشي و الكلام و غير ذلك من أمور العادات و قال أيضاً و إن حملت مصحفا فلا تقم الأحد من الورى إلا لهم و من الأداب المستحسنة الشرعية أن من كان المصحف الكريم بين يديه و في حجره لا يقوم لأحد و لو كان والداً أو عالماً لشرف المصحف أما أولاد النبي صلى الله عليه و سلم فإنه يقوم لهم و المصحف بين يديه حالة القيام أدباً للثقلين معا لأنهما لا يفترقان إلى ورود الحوض فمن فرق بينهما بهواه و غفلته فرق الله شمله في الدنيا و الآخرة. و قال الخمرواي في مشارق الأنوار و في رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين " النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق و أهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا من حزب إبليس ( العبقات ) .
|