التعريف بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)


هاشم الموسوي
 


 

القائمة الرئيسية
القرآن الكريم
نهج البلاغة
أهل البيت (ع)
عقائد الإسلام
المكتبة الإسلامية
مقالات إسلامية
شخصيات إسلامية
المكتبة الصوتية
المكتبة المرأية
المكتبة المصورة
أدعية وزيارات
شبهات وردود
متفرقات
المناسبات الإسلاميةروابط تابعة
سجل الزوار
إتصل بنا
من نحن
بحث متقدم

 

 

 

ّّّ

كلمة المركز

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

منذ البدء، ومنذ أن هبطت كلمة الوحي على النبي الهادي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان علىّ إلى جواره يعيش في ظلّه ويتربى في حجره، ويتلقى من فيض خلقه ومعارفه.

وهكذا نشأ عليّ، أبو العترة الطاهرة، ومنه ومن الزهراء البتول سيدة نساء العالمين (عليها السلام) نشأ البيت النبوي المبارك، الذي سمّى القرآن الكوكبة التي احتظنها هذا البيت بـ (أهل البيت) فصار مصطلحاً وعنواناً متميّزاً ومن أكثر العناوين والمصطلحات وضوحاً في معجم الفكر الإسلامي، رغم محاولات الخلط وإرباك الفهم.

وامتد البيت النبوي الكريم ذرية مباركة يحمل أهله لواء الإمامة والهداية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فامتد في عمق الحياة والفكر وتفاعلات التأريخ، بل كان أهل البيت (عليهم السلام)من أكثر قوى التأثير والفاعلية في تاريخ الأمة رغم ما عانوا من ظلم واضطهاد وعدوان.

ولقد حمل أهل البيت (عليهم السلام) الكتاب والسنّة بكل ما أوتوا من قوة، فجاهدوا من أجل الحفاظ على النقاء والأصالة، وبيان المحتوى الحق، وتثبيت دعائم الوعي والفهم السليم لهما.

فلقد أفاضوا من آفاق علومهم ما ملأ خزائن العلم والمعرفة، وأغنى الفكر والحياة الإسلامية، فبرز ومن لدن عليّ، وحتى مهدي آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الصرح الفكري العظيم، وتلك المدرسة العلمية الشامخة، التي وددنا أن نرسم في هذا الكتاب صورة موجزة لها ونعرّف القارئ بأبرز معالمها، لاسيما وقد كوّن التخريب الثقافي والتضليل السياسي المضاد، حُجُباً بينه وبين هذا الكيان الإسلامي النيّر، لعلّنا نُسهم في خدمة الحق والتعريف بهذا الصرح العلمي الخالد.

راجين من الله سبحانه القبول والسداد.

إنّه سميع مجيب

مركز الغدير للدراسات الاسلامية

21/شوال/1417هـ

 

تعريف:

لقد استعمل القرآن الكريم مصطلح أهل البيت بقوله:

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ).

وأوضح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) معنى هذه الآية، وحدّد مصاديقها في موارد ومواقع كثيرة. منها ما أخرجه الترمذيّ: إنّ هذه الآية نزلت علـى النبيّ في بيت أم سلمة، فدعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً(عليهم السلام) خلف ظهره، فجلَّلهم بكساء، ثم قال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبيّ الله، قال: أنتِ على مكانكِ وأنتِ إلى خير».([1])

وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إنّي أوشك أن أُدعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض فانظروني بِمَ تخلِّفوني فيهما».([2])

وهكذا صار مصطلح (أهل البيت) مصطلحاً شرعياً ورد على لسان الكتاب والسنّة النبويّة.

وحين نستعمل مصطلح (مدرسة أهل البيت) إنّما نقصد به تلك المدرسة العلميّة الشامخة التي أخذت معارفها وعلومها وفهمها ووعيها للإسلام (الكتاب والسنّة المطهّرة) عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عليّ وبنيه: الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد الباقر، وجعفر الصادق وموسـى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرضا ومحمد بن عليّ الجواد وعليّ بن محمد الهادي والحسن بن عليّ العسكري والمهديّ محمد بن الحسن العسكري (عليهم السلام)الذين تلقوا علومهم ومعارفهم ابناً عن أب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

أو هي مجموع ما أَفاضه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من علوم ومعارف مُبيِّنة لمحتوى الكتاب والسنّة.

 


([1]) الترمذي/ مناقب أهل البيت: ص308.

([2])مسند أحمد: 3/ 394 / ح 10747. لقد روى حديث الثقلين بضع وعشرون صحابياً.


 

نظرة تأريخية:

وإنّه لمن الواضح عقيديّاً، وتأريخيّاً أنّ المسلمين كانوا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يأخذون عنه ما تعذّر عليهم فَهْمه من كتاب الله، أو السنّة النبويّة المطهّرة، أو ما يواجههم من وقائع ومشاكل تعبديّة أو اجتماعيّة أو فكريّة..الخ فهو المبلِّغ عن الله سبحانه، والمبيّن للعقيدة والشريعة ونظام الحياة، ومحتوى الكتاب العزيز.

وهكذا كانت وحدة المرجعيّة في الفكر والعقيدة والتشريع متمثّله في شخص الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبعد أن التحق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى وواجه المسلمون على مستوى الدولة والمواقف الفرديّة والممارسات الاجتماعية مشاكل ووقائع وإشكالات فكريّة وتشريعيّة، تحتاج إلى بيان الحكم الشرعيّ، أو تحديد الفهم الإسلامي، ولم يجدوا لها نصّاً واضحاً في الكتاب والسنّة، لجأوا في حلّ هذه المشاكل الفكريّة والتشريعيّة إلى بعض الصحابة.

بل وكان للصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان عندما تولوا إدارة السلطة السياسيّة مواقف وآراء، وممارسات سياسيّة واقتصاديّة وإداريّة مختلفة; وكانت للإمام عليّ(عليه السلام) ومنذ وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل أن يلي شؤون الخلافة ، وحين تولّيه لها كانت له سيرته ومواقفه المختلفة في قضايا ومسائل كثيرة عمن سبقه، كما كانت له مواقف وبيانات للعقيدة ومعارف الإسلام المتعدّدة وقف فيها موقف الرفض والشجب والتصحيح لما صدر عن بعض الصحابة وسار به الخلفاء قبله.

