الامام موسى الكاظم (عليه السلام)



 


يوم الأحد السابع من شهر صفر سنة (128 هـ ) ، وُلِدَ الامام موسى بن جعفر (ع) في (الأبواء) بين مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، وهو البلد الّذي تُوفِّيت ودُفنت فيه آمنة بنت وهب اُمّ الرسول (ص) .

عاش الامام في كنف أبيه الامام جعفر الصادق (ع) ودرج في مدرسته العلميّة الكبرى ، فورث علوم أبيه ، وتشبّع بروحه وأخلاقه ، وشبّ على صفاته وخصائصه ، فكان (ع) مثالاً في الخلق الرفيع ، وفي الكرم والزُّهد والصبر ، ومثلاً أعلى في الثبات والشجاعة ومقارعة الحكّام الطغاة ، وكانت حياته في ظلّ أبيه حياة تربية واقتباس ونشأة ، وحياته بعد أبيه امتداداً واستمراراً لمسيرة أهل البيت (ع) النيِّرة في العلم والعمل والجهاد والقيادة والامامة .

وقد نصّ الامام الصادق(ع)على إمامة ولده موسى(ع)من بعده بنصوص وعبارات كثيرة .

روى عليّ بن جعفر ـ أخو الامام موسى بن جعفر ـ وهو من الرواة الثقات قال : ( سمعتُ أبي جعفر بن محمّد (ع) ، يقول لجماعة من خاصّته وأصحابه : استوصوا بابني موسى هذا خيراً فإنّه أفضل ولدي ، ومن اُخلّف من بعدي ، وهو القائم مقامي ، والحجّة لله تعالى على كافّة خلقه من بعدي) (198) .

 

ملامح شخصيّة الامام (عليه السلام)

لجلال قدر الامام موسى بن جعفر (ع) وسموّ صفاته وكمال ذاته لُقِّب بـ (العبد الصالح) و (زين المجتهدين) لكثرة عبادته وتهجّده ، و (الكاظم) لشدّة تحمّله وصبره على الأذى وكظمه للألم والغيظ ، ودماثة خلقه ، ومقابلته الاساءة بالاحسان ، و (باب الحوائج) لوجاهته عند الله وعلوّ مقامه وقضاء الحوائج بالتوسّل .

 

شخصيّة الامام الكاظم (عليه السلام)

السرّ الكامن وراء عظمة أهل البيت (ع) وكمال ذواتهم الانسانيّة وتميّزهم عن سائر الناس هو معرفتهم بالله تعالى والتوجّه الخالص له وهو المتّصف بالخير والكمال المطلق ، وانعكاس هذه المعرفة سلوكاً وعملاً في حياتهم المثالية الخالدة .

فلا عجب أن نرى في سيرتهم الزُّهد والتعالي على متع الحياة الدُّنيا ، والتضحية بلذائذها وبذل المال والنفس في سبيل الوصول إلى الله ونيل رضوانه والعمل على إنقاذ الانسانيّة ووضعها على طريق الهدى ومسيرة الايمان الخيِّرة .

وكانت سيرة الامام الكاظم (ع) العطرة المصداق الامثل لهذه المعاني ، وتلك بعض الروايات كشواهد لذلك :

(وكان (ع) أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتاً به ، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي السامعون لتلاوته ، وكان الناس بالمدينة يسمّونه زين المجتهدين) (199) .

وكان لشدّة علاقته بالله تعالى وشوقه إليه وسعيه إلى رضاه يسعى حاجّاً إلى بيت الله الحرام مشياً على قدميه ، فقد رُوي أنّه حجّ أربع مرّات ماشياً على قدميه يرافقه أخوه عليّ ابن جعفر ، واستغرق حجّه مرّةً 26 يوماً واُخرى 25 يوماً وفي العام الثالث 24 يوماً والرابع 21 يوماً .