وقد تجلّى ذلك بشكل واضح في رفض الإمام علي(عليه السلام) لقبول الخلافة على شرط الالتزام بسيرة الشيخين، جاء ذلك في ما نقله اليعقوبي من حوادث تولي عثمان الخلافة قال: «وخلا ـ عبدالرحمن بن عوفـ بعلي بن أبي طالب، فقال: لنا الله عليك، إن ولّيت هذا الأمر ، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيّه ما استطعت... ثم قال: إن كتاب الله وسنّة نبيّه لا يحتاج معهما إلى أجيريّ أحد»([1]).

وعند دراسة تلك المرحلة، نجد أنّ أبرز حالات التعدّد والاختلاف التي ظهرت هي:

1 ـ الاختلاف في الإمامة والولاية. فقد كان الإمام علي (عليه السلام) يعلن أنه المستحق للإمامة وولاية الأمر ويصرّح بذلك كما جاء في قوله لأبي بكر وعمر عند ما طلبا منه البيعة بعد وفاة الرسول: «أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي...»([2]) منطلقاً من أدلة الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقد أجمع المسلمون أنها نزلت في علي(عليه السلام)وكقول الرسول الكريم في حجة الوداع يوم استوقف الحجيج في غدير خم، وألقى فيهم خطابه الخالد والذي جاء فيه: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»([3]).

2 ـ الاختلاف في السياسة والسيرة العملية.

3 ـ الاختلاف في الفتاوى والأحكام وكيفية التعامل مع الكتاب والسنة النبوية.

وعند دراسة وتحليل حقيقة الخلاف نجد أن ما وقع في السقيفة هو منشأ الخلاف فقد أبعد المؤتمرون الامام علياً عن موقع الخلافة، واعتبروا هذه النقطة نقطة فراغ تركها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ليملؤوها حسب قناعاتهم، بالرغم من وجود النصوص الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي(عليه السلام)والتي أوردها الرواة والمحدثون من مختلف الفرق والمذاهب فلم يكن الرسول ليغفل عن أهمية الخلافة وولاية أمر الأمة وخطورتها كما أنه لم يرو في تصريحاته(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يشير الى أن الأمر من بعده شورى.

ومبدأ الشورى الذي جرى في السقيفة لم يُلتزم به فيما بعد.

فقد ولّى الخليفة أبو بكر عمر من بعده توليةً، ورشَّح عمر بن الخطاب ستة أشخاص كان قد وضع من القيود والتهديد بالقتل ما ينهي النتائج بشكل قسري وفي الأحوال كلها، الى وضع محدّد. فلم يكن للأمة رأي، ولا لعموم المؤمنين شورى.

فكأن مبدأ الشورى في السقيفة كان لإقصاء علي عن موقعه الذي ثبتته الأدلةمنالكتابوالسنة.

وقدأشارالإمامعلي(عليه السلام)الىذلكفيالعديدمن عباراته.

وبعدهذاالإقصاءوتثبيتهعلىواقعالوضعالاجتماعي والسياسيالفتي الناشئ للأمة، بعد وفاة قائدها الأعظم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ابتداء أقرّ المؤتمرون بفضل علي (عليه السلام)وموقعه العلمي، وأنه المرجع الأول في الفتيا والقضاء، وأنّه لا يمكن أن تستغني عنه الدولة الناشئة والحكام. فكان الخليفة بنفسه يرجع إليه ويسأله عن حكم المسائل والأقضية، وما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو نزل به الوحي والقرآن الكريم بشأنها، وقد صدرت عن الخليفة الثاني بهذا الشأن تصريحات كثيرة متواترة مذكورة في كتب الحديث والتاريخ، يؤكد فيها أنه (لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب)([4]).

ولكن وبالتدريج حيث كانت هذه المرجعية الدينية والفكرية، تستلزم رسم السياسة والسيرة العملية للخلافة الإسلامية الصّحيحة ، وبالتالي لشرائط الحكم والحاكم والنظام الإسلامي ككل، مما يكشف في النهاية النقاب عن الحقيقة.

كان لا بد للخلافة الجديدة والمتصدين لها أن يمارسوا المرجعية الفكرية، ومن هنا نشأت فيما بعد نظريات حول مذهب الصحابي ومرجعيته الدينية وحجية قوله وفعله، وكذلك حجية سيرة الخلفاء في السياسة والحكم، بل وفي الفقه والتفسير والقرآن والعقائد وما إلى ذلك، فظهرت الاختلافات في النقطتين الثانية والثالثة.

وقد أُطلق على مجموع الفتاوى والآراء الصادرة عن الصحابي من قبل علماء بعض المذاهب الإسلامية مصطلح (مذهب الصحابي)...كما أُطلق على سيرته العمليّة (سنّة الصحابي).

وبعد جيلالصحابةجاءجيلالتابعين،فكانتلهم آراء،ومذاهب فكريّة، وفتاوى فقهيّة، ورؤى تتعلّق بالكتاب والسنّة، كما نظروا في مذاهب الصحابة وفتاواهم، وسيرتهم العمليّة المتعدّدة الاتجاهات، فاختلفوا في الموقف منها، ومدى حجّيتها.

وحين بدأ الاجتهاد المنظّر، وجاء جيل الفقهاء أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، كانت لهم آراء ومذاهب ومدارس فقهيّة تأثرت تأثراً كبيراً بمن سبقهم من الصحابة والتابعين حتّى مثّلت امتداداً لهم.

واتّخذت صيغاً محدّدة، وأُصولا منظّرة في عهد الفقهاء، فحدّد الفقهاء أُصولهم ، وقواعدهم ، ومناهجهم في الفهم والاستنباط ، وموقفهم في القضايا العقيديّة والسياسيّة المختلف عليها، ومنها الموقف من سنّة الصحابي ومذهبه.

ومع بداية التعدّد في الفهم والأخذ من كتاب الله،وسنّة نبيّة الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر الصحابة، وحتّى تطور الاتجاهات الفكريّة والمناهج الاستنباطيّة، كان لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم موقف علمي تحدَّد في أنّ الإمام علياً هو الحجة والمرجع عند اختلاف الصحابة في الفهم والإفتاء والسيرة ...الخ، ذلك لما ثبت لدى الجميع من أدلّة قرآنيّة، وشهادات نبويّة، واعتراف من الصحابة بأنّه الأعلم والأقضى وأنّه من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأنّه ملازم للكتاب، لا يفترق عنه، كما ورد في حديث الثقلين الذي أوردنا آنفاً.

فمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قامت على ما ورثه أئمة أهل البيت عن عليّ (عليه السلام) من علوم ومعارف تلقّاها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما صدر عنه من بيان للكتاب والسنّة، فآمنت بأنّه المرجع والحجّة عند الاختلاف، وبذا تبلورت دعائم هذه المدرسة و تشخّصت معالمها الأساسيّة. فكان لأئمة أهل البيت مدرستهم، وبيانهم للكتاب والسنّة، والتأسيس على ذلك، كما كان لبقية الصحابة والتابعين فهمهم للكتاب والسنّة أيضاً.

الموقف من سيرة الصحابي وسنته لقد اختلفت آراء ومواقف علماء الاسلام، على اختلاف مذاهبهم من مذهب الصحابي وسيرته العملية، وجواز تقليده. وفيما يلي نعرض تعريفاً بأهم هذه الآراء، فقد ذكر أنّ أئمة المذاهب الفقهيّة الذين عاصروا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومن جاء بعدهم، لم يروا في اجتهاد الصحابي حجّة علـى المسلمين، ولا مصدراً للمعرفة الإسلامية واجبة الاتّباع، فقد نقل الآمديّ الأُصوليّ الحنبليّ في هذا الشأن ما يلي: «اتفق الكلّ على أنّ مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجّة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً. واختلفوا في كونه حجّة علـى التابعين، ومن بعدهم من المجتهدين. فذهبت الأشاعرة والمعتزلة، والشافعيّ في أحد قوليه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والكرخي، إلى أنّه ليس بحجّة...والمختار أنّه ليس بحجّة مطلقاً..»([5]).

ثم قال:

«وإذا ثبت أنّ مذهب الصحابي ليس بحجّة واجبة الاتّباع، فهل يجوز لغيره تقليده.. والمختار امتناع ذلك مطلقاً»([6]).

غير أنّهم ذهبوا إلى حجّية سنّته واعتبارها مصدراً للفهم والتشريع، فقد ثبَّت الشاطبي هذا المبدأ بقوله: «سنّة الصحابي (رض) سنّة يعمل عليها، ويرجع إليها، والدليل على ذلك أُمور...»([7]).

وقد أوضح أبو حنيفة رأيه في فتوى الصحابة، واجتهادهم، وقيمتها التشريعيّة عنده بقوله: «فإن لم أجد في كتاب الله، ولا سنّة رسول الله، أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت، وأدع من شئت...»([8]).

وعلى تلك الأسس أسّس الجيل الأول من مجتهدي تلك المذاهب أصولهم ومذاهبهم، ثم توسّعوا في مصادر التشريع ونظريّة الاستنباط، وتفريع الفروع. فكانت لهم آراء وفتاوى واجتهادات متباينة، فتشخّص لكلّ مجتهد رأيه ومذهبه ونظريّته في الاستنباط.

أمّا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ مدرستهم العلميّة قائمة على أساس أنّ المرجع والحجّة في الفهم، ووعي الكتاب والسنّة، والحفاظ عليهما هو عليّ (عليه السلام) الذي ورث كل ذلك، وتلقّى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ورد فيه ما يلزم الأمة باتباعه ثم تلقى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)هذا التراث العلمي الواحد تلو الآخر، ضمن بيئة علميّة وسلوكيّة متميّزة المعالم فيهم (عليهم السلام) فنمت هذه المدرسة، واتّسع تيارها العلمي لا سيّما في عهد الإمامين محمد الباقر وولده جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام)، فكانا إمامين في العلم والمعرفة، وأساتذة للعلماء والرواة، ومرجعاً في شتى صنوف العلم ومعارف الشريعة.

وقد شهد العلماء وأئمة المذاهب والرواية لهما بالفضل في العلم والتقوى، كما شهدوا لآبائهما الطاهرين من قبل.

وهكذا تميّزت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في فهمها العقيدي، مقابل المذاهب والمدارس العقيديّة الأخرى، كمدرسة المعتزلة، والأشاعرة، والمجبِّرة، والكرّاميّة، والمرجئة، والقدريّة، والمشبِّهة، والغلاة، والمفوِّضة، والباطنيّة، والصوفيّة...الخ.

كما تبلورت مدرستهم الفقهيّة مقابل المذاهب الفقهيّة الاُخرى، كمذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرها من المذاهب الفقهيّة.

كما تميز اتجاههم السياسيّ عن غيره من الاتجاهات، ونظريات الفهم السياسيّ التي تبنتها المذاهب الاُخرى، منطلقين بذلك من منهجهم العام في العقيدة والتشريع.

وهكذا نشأت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي أُسس عليها مذهب الشيعة الإمامية، أو ما يسمى بالمذهب الجعفريّ، نسبة إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)فيما بعد.

وينبغي أن نوضّح هنا أنّ ما صدر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من العلوم والمعارف الإسلامية لا يسمّى مذهباً، فما كانوا أصحاب مذهب، بل ما صدر عنهم(عليهم السلام)هو إيصال، وبيان لما وصلهم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وانّما تنسب الصيغة المذهبية إلى الفقهاء والعلماء الذين أخذوا عنهم، فتبنّوا واجتهدوا واستنبطوا.

الأصل والامتداد ويوضّح أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أُسس وعمق مدرستهم العلميّة، وأنها الامتداد المتواصل لعطاء النبوّة، والمواصلة لذلك المنهج. فلم يكن ما صدر عنهم اجتهاداً فيُعرّض للخطأ والصواب، بل أوضحوا أنّ كلّ ما لديهم، وما صدر عنهم، هو ما ورثوه عن رسولالله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتناقلوه ابناً عن أب. وبذا أوضحوا عنصر الأصالة في عطاء هذه المدرسة، وموجب مرجعيتهم للأمة بأسرها.

من هذه البيانات: روى جابر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: «ياجابر لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم»([9]).

وفي ذلك يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام): «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث أبيه، وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ»([10]).

وروى سماعة عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: «أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه، أو تقولون فيه؟ قال: بلّ كل شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه»([11]).