وكان إذا وقف بين يدي الله يصلِّي أرسل ما بعينيه من دموع ، وكان كثير الاستغفار والشكر ، قال هشام بن أحمر : (كنت أسير مع أبي الحسن (الكاظم) في بعض أطراف المدينة إذ ثنى رجله على دابّته فخرّ ساجداً ، فأطال وأطال ثمّ رفع رأسه وركب دابّته . فقلت : جعلت فداك قد أطلت السجود ، فقال : إنّني ذكرت نعمة أنعم الله بها عليّ فأحببت أن أشكر ربِّي) (200) .
وقال الشيخ المفيد :

(وكان يبكي من خشية الله حتّى تخضلَّ لحيته بالدموع ، وكان أوصل الناس لأهله ورحمه ، وكان يتفقّد فقراء المدينة في اللّيل فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والادقة والتمور ، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو) (201) .

وعندما أدخل هارون الرشيد الامام الكاظم (ع) في السـجن ، سمع السجّانون الامام يقول: (اللّهمّ إنّك تعلم أنِّي كنتُ أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد فعلت فلك الحمد) (202) .
وهكذا كان خلقه مع الناس حتّى قال عنه المفيد : ( كان أبو الحسن أعْبَد أهل زمانه وأفقههم وأسماهم كفّاً وأكرمهم نفساً ) .

روى المؤرِّخون أنّ الامام كان إذا بلغه عن أحد شيء يسوؤه بعث إليه بالصرّة وفيها مائتان إلى ثلاثمائة دينار ، فكان يقابل الاساءة بالاحسان ، ويغمر الناس بخلقه وكرمه ، (فكانت صرار موسى مثلاً ) (203)، فكان يبعث للمحتاجين والغارمين مثل هذه الصرار .

وكان من سيرته(ع)شراؤه للعبيد وإطلاق حرّيّتهم وفكّ قيودهم في سبيل الله تعالى،وقد ذكرت كتب التاريخ نماذج من ذلك،حتّى كان يشتري الاُسرة بكاملها ويعتقها لوجه الله تعالى.

 

 

مدرسة الامام (عليه السلام) ومقامه العلمي

كان عصر الامام الكاظم (ع) عصراً زاخراً بالتيّارات والمذاهب الفلسفيّة والعقائديّة والاجتهادات الفقهيّة ، ومدارس التفسير والرواية ، فلقد كانت تلك الفترة من أخطر الفترات الّتي عاشها المسلمون حيث تسرّب الإلحاد والزندقة ، ونشأ الغلوّ ، وكثرت الفرق الكلاميّة الّتي حملت آراء وأفكاراً اعتقاديّة شتّى .

وحابى بعض الفقهاء والقضاة الحكّام باستنباطهم الأحكام الموافقة لهم وقضائهم المتحيِّز ، ورُويت الأحاديث المدسوسة والأخبار المزيّفة ، فكانت هذه الفترة الزمنيّة فترة خطرة في وجود الاسلام العقائدي والتشريعي .

وعلى الرغم من حراجة الظرف السياسي، وتضييق الحكّام على الامام موسى بن جعفر (ع) ، إلا أنّه لم يترك مسؤوليّته العلميّة ، ولم يتخلّ عن تصحيح المسار الاسلامي ، فتصدّى هو وتلامذته لتيّارات الإلحاد والزندقة ـ كما تصدّى أبوه الصادق وجدّه الباقر من قبل ـ لتثبيت أركان التوحيد، وتنقية العقيدة، وإيجاد رؤية عقائدية أصيلة تشعّ بروح التوحيد، وتثبت في أعماق النفس والعقل ، كما أغنى (ع) مدرسة الفقه بحديثه وروايته وتفسيره .

إنّ مراجعة التراث الغني الّذي تركه لنا الامام تؤكِّد اهتمام الامام(ع)بحماية عقيدة التوحيد، وتنزيهها عن الشرك والأوهام ، وتركيزها في نفوس الاُمّة ، كما أنّنا نجد فيه فكراً تأسيسياً لمختلف العلوم والمعارف الاسلاميّة ، ونهجاً تربوياً في بناء شخصية المسلم الأصيلة والأبيّة .