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: «لو أنّا حدَّثنا برأينا ضللنا، كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدَّثنا ببيّنة من ربِّنا بيّنها لنبيِّه فبَيَّنه لنا».([12])

وتأسيساً على ذلك فهم علماء الشيعة الإمامية أنّ ما صدر عن أئمة أهل البيت هو عبارة عن بيان وايصال للسنّة النبويّة المطهّرة. ولمزيد من البيان نسجّل النصّ الآتي عن الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) والذي هو: «وهكذا يتّضح أنّ تغيير أحكام الشريعة عن طريق النسخ يكون أيضاً أحد العوامل المستوجبة للتعارض بين الأحاديث والنصوص، ولكنّ التعارض علـى أساس هذا العامل تنحصر دائرته في النصوص الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا تعمّ النصوص الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام)، لما ثبت في محلّه من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ الأحاديث الصادرة عن الأئمة المعصومين ليست إلاّ بياناً لما شرّعه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأحكام وتفاصيلها»([13]).
 

 


([1]) تاريخ اليعقوبي: 2/ 162.

([2])ابن قتيبة الدينوري / الإمامة والسياسة: 11/1.

([3])روى هذا الحديث من الصحابة مئة أو يزيدون، ومن التابعين ما يزيد على الثمانين، ومن العلماء والرواة ابتداءً من القرن الثاني وحتى القرن الرابع عشر من الهجرة ثلاث مئة وستون. راجع: كتاب (الغدير) للعلاّمة الأميني / الجزء الأوّل ـ الطبعة المحققة: 41 ـ 325.

([4])تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص 144 ـ 148.

([5]) الآمدي / الإحكام في أصول الأحكام: 2 / 155.

([6]) المصدر السابق: ص / 160 ـ 161.

([7])الموافقات: 4/ 74، نقلا عن محمد تقي الحكيم / الأصول العامة للفقه المقارن: ص135.

([8])الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد: 13 / 368.

([9])العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار / ج2 / ص173 / ح4.

([10]) نقلا عن السيد الأميني / أعيان الشيعة: 1/ 661.

([11])الكليني / الأصول من الكافي: 1/ 62.

([12]) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار: 2 / 172 / ح2.

([13]) آية الله السيد محمود الهاشمي / تعارض الأدلة الشرعية ـ تقريرات لأبحاث آية الله العظمـى السيد محمد باقر الصدر: ص30.

 

 

حرب السلطات لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)

لقد عرف الصحابة موقع عليّ وجهاده وعلمه وورعه، ولم تخف هذه الحقيقة عليهم، غير أن هذه الصورة الناصعة قد عُرِّضت للتشويه في العهد الأموي، ومنذ أنّ وقع الصراع بين معاوية بن أبي سفيان، ومن تلاه من حكّام الأمويين وبين الإمام علي والحسن والحسين (عليهم السلام)والامتداد المتواصل لأئمة أهل البيت(عليهم السلام).

ذلك لأن المرجعيّة الفكريّة المتركّزة في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تحدّد بطبيعتها مركز القيادة، والتفوق علـى الوجود الأموي.

ورغم كلّ محاولات الحرب والتشويه ظلّ الإمام عليّ والأئمة من ولده (عليهم السلام) هم القمم الشامخة، والمنار الهادي في كلّ عصر، يرجع إليهم المسلمون، ويراهم
العلماء والمفسّرون والفقهاء أساتذة العلماء، وقادة الفكر والمعرفة. في حين كرّس الحكام الأمويون جهودهم ومن عهد معاوية بن أبي سفيان، ومن تلاه من حكام أمويين، كما كرّس العباسيون من بعدهم الجهود في محاربة علي وآله وشيعته، وإخفاء فضائله وعلومه ومعارفه وجهاده، ومحو تأريخه المشرق المجيد، إلاّ أنّ الله يأبى إلاّ إظهار الحق، و دحض الباطل.

ولننقل من وثائق التأريخ ما يكشف لنا جانباً من الحرب التي شنّها معاوية على مدرسة أهل البيت العلمية، وشخصياتهم وأشياعهم والموالين لهم، والعمل على محو فضائلهم.

روى أبوالحسن علي بن محمد المدائني في كتابه (الأحداث) قال: «كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة([1]): أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب، وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر، يلعنون عليّاً، ويقعون فيه، وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة; لكثرة من بها من شيعة عليّ (عليه السلام).

وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا مَنْ قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبِّيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم، وقرّبوهم. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه; لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكساء والحباء والقطائع...

ثم كتب إلى عمّاله: أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابه والخلفاء الأولين، ولاتتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب، إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحب إليَّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرئت كتبه علـى الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة، لا حقيقة لها، وجدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلِّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه وتعلّموه، كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيِّنة أنَّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واقطعوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره...»([2]).

وكان لهذه السياسة المعادية لآل البيت النبويّ نتائجها الإرهابية، وممارساتها العدوانية في مجال الفكر والسياسة، فقد مارس معاوية بن أبي سفيان القتل والملاحقة وقطع الأرزاق والإرهاب ضدَّ أنصار وأشياع آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أمثال الصحابي الجليل حجر بن عدي، الذي وصفه الحاكم في المستدرك براهب أصحاب محمد، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن شداد الشيباني، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ورشيد الهجري، وعبدالله بن يحيـى الحضرمي، وعبدالرحمن بن حسان العنزي، وغيرهم كثير.

وحين تولّى السلطة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، مارس أبشع مذبحة بآل البيت النبويّ المطهّر في العاشر من المحرّم عام (61هـ)، فقتل الحسين بن عليّ سبط الرسول واثنين وسبعين من أهل بيته وأصحابه. ثم قتل ثمانين من أصحاب النبيّ في وقعة الحرَّة في المدينة المنوّرة عام (63هـ). فاستأصل البدريّين جميعاً، فلم يبق بدريّ بعد هذه الواقعة المروِّعة.

وتواصل الإرهاب أيام عبد الملك بن مروان، فقُتل سعيد بن جبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو من أعلام أتباع أهل البيت، والمبرّزين من أشياعهم، الذي عرَّفه الذهبي بقوله: «سعيد بن جبير بن هشام الإمام الحافظ المقرئ المفسِّر الشهيد... أحد أعلام التابعين...»([3]).