لقد ذكرت كتب الرجال وتراجم الرواة والمعنيين بالحديث أنّ أكثر من ثلاثمائة راو رووا عن الامام موسى بن جعفر (ع) ، ويذكر التاريخ العلمي بفخر كوكبة من تلامذة الامام كعلماء أفذاذ وعباقرة مبرزين ، ويذكر للكثير منهم كتباً ومؤلّفات وموروثات علمية ثريّة .

 

 

الظرف السياسي الّذي أحاط بعصر الامام (عليه السلام)

كانت هذه الفترة من حياة المجتمع الاسلامي فترة مظلمة من الناحية السياسية،انتشر فيها الإرهاب والقتل على الظن والتهمة،حتّى صار السجن والضرب والقتل لأتفه الأسباب أمراً عاديّاً.
في هذه الفترة انتشر المجون واللّهو والطّرب ، وغصّت قصور الخلفاء والاُمراء والولاة والوزراء والحواشي بالجواري الحِسـان ، وبأدوات اللّهو وبالمغنِّين والمطربين ، وبالشعراء المتملِّقين المتعبِّدين للدرهم والدينار .

واشتغل الحكّام باقتناء الجواري والمجوهرات والعطور والألبسة ووسائل اللّهو واللّذّة والتّرف وبناء القصور،فأنفقوا أموال الاُمّة وضيّعوها،وهي الّتي استنزفوها من شرايين الكادحين أو اغتصبوها وصادروها من المظلومين والمطاردين والمحكوم عليهم بالسجن والقتل(204).

لقد طارد العبّاسيون ذرّيِّة الامام عليّ بن أبي طالب (ع) وأتباعهم لمعارضتهم الظلم ومواجهتهم للانحراف ، وتتبّعوهم في كل ناحية ومصر ، وجنّدوا الأموال والأعوان من أجل استئصال العلويين والقضاء على طلائعهم وقياداتهم خوفاً من ثوراتهم وسموّ مكانتهم في نفوس الخاصّة والعامّة من أبناء الاُمّة .

ورغم أنّ ظروف الامام الكاظم (ع) السياسية كانت صعبة للغاية والحصار والتضييق عليه كان أشدّ من الحصار والتضييق المضروب حول أبيه الصادق (ع)، وعلى الرغم من مراقبته وحبسه في السجون والمعتقلات، إلا أنّه لم يترك دوره ومسؤوليّته ، فقد ربّى جيلاً من العلماء والرواة والمحدِّثين ، وساهم مساهمة فعّالة في إيقاف الانحراف الّذي حملته بعض تيّارات الفلسفة والعقائد وعلم الكلام المتأثِّرة بالغزو الفكري ، فقد روى المؤرِّخون أنّ بعض العلماء وبعض أصحابه وتلامذته كان يتصل به سرّاً في السجن ، ويسأله عن المسائل والقضايا والأحكام فكان يراسلهم ويجيبهم .

إنّ حياة الامام (ع) تمثِّل مرحلة سـياسية وتاريخيّة بارزة في تاريخ الاسلام، وقد تحمّل الامام الكاظم (ع) مسؤوليّة الامامة من سنة 148 هـ وحتّى سنة 183 هـ ، وقد شملت فترة من حياة المنصور وحياة المهدي والهادي والرشيد ، وهي أبرز فترات الحكم العبّاسي المنحرف .

 

 

الامام (عليه السلام) وأبو جعفر المنصور :

في عهد أبي جعفر المنصور عانى العلويّون أشدّ المعاناة ولحقهم الظلم والقتل والارهاب .

وكان المنصور قد صادر أموال العلويين وأدخلهم السجون والمعتقلات، وطاردهم تحت كل حجر ومدر ، فسفك دمـاءهم وبالغَ في تعـذيبهم ، وتفنّن في أساليب القتل ، فكان يبني عليهم الاُسطوانات وهم أحياء ، ويمنع عنهم الطعام والشراب فيقتلهم جوعاً في أعماق سجونه المظلمة ، أو يثقلهم بالضرب والحديد حتّى ينهكهم فيموتوا .

 

 

الامام (عليه السلام) ومحمّد المهدي :

بعد المنصور أحسّ ابنه المهدي بالسياسة المجحفة الظالمة الّتي انتهجها أبوه ، فحاول أن يخفِّف عن كاهل الرعيّة في مطلع حكمه ، فأطلق سراح السجناء وردّ الاموال المصادرة إلى أهلها ، وشمل هذا القرار الطالبيين ـ آل أبي طالب ـ ، فأخرجهم من السجون وردّ أموالهم ، وكان من جملة مَنْ شملهم هذا القرار الامام الكاظم (ع) ، إذ رُدّت إليه الاموال المصادَرَة وهي من أبيه الامام الصادق (ع) .

إلا أنّ المهدي لم يدعه هاجس الخوف من شخصية الامام موسى بن جعفر (ع) وقوّة تأثيره، فطلب من واليه على المدينة أن يُرسل إليه الامام (ع) .

وصل الامام الكاظم (ع) بغداد ، فأمر المهدي بزجّه في السجن ، ولكن حدثت كرامة غيبية للامام الكاظم دعت المهدي إلى التراجع وإطلاق سراح الامام .

فقد رأى المهدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في المنام وهو يقول: «يا محمّد ! هل عَسَيتُم إنْ تولّيتم أنْ تُفسدوا في الارض وتُقطِّعوا أرحامكم» (205)، ففزع المهـدي وقام من نومه، فاستدعى حاجبه الربيع وأمره بإطلاق سراح الامام (206) .

وهكذا عاد الامام إلى مدينة جدّه رسول الله (ص) .

 

 

الامام (عليه السلام) وموسى الهادي :

استمرّ هذا الحاكم على سياسة آبائه في كراهية العلويين ومحاربتهم والتضييق عليهم،ممّا اضطرّ العلويون وأتباعهم إلى إعلان الثورة عليه بقيادة الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب،صاحب واقعة فخ سنة (169هـ)،وقد عمد العبّاسيون إلى قتل الثوّار،وأمر الهادي بقتل الاسرى،فقتلوهم،ثمّ قاموا بالتمثيل بالقتلى وهدم الدور وحرق المزارع.

ولعلّ هذه الثورة هي من أبرز ثورات أهل البيت وأكثرها لوعة وفجيعة بعد ثورة كربلاء الّتي قادها واستشهد فيها الامام السبط الحسين (ع) .

وبعد إنهاء الثورة ، راح الهادي يتوعّد بالامام الكاظم (ع) ، فقرّر اعتقاله وسجنه ، لكن الله تعالى عجّل بنهايته إذ مات الخليفة العبّاسي قبل أن ينفِّذ أمره بالامام (ع) ، وخلفه أخوه هارون الرشيد.

 

 

الامام (عليه السلام) وهارون الرشيد :

عاش الامام موسى بن جعفر (ع) هذه الفترة العصيبة من حكم بني العبّاس كما عاشها الآخرون من ذرِّيّة أهل البيت وأتباعهم وبقية الاُمّة تحت وطأة الظلم والارهاب والسجون والقتل والتشريد .

روى المؤرِّخون نماذج وصوراً مأساوية للسجون والقتل والمطاردة للعلويين وأتباعهم ، وخصوصاً الامام موسى الكاظم (ص) وتلامذته وحَمَلَة علومه .

ففي سنة (179 هـ ) حجّ الرشيد وبدأ بالمدينة المنوّرة ، وأمر باعتقال الامام الكاظم (ع) ، فاعتُقِلَ واُرسِلَ إلى البصرة عند واليها عيسى بن جعفر بن المنصور ، وبقي في السجن سنة ، ثمّ اُرسِلَ الامام (ع) إلى بغداد ، حيث حُبِسَ عند الفضل بن الربيع ، وبقي عنده مدّة طويلة ، ثمّ حُبِسَ عند السندي بن شاهك .