وتوالت الحرب والمحن على أتباع أهل البيت وفكرهم ومدرستهم واتجاههم السياسيّ، فكان عليّ بن أبي طالب يُسب بأمر الحكّام الأمويين من فوق أعواد المنابر، وقمم المآذن، من تسلط معاوية وحتّى مجيء عمر بن عبدالعزيز إلى السلطة عام (99هـ)، فأمر برفع السبّ عن عليّ (عليه السلام).

وإنّ تلك المفردات تعطينا صورة عن الاضطهاد والإرهاب الفكريّ والسياسيّ الذي مارسته السلطات الأموية ضد آل البيت وأشياعهم.

وممّا خطّط له الأمويون هو وضع الحديث الذي بدأ في عصر معاوية، كما أشرنا آنفاً، وتبنّي مذاهب عقيديّة لمحاربة ما حمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من علوم ومعارف الشريعة، وطمس معالم مدرستهم، غير أنّ كلّ تلك السحب لم تستطع إخفاء الحقيقة، والقضاء علـى الحق الذي حمله أهل البيت (عليهم السلام)، فقد نطق به الهادي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فعن أم سلمة (رض) أنَّها قالت لأبي ثابت: «يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطيرها؟ قال: تبع علياً، قالت: وُفِّقت. والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله يقول: «عليّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض»([4]).

ولم تكن مناوأة الأمويين ومحاربتهم لعليّ وأهل بيته وخطّه الفكريّ والسياسيّ بأشد من محاربة العباسيين لهم. فقد روى لنا التأريخ ما يدمي القلوب، ويشيب لهوله الرضيع. ومن يتقصّى المآسي والمحن من القتل والتعذيب والتشريد الذي أوقعه خصومهم الأمويون والعباسيون يستطيع أن يملأ الألاف من الصفحات بتلك المآسي والمحن. فقد قتل العباسيون الآلاف من العلويين وأتباعهم، ولاحقوا أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، الصادق وولده موسـى بن جعفر، الذي سجنوه ومات في سجن الرشيد مسموماً.

وما لاقاه العلويون في عهد المتوكل العباسي يفوق كلّ إرهاب واضطهاد وقد لاقى الإمامان عليّ الهادي وولده الحسن العسكري من الاضطهاد والمضايقة والتعسّف والإرهاب الشيء الكثير. فقد بلغ الحقد في المتوكل العباسي أن كرب قبر الإمام السبط الشهيد الحسين بن عليّ (عليه السلام) ليقضي على هذا المنار الخالد، والرمز الشاهد علـى الظلم والطغيان، ويعاقب من يقدِّم عوناً لأحد من العلويين.

 

 

([1])يعني بعد صلح الحسن (عليه السلام).

([2]) ابن أبي/ الحديد شرح نهج البلاغة: 11/ 44 ـ 45.

([3]) سير أعلام النبلاء: ج4 / 321.

([4]) الزمخشري / ربيع الأبرار: 1 / 828 ـ منشورات الشريف الرضي.

 

 

التبنّي السلطوي

وكانت المحاربة لآل البيت تتخذ عدّة مسارات، أبرزها القتل والسجن والإرهاب الفكريّ، وتضليل الأمة، وإخفاء فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وعزل أئمة أهل البيت عن الأمة. وقد دفعهم الصراع الفكريّ والسياسيّ إلى تبنّي مذاهب فقهية وفكريّة لمواجهة مدرسة أهل البيت، واتّجاههم الفكريّ والسياسيّ. وبغض النظر عن موقفهم من تلك المذاهب، فقد كان الغرض الأساس هو تبنّي مذهب رسمي للدولة، يُفرض علـى الأمة جميعها، ويعزلها عن خط أهل البيت.

ونستطيع أن نعرف حجم الإرهاب من قراءة صحيح البخاري الذي حوى (7124) حديثاً، لم يرو فيه حديثاً عن الإمام جعفر بن محمد الصادق; وذلك لأن هذا الكتاب كتب في عهد المتوكل العباسي، مع أنّ جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قد أجمع المسلمون على ورعه، وعلمه، وأستاذيته لعلماء المذاهب، ومن الأمثلة على ذلك: تبنّي العباسيين للمذاهب الأربعة بشكل رسمي; وعدم الاعتراف بما صدر عن أئمة أهل البيت. ويحدّثنا التأريخ كيف تبنّى العباسيون مذهب الإمام مالك ـ رغم خلافهم معهـ ; ليكون البديل لفقه أهل البيت(عليهم السلام).

فقد جاء في مقدمة الموطأ ما يأتي: « ... على أنّ العلاقة بين مالك والعباسيين لم تلبث أن وُطّدت، إذ تقرّب العباسيون ليتخذوا منه ومن أمثاله، سنداً وعوناً في توطيد حكمهم، فزاره بعض الخلفاء العباسيين، وروى المهديّ العباسي عنه الموطأ، والروايات كثيرة حول مقابلات مالك وخلفاء العباسيين، وكلها تثبت أنّ العباسيين عرفوا قدر هذا العالم الكبير، وأنّهم أجزلوا له العطاء، ومنحوه سلطة تقرب من سلطة حاكم المدينة، فكان يأمر بحبس من يشاء، أو يضرب من يريد.

وبالرغم من ذلك فلم يكن الإمام مالك من مؤيدي العباسيين، فلقد كان يرى أنّ الحكم هو حكم عمر بن الخطاب، وعمر بن عبدالعزيز، وكان يرجو أن يُتاح للمسلمين من يحكم بحكمهما»([1]).

وقد روى الطبري عن العباس بن الوليد، عن إبراهيم بن حماد قال: «سمعت مالكاً يقول: قال لي المهديّ: يا أبا عبدالله ضع كتاباً أحمل الأمة عليه.

قال: يا أميرالمؤمنين، أمّا هذا الصقع وأشار إلـى المغرب فقد كفيتكه، وأمّا الشام ففيهم الذي علمته يعني الأوزاعي، وأمّا أهل العراق فهم أهل العراق. فيُفهم من ذلك أنّ المهدي العباسي هو الذي طلب من مالك أن يصنّف الموطأ. ولكن هناك رواية أُخرى ذكرها الطبري أيضاً تخالف الرواية الأولى. فقد روى عن محمد بن عمر قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لمّا حجّ أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحادثته، وسألني فأجبته، فقال: إنّي عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعتها يعني الموطأ فتنسخ نسخاً ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدونه إلى غيره، وَيَدَعوا ما سوى ذلك في العلم المحدَّث، فإنّي رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم...([2]).

وكما انتشر الفقه الرسمي بتبنّي السلطات، انتشرت عقائد الأشاعرة بالقوة أيضاً، فقد بدأ ميلاد المذهب الأشعري في العقائد عندما أعلن علي بن إسماعيل الأشعري من منبر مسجد البصرة رجوعه عن آراء المعتزلة. ثم انتقل هذا المذهب إلى مناطق أخرى من بلدان العالم الإسلامي، فكان انتشاره في العراق في حدود سنة (380 هـ) ثم أُرغم الناس في مصر في عهد صلاح الدين الأيوبي على اتّباع مذهب الأشعري.

وقد ثبّت المقريزي ذلك بقوله: «فلذلك عقدوا الخناصر، وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس علـى التزامه،فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق مع ذلك توجه أبي عبدالله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب، وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبدالمؤمن بن علي القيسي، وتلقّب بأميرالمؤمنين، وغلب على ممالك المغرب، هو وأولاده من بعده مدة سنين، وتسمّوا بالموحِّدين; فلذلك صارت دولة الموحّدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهدي المعصوم.

فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلاّ الله خالقها سبحانه وتعالى كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب وجُهل، حتّى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، الى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبوالعباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني فتصدى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم.[3].

وهكذا يحدثنا التأريخ عن الصراع الذي نشب بين السلطات الحاكمة وبين مدرسة أهل البيت، وتبنّي السلطات لمذاهب عقيدية وفقهية بصورة رسمية، وعزل مدرسة وخط أهل البيت (عليهم السلام) وتطويقه. وعلى الرغم من ذلك فانّه استمر في النمو والعطاء حتى فرض نفسه كأمر واقع. فرض نفسه بمنهجه وعلميته، وقوة دليله، وسلامة اتجاهه.

 

معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)

ومن خلال استقراء ما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من حديث وتفسير وفقه ومعارف وعلوم أخرى تتبين لنا معالم مدرستهم، فهي:

1 ـ إنّ الأساس والمصدر للعلوم والمعارف الإسلامية جميعها هو القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، فهما المصدران الكافيان للبشريّة على امتداد وجودها.

2 ـ إنّ المرجع في فهم الكتاب والسنّة، والأخذ منهما، بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

3 ـ إن للعقل دوره في استفادة المعارف والعلوم وفهم الكتاب والسنة.

4 ـ إنّ ما صدر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من علوم ومعارف هو امتداد للسنّة المطهرة; لذا فهو يمثل نصّاً شرعياً معصوماً عن الخطأ والزلل، وليس اجتهاداً قابلا للنقض باجتهاد آخر. وهذا يعني أنّ ما صدر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يمثِّل اتجاهاً مذهبياً، كالاتجاهات المذهبية الأخرى، بل يمثّل الفهم والبيان الواقعي لما حوى القرآن الكريم، ولما صدر عن الرسول الأمين(صلى الله عليه وآله وسلم); لذا كان امتداداً للسنّة النبويّة المطهّرة.

5 ـ لقد تمّ نقل السنّة المطهّرة عن طريق أئمة الهدى (عليهم السلام) ابناً عن أب، وتسلموها يداً بيد. فهي بأيديهم سليمة نقية محفوظة، وأنهم الصادقون المطهرون، وأن المشكلة فيما وصل الينا عن الرسول الأعظم وعنهم هي من الرواة الذين أخذوا عنهم، ورووا، ففيهم الكذاب والوضاع والمخلط ...الخ. وأمثالهم ممن حذَّر منهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى; لذا فإنّ الروايات والأخبار الواردة عن طرق الرواة التي تنتهي إلى أئمة أهلالبيت(عليهم السلام) تخضع للتحقيق والتحرّي والتبيُّن. وعندما تثبت صحة الرواية يؤخذ بها بغض النظر عن مذهب راويها.

6 ـ إنّ الاجتهاد والتعدد في الرأي، هو عمل مشروع في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وله أصوله وقواعده وأدواته العلمية المحددة في هذه المدرسة، وبابه مفتوح على امتداد العصور الممتدة في مرحلة الغيبة. وبذا تكون الصفة المذهبية منطبقة على آراء الفقهاء والمجتهدين في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وليست صفة لما صدر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فالصفة المذهبية تنطبق علـى النتائج الاجتهادية، وليس علـى البيان الواقعي للكتاب والسنّة النبويّة، علـى الرغم من تداول مصطلح مذهب أهل البيت، ومذهب الشيعة الإمامية، والمذهب الجعفري نسبة إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).

ومن الجدير ذكره هو أنّ هذه المعارف الاجتهادية هي نتاج محاولة علمية قامت على أساس بذل الجهد، واستفراغ الوسع العلمي من قبل العلماء المجتهدين، وأصحاب الرأي والنظر; لاستنباط واستخراج الأحكام والمفاهيم والنظريات الإسلامية من أُصولها الأوليّة (الكتاب والسنّة). وتلك الجهود العلمية مُعرَّضة للخطأ والصواب، وليس فيها من حجّية وإلزام إلاّ بقدر ما يسندها الدليل العلمي.

وإنّ قيمتها تأتي من قدرتها على تشخيص مجالها وفق الواقع النصيّ (ما حوى الكتاب والسنّة).

وبذا تبقى جهود الفقهاء والمفسّرين والفلاسفة والمتكلّمين ...الخ جهوداً علمية تحاول فهم النصّ والاستنباط منه والتنظير على أساسه.

وتقودنا هذه الحقائق إلـى التعريف بأنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّما أُسّس كيانه وبناؤه على يد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّه امتداد للخط النبويّ، وميراث علميّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّ ما أنتجه علماء هذه المدرسة هو عبارة عن آراء وأفكار اجتهاديّة ليس بالضرورة أن تمثّل جميعها الفهم الصواب; ذلك لأنّ المجتهد يُخطئ ويُصيب; لذلك نجد الحوار والنقد قائماً بين علماء هذه المدرسة، كما هو قائم بين علماء المذاهب الإسلامية المتعدّدة.

وهكذا تبقى آراء المتكلّمين والفلاسفة والمنظّرين والمفسّرين والفقهاء تمثّل اجتهاد العلماء لفهم النصّ والتأسيس عليه والاستنباط منه، في ضوء بيان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المدرسة; لذا فليس كلّ ما يتوصّل إليه أصحاب الآراء في هذه المدرسة يكون رأياً ملزماً لكل أحد، وممثلا لواقع الفهم الإمامي للإسلام، بل يبقى رأياً لصاحبه حجة عليه وعلى مقلديه ان كان واجداً لشروط التقليد الصحيح، ضمن إطار مدرسة أهل البيت.

ولذا ينبغي أن نميّز بين النصّ والاجتهاد في تقرير المعتقد، وفي استنباط الفكر والأحكام.

وممّا يجدر إيضاحه هنا هو أنّ النصّ القرآني محفوظ من التحريف والتزييف، فهو بين أيدينا الآن كما نزل على الرسول الهادي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أمّا السنّة النبوية، وما صدر عن أئمة أهل البيت فقد عُرِّضا للتحريف والدَّس والتزييف; لذا فإنَّ إثبات صدور النص المنسوب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمة (عليهم السلام) يحتاج إلى جهود علمية، وتحقيق أمين لإثبات صحة صدوره، قبل اعتماده، والعمل به; لذا رفض علماء هذه المدرسة التسليم بوجود كتب حديث صحاح بكل ما فيها.

من هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام)

ليس بخاف على أحد من علماء المسلمين والمهتمين بدراسات علم الرجال والسير بمختلف مذاهبهم المقام الفريد في العلم والتقوى الذي يتمتع به أئمة أهل البيت (عليهم السلام). فقد أسهب العلماء في سرد فضائلهم والثناء عليهم.

ولنلتقط بعضاً من تلك التعاريف; لنعرف مكانة هذه المدرسة وقيمتها العلمية من بين المذاهب الإسلامية.

ولنبدأ بالتعريف بمقام الإمام علي (عليه السلام)، فقد شهد القرآن الحكيم والرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بعلم علي وتقواه وتفوقه على غيره من الصحابة، كما شهد الصحابة، والعلماء فيما بعد بذلك.

نذكر من هذه الشهادات: أخرج الحافظ أبو نعيم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله لعلي: «يا علي إنّ الله أمرني أن أُدنيك، وأُعلِّمك لتعي، وأُنزلت هذه الآية:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) فأنت أُذن واعية لعلمي»([4]).

وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تدل بوضوح على مقام علي (عليه السلام) وأهل البيت وطهارتهم وعصمتهم لامجال للتعريف بها في هذه الدراسة السريعة كما أن هناك الكثير من الأحاديث الصادرة بمناسبات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الشأن، وجملة منها متواترة، أو مستفيضة، أو صحيحة في كتب الفريقين تؤكد مرجعية علي (عليه السلام) وعصمته وكونه امتداداً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده.

ولقد أجمع الصحابة على الاعتراف بعلم علي وتفوقه علـى الصحابة جميعهم، من تلك الاعترافات ما شهدت به عائشة من علم علي وتفوقه على الجميع بقولها: «عليٌّ أعلم الناس بالسنّة»[5].

ووصفه حبر الأمة عبدالله بن عباس بقوله: «...وما علمي وعلم أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) في علم علي (عليه السلام)إلاّ كقطرة في سبعة أبحر»([6]).

وقال عبدالله بن مسعود: «قُسِّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأُعطي علي تسعة أجزاء، والناس جزءاً واحداً، وعلي أعلمهم بالواحد منها»([7]).

وروي عن عمر بن الخطاب قوله: «اللّهم لا تبقني لمعضلة ليس لها أبو الحسن»([8]).

ولقد تحدَّث علي (عليه السلام) عن عناية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) به وتعليمه إيّاه، واعداده له فقال (عليه السلام): «كان لي من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي»([9]).

وكما يعترف الصحابة والعلماء بعلم علي ومرجعيته فإنّ ولديه الحسن والحسين هما من أهل البيت الذين أذهب الله عنهما الرجس، الثقل الثاني بعد الكتاب الذين لايفترقون عنه في العلم والعمل، كما جاء في حديث الثقلين الذي أوردناه آنفاً، وهما مَنْ أجمع المسلمون على إمامتهما ومقامهما العلمي السامي في المسلمين، ويعترف علماء الإسلام جميعهم بأعلمية الأئمة من ولد الحسين(عليهم السلام) وتفوقهم على غيرهم. نذكر بعضاً من هذه الشهادات التي سجّلتها الكتب والمدوّنات.

قال الإمام الشافعي يصف الإمام زين العابدين علي ابن الحسين (عليه السلام): «إنّ علي بن الحسين أفقه أهل المدينة»([10]).

ونقل سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص عن عطاء، أحد أعلام التابعين، قوله في الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) ما نصّه: «ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر»([11]).

ووصف ابن حبان الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر (عليه السلام) في كتابه الثقات بقوله: «...وكان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلا، وروى عنه الثوري ومالك وشعبة والناس»([12]).

وقال الشيخ محمود أبو زهرة شيخ الأزهر، واصفاً الإمام جعفر بن محمد الصادق بقوله: «...وله على الأكابر منهم، أئمة المذاهب، فضل خاص، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الإمام مالك يختلف اليه دارساً راوياً. ومن كان له فضل الأستاذية على أبي حنيفة ومالك فحسبه ذلك فضلا...»([13]).

وروى النجاشي في رجاله بسنده عن الحسن بن علي الوشّاء في حديث أنه قال:« أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ، كلٌ يقول: حدَّثني جعفر بن محمد».

وتحدث الحافظ الرازي في كتابه الرجالي الشهير عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)ابن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)فقال: «ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين»([14]).

ووصفه مؤمن الشبلنجي بقوله: «كان موسى الكاظم (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأعلمهم»([15]).

ووصف العسقلاني الإمام الرضا علي بن موسى ابن جعفر بقوله: «كان الرضا من أهل العلم والفضل»([16]).

ووصف الصفدي الإمام الجواد محمد بن علي الرضا (عليه السلام) بقوله: «...كان من سروات آل بيت النبوة...»([17]).

ووصفه ووصف أبيه علي الهادي (عليه السلام) ابن حجر بقوله: «كان علي الهادي وارث أبيه علماً وسخاءً»([18]).

وتحدَّث أبو الفلاح الحنبلي في الإمام علي الهادي بقوله: «...كان فقيهاً إماماً متعبّداً»([19]).

ووصف سبط ابن الجوزي الحنفي الإمام العسكري الحسن بن علي الهادي، بقوله: «وكان عالماً ثقة، روى الحديث عن أبيه عن جده»([20]).

وخاتمة الإمامة هو الإمام محمد بن الحسن المهدي الذي قال فيه الرسول الهادي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله:

«لو لم يبق من الدَّهر إلاّ يوم لبعث الله رجلا من
أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جوراً»([21]).

هؤلاء هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين تنسب اليهم مدرسة أهل البيت (مذهب الشيعة الإمامية)، فمنهم تلقوا، وعنهم أخذوا.

وأصول تلك المدرسة وفروعها مدونة تدويناً علمياً، ولقد أنجبت جهابذة العلماء، من فقهاء ومتكلّمين ورواة حديث وفلاسفة ومفسّرين ولغويين وأصوليين، وقد أنتجت هذه المدرسة الإسلامية عشرات الآلاف من الكتب والمؤلفات العلمية في الفقه وأصوله، والرواية والرجال والتفسير وعلم الكلام والتأريخ واللغة والفلسفة والأخلاق، وغيرها من العلوم والمعارف الإسلامية. فهي أغنى مدرسة في بحوثها ودراستها وعطائها العلمي، ويبلغ عمر هذه المدرسة الاجتهادي أكثر من ألف سنة، وهي ما زالت تتألق بثرائها واستمرار عطائها العلمي، وخدمتها للعقيدة والشريعة والثقافة الإسلامية.

 

 

([1]) موطأ مالك: المقدّمة ص جك.

([2])المصدر السابق: زك.

([3]) المقريزي / الخطط: 2 / 358 ـ 359.

([4]) حلية الأولياء: 1 / 67.

([5]) طبقات ابن سعد: 2 / 339، الاستيعاب: ج3 / 41 وغيرهما.

([6]) راجع الغدير: 2 / 81 و3 / 144 الطبعة المحققة.

([7]) المتقي الهندي / كنز العمال: 5 / 156.

([8]) سبط ابن الجوزي / تذكرة الخواص: ص87، مناقب الخوارزمي: ص58.

([9])النسائي / السنن الكبرى: 5 / 141 ـ كتاب الخصائص.

([10]) رسائل الجاحظ السياسية: ص450، ابن أبي الحديد / شرح نهج البلاغة: 15 / 274.

([11]) تذكرة السبط: ص337.

([12]) الثقات: 6 / 131.

([13])الشيخ محمود أبو زهرة / الإمام الصادق: ص 3 ـ 4 المقدمة.

([14]) الجرح والتعديل: 8 / 139.

([15]) نور الأبصار: ص151.

([16]) تهذيب التهذيب: 7 / 340.

([17]) الوافي بالوفيات: 4 / 105.

([18]) الصواعق المحرقة: ص207.

([19]) ابن العماد الحنبلي / شذرات الذهب: 2/ 128 129.

([20])تذكرة الخواص: ص362.

([21])ابن الصباغ المالكي / الفصول المهمة: ص289، وقد ذكر علماء الحديث والرواية أن أحاديث المهدي رواها ستة وعشرون صحابياً وخرّجها من أئمة الحديث ثمانية وثلاثون.

 

 

خصائص النظرية الاجتهاديةفي مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام)

للفقه والاجتهاد الذي يمارسه الفقهاء والمجتهدون أصوله وقواعده وضوابطه ومنهج عمله الذي يعتمده فقهاء هذه المدرسة، يمكن تلخيصها بالآتي:

1 ـ انفتاح واستمرارية حركة الاجتهاد في هذه المدرسة.

2 ـ اعتماد علماء هذه المدرسة ثروة من نصوص السنة الشريفة تفوق ما عند فقهاء المذاهب الأخرى، وبطرق وروايات أوفر وأدق تطبيقاً لشرائط الحجية مما هو قائم لدى فقهاء المذاهب الأخرى.

3 ـ رفض القياس والاستحسان أو الاعتماد على الذوق البشري في الاستنباط.

4 ـ بناء منهج الاجتهاد وطريقة الاستنباط لدى فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على أساس ما رسمته السنة، أي أن منهج الاستنباط مستنبط من السنة والنصوص القرآنية، لا على الرؤى الشخصية للفقيه.

5 ـ التزام الدقة والموضوعية والاحتياط، وعدم التأثر بميول السلطة وأهوائها. فقد مارسوا مسيرتهم العلمية من موقع المعارضة في معظم ظروف عملهم الاجتهادي.

خاتمة:

(فبشّر عباد * الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه)([1])

إن من أولى صفات الإنسان المؤمن هي تحري الحقيقة، والبحث عنها، وإن من الحقائق الواضحة لدى كل باحث مطلع، أن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم العلمي والسياسي قد عُرِّض لحرب سياسية ودعائية وتشويه متواصل. والذين اشتركوا في هذه الممارسات هم صنفان: صنف قد خطط لهذه المواقف وعمل على تنفيذها، وهو يعرف الحقيقة، ويمارس تلك المواقف لهوىً في النفوس، وخوفاً من تفوق أهل البيت (عليهم السلام)وظهور منهجهم العلمي، وهم الحكام المعادون لأهل البيت (عليهم السلام)ومن مالأهم على ذلك.

وصنف جهل الحقيقة وضُلّل ولم يكلف نفسه، أو لم تتهيأ له ظروف التعرف على هذا المنهج الإسلامي الأصيل وفي كلتا الحالتين فإن الإنسان المسلم ليس معذوراً بجهله، كما هو مسؤول عن مواقف التعصب وعدم تقبل كلمة الحق; لذا فإن كل مسلم مخاطب بوجوب التعرف على هذا المنهج الإسلامي بقدر ما يوضح له الطريق، ويصحح رؤيته، ويحدد له مسؤوليته الشرعية، وكما يتوجب ذلك على المسلمين الذين حجبت عنهم الحقيقة، يتوجب على الكتّاب والعلماء والمفكرين والمثقفين الإسلاميين أن ينيروا الدرب لأجيال المسلمين، ويعرِّفوهم على ما خفي عليهم من تلك الحقائق، ويستبدلوا الفرقة بالوحدة، والجهل بالمعرفة، والتعصب بالمرونة والانفتاح العلمي الأمين.

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)

والحمد لله رب العالمين


 

([1])الزمر: 17 ـ 18.

 

الصفحة الرئيسية