وإذا أردنا معرفة الظروف الّتي عانتها الاُمّة وطليعتها المجاهدة من حكم الرشيد بصورة عامّة وما لاقاه الامام الكاظم (ع) بصورة خاصّة ، فلا بدّ لنا من تقصِّي وثائق التاريخ لتروي بنفسها حجم المعاناة وعظيم المحنة وفداحة الظلم .

فمثلاً سجّل التاريخ أنّ الفضل بن يحيى البرمكي الّذي كان من أخلص المقرّبين من الرشيد يُجرَّد من ثيابه ويُضرَب ويُهان ويُلْعَن في مجلس عام بطلب من الرشيد لانّه رفّه عن الامام الكاظم وخفّف عنه آلام السجن(207).

وينقل التاريخ صورة اُخرى عندما قدم يحيى بن خالد البرمكي إلى بغداد لتدبير عملية اغتيال الامام الكاظم ، استولى الذعر والخوف على الناس واضطربوا (فهاج الناس وأرجفوا بكل شيء) (208) .

كما ينقل التاريخ اعترافات حميد بن قحطبة الّذي كلّفه هارون الرشيد ليقوم بمجزرة كبيرة في السجناء العلويين .

ويروي حميد كيف أنّه تناول السيف وذهب إلى بيت مُغلَق في وسطه بئر ، وفي البيت ثلاثة بيوت ـ زنزانات مغلقة ـ فلمّا دخل فتح له خادم هارون الرشيد أحد البيوت فإذا فيه عشرون علوياً من ذرِّيّة عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله (ص) وهم شباب وشيوخ وكهول مقيّدون بالسلاسل والقيود ، فطلب منه الخادم قتلهم وإلقاءهم في البئر ، ففعل ، وهكذا في البيت الثاني والثالث حتّى قتل ستّين علويّاً (209) .

وقد رُوي أن محمّد بن أبي عمير الازدي من أصحاب الكاظم (ع) حُبِسَ في سجون الرشيد سبع عشرة سنة، وكان من أوثق الناس وأنسكهم وأورعهم وأعبدهم ، وقد عُذِّب عذاباً شديداً ، وقد روى الكشِّي أنّه ضُرِبَ مائة وعشرين خشبة ولم يُفرَج عنه حتّى أدّى من ماله واحداً وعشرين ألف درهم .

كما رُوي أنّه ( كان من أصحابه ـ الكاظم ـ عليّ بن هاشم بن البريد وعبدالله بن علقمة ومخول بن إبراهيم السهدي فحبسهم الرشيد في المطبق ـ أحد سجون الرشيد ـ اثنتي عشرة سنة ) (210) .

وتلك صور قليلة ممّا وصلنا ، فيما طَوى التاريخ آلاف الصور الاُخرى المؤلمة .

 

كيف كان الامام (عليه السلام) يقضي أيّام سجنه ؟

اتّخذ الامام من السجن مسجداً ، ومن وحشة الحبس ووحدته معتكفاً ومأنساً بذكر الله وقربه سبحانه ، فنهاره صيام وليله مناجاة وقيام .

روى أحد الّذين كُلِّفوا بمراقبة الامام (ع) في سجن عيسى بن جعفر في البصرة ، أنّه سمع الامام يقول :

( أللّهمّ إنّك تعلم أنّي كنتُ أسألك أن تفرغني لعبادتك ، وقد فعلتَ ذلك فلكَ الحمد ) .

وجاء أيضاً أنّ الرشيد أمر بتسليم موسى الكاظم إلى الفضل بن يحيى (فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرّصد ، فكان مشغولاً بالعبادة يُحيي اللّيل كلّه : صلاة وقراءة للقرآن ، ويصوم النهار في أكثر الايّام ولا يصرف وجهه عن المحراب) (211) .

كان الرشيد ينقل الامام (ع) من سجن إلى سجن ، لعلّه يخفي شخص الامام ، ويقتل روح المقاومة ، ويغيِّبه عن الاذهان .

وحاول الرشيد استضعاف الامام ، فأرسل إليه مَنْ يتوسّط إليه ليظهر الاعتذار للرشيد ويسأله العفو ، فيطلق سراحه ، ولكن الامام رفض ذلك بشدّة وكان جوابه للرشيد : (وستعلم غداً إذا جاثيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه والسلام) (212) .

هكذا حطّم الامام (ع) بصبره وثقته بالله سبحانه كلّ وسائل الجور والارهاب من السجن والضغط والقيود والتزييف وتضليل الرأي العام ، ولمّا نفدت كل وسائل الرشيد ، لجأ إلى الحل الآخير وهو اغتيال الامام وإنهاء حياته الشريفة .

 

الامام (عليه السلام) الشّهيد

لقد جهد الرشيد في أن يتخلّص من الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) بشتّى الوسائل ، فقد رفض عيسى بن جعفر والي البصرة قتل الامام ، واستعفى الرشيد من ذلك ، وطلب نقله من سجنه ، فنقله إلى سجن الفضل بن الربيع ، فأثّرت شخصية الامام (ع) في نفسه ، ورفض قتل الامام ، فلم يجد الرشيد بُدّاً من نقله إلى الفضل بن يحيى ، فتسلّمه الفضل بن يحيى ، وطلب منه الرشيد أن ينفِّذ في الامام (ع) جريمة القتل ، فرفض .

لم يجد الرشيد في أنصاره وحاشيته أفضل من مدير شرطته في بغداد ، السندي بن شاهك ، وكان فظّاً غليظاً قاسياً ، حيث وضع الامام (ع) في سجنه وعامله معاملة خشنة قاسية وأرهقه بالسلاسل والقيود .

كان الرشيد في الرقة متوجّهاً إلى الشام ، عندما تشاور مع يحيى بن خالد في قتل الامام الكاظم (ع) ، فتوجّه يحيى إلى بغداد ، يخطِّط لارتكاب الجريمة ، وما أن وصل بغداد حتّى اجتمع بالسندي بن شاهك وقدّم له صورة المخطّط وكيفيّة التنفيذ، فأجاب متقبِّلاً طائعاً، ودسّ السمّ في رطب قُدِّم للامام (ع) .

فتناول الامام الطعام، وأحسّ بالسمّ يسري في جسده الطاهر، وراح يُقـاوِم آثار السمّ ثلاثة أيّام ، فلم يستطع مغالبـة المنيّة ، فلفظ أنفاسـه الآخيرة ، وفاضت روحه الطاهرة في اليوم الثالث في سجن السندي بن شاهك ففاز بالشهادة في اليوم الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة للهجرة ، ورحل (ع) من سجنه مجداً شامخاً لا يدانيه أحد . قضى مظلوماً شهيداً فيما توحّل قاتلوه في عار الغدر والجريمة .

لقد حاول الجناة تغطية جريمتهم ، وإخماد صوت الرأي العام الّذي راح يهزّ بغداد ، فعمدوا إلى جمع الشهادات من ذا وذاك بأنّ الامام مات حتف أنفه ولم يقتله أحد .

ومع أنّ الامام قد قُتِلَ ورَحَلَ إلى ربّه ، إلاّ أنّ الأحقاد لم تطفأ والنفوس المريضة لم تشفَ ، لذا فقد عمدوا إلى ترك الامام ثلاثة أيّام مسجّىً في السجن ثمّ وُضِعَ على جسر الكرخ ببغداد يُنادى على جنازته : هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه (213) .

وهاجت الناس وعمّ بغداد الصخب والضجيج ، وقد أخذ شرطة الرشيد الجنازة إلى الجانب الثاني من بغداد ، فهجم الناس عليهم وأخذوها منهم ، وسارت الجموع خلف الجنازة في موكب حزين تخيِّم عليه الآلام والمصائب لهذا الفقد العظيم ، وسار الموكب حتّى انتهى إلى مقابر قريش ـ بالكاظمية ـ حيث اُرقد الامام ووُري جثمانه الطاهر هناك .

فسلامٌ عليه يوم وُلِدَ ، ويوم قَضى شهيداً في ظلمات السّجون ، ويوم يُبْعَثُ شاهداً بين يدي ربِّ العالمين